مدخل لفقه الكفارات العامّة
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1439/07/25 الموافق 2018/04/11 - 06:48 م

 الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه،

أمَّا بعدُ،

فإنّ فقه الكفّارة، بابٌ من أبواب الفقه المهمّة، لا يستغني عن معرفته مسلمٌ، إذ تمسُّ حاجتُه إليه دوماً، لأنّه من خلال تصريف أمور حياته أو عبادته، معرّضٌ لارتكاب محظورٍ من المحظورات، يُرتّب عليه إثماً، ويُخلّف رَيناً يُوشك إذا تراكم على القلب أن يُختم عليه؛ إن لم يتدارك نفسه بالاجتهاد في محو آثار هذه الخطيئة، ومن رحمة الله عزّ وجلّ أن شرع لنا الكفّارات، وههنا تعريفٌ بها، وتصنيفٌ لأحد نوعيها.

مفهوم الكفارة في اللغة:

مفهوم الكفّارة، مشتقٌّ من مادّة "كَفَر"، التي فيها (الْكَافُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ، يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ)[1].

وقد جاء هذا المفهوم على صيغة "فعّالة"، وهي تجمع بين ثلاث دلالاتٍ صرفيَة: كونها اسماً من أسماء الآلة، وكونها صيغةً تدلُّ على المبالغة في الفعل، وكون فعلها الماضي "كفَّر" مضعّفاً، فمصدره على وزن "تكفير".

وبناءً على هذه الدلالات المعجمية والصرفية، يكون مفهوم الكفّارة دالاً على آلةٍ أو آليّةٍ يتحقّق بها التّكفيرُ ستراً وتغطيةً لشيءٍ معيّن.

مفهوم الكفارة في الاصطلاح وأهميتها:

أمّا المعنى الاصطلاحيّ للكفّارة، فلا يخرجُ عن دائرة هذا المعنى اللّغويّ، يقول الرّاغب: (والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: {ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ} [المائدة:89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار، قال: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ} [المائدة: 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يُعمل)[2].

قال البدر العيني: (وَالْكَفَّارَة على وزن: فعَّالة، للْمُبَالَغَة، كقتالة وضرابة، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة فِي بَاب الاسمية، وَهِي عبارَة عَن الفعلة والخصلة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة أَي: تسترها وتمحوها)[3].

فالكفّارة اسمٌ لعملٍ يقوم به المسلم، من أجل التكفير عن خطيئةٍ ارتكبها، وذلك سواءٌ كان قيامه بذلك طوعاً كما في كفّارة اليمين، أو كرهاً كمّا في الكفّارات المتعلّقة بارتكاب جرائم حدّيّة.

وقد روي في الحديث القدسي، عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول الله تعالى: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ»[4].

وممّا يدلُّ على أهمية الكفّارة أن استفاضت بذكرها نصوص الشّرع، ممّا سوف نطّلع عليه عبر فقرات هذه المباحثة، حتّى يظنُّ المسلم أنّها مبدأ عامٌّ ينبغي استشعاره دوماً لدى مختلف مواقف حياته، فقد روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا»[5].

نوعا الكفّارات:

للكفّارات أنواعٌ عديدة، ويمكن تصنيفها عموماً إلى نوعين:

الأول: كفّارات خاصّة:

وهي خمس أنواعٍ مخصوصة:  كفَّارة اليمين، وكفَّارة الظِّهار، وكفَّارة القتْل، وكفَّارة الجماع في نَهار رمضان، وكفَّارة الإفطار المتعمَّد في رمضان بغيْر الجِماع.

وتتميّزهذه الكفّارات الخمس بأنّه قد ورد فيها القول مفصّلاً، ضمن نصوصٍ شرعيّة عديدة، كما أنّها تتميّز بأنّ في كفّارة كلٍّ منها ثلاث خصال: عتقٌ، أو صيامٌ، أو إطعام، بكيفيّاتٍ تختلف باختلاف نوع الكفارة.

والثّاني: كفّاراتٌ عامّة:

وهي ما عدا الكفارات الخمسة المخصوصة، بيد أنّها تتنوّع إلى أنواعٍ عديدة، وردت بها نصوص الكتاب والسنة، فههنا نماذج وأمثلة متنوّعة لها، مستقاة من صحيحي البخاري ومسلم، بصورةٍ أساسيّة.

من أنواع الكفّارات العامّة:

الحدود الشّرعية والقصاص:

يدلّ على كونها كفّاراتٍ، ما روي عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ)[6].

قال بدر الدين العيني: (قَوْله: "فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ" هَذَا صَرِيح فِي الرَّد على من قَالَ: إِن الْحُدُود زاجرات لَا مكفِّرات)[7].

وقال السفيري في معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- ((فهو كفارة له)): (أي: فالعقاب الذي استُوفي منه في الدنيا فهو كفارة له، فلا يطالب به في الدار الآخرة، وإن لم يتب وهذا هو مذهب الأكثرين)[8].

وذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاري أنّ قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فهو كفارة له)): (استُشكل بأنَّ قتل المرتدِّ على ارتدادِه لا يكون كفارةً، وأجيب: بأن الحديث مخصوصٌ بقولهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116]، وحاصل ما ذهبَ إليه أكثرُ الفقهاءِ: أنَّ الحدودَ في غير الشركِ كفارات، وقال قومٌ بالوقفِ لخبر الحاكم: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - "قال: لا أدري الحدودُ كفارةٌ لأهلِها، أمْ لَا"(1) وأُجيبُ: بأن خبر الباب أصحُّ إسنادًا، وبأن خبر الحاكم ورد قبل أَنْ يُعلمَ -صلى الله عليه وسلم- بذلك، ثم أعلَمهُ الله أخيرًا به. "فهو إلى الله" أي: مفوَّضٌ إليه. "إن شاء عفا عنه" بفضلهِ، "وإنْ شاء عاقبه" بعدلهِ، ثم أدخلَهُ الجنَّةَ، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلةِ في قولهم: إنَّ صاحبَ الكبيرة إذا ماتَ بغيرِ توبةٍ لا يعُفى عنه، وأنه إذا تاب يجب أنْ يُعفا عنه)[9].

البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أَنَس بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا»[10]. قال القسطلاني في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا»: (في تراب المسجد ورمله وحصبائه، إن كان وإلاّ فيخرجها)[11].

الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ:

أخرج البخاريُّ في صحيحه أنّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ»[12]).

وفي روايةٍ أخرى: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ»[13].

الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ والجمعة إلى الجمعة:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ: ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لاَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا»[14].

وفي فقه هذا الحديث قل ابن الدماميني: (شبه على جهة التمثيل حالَ المسلم المقترِفِ لبعض الذنوب، المحافظِ على أداء الصلواتِ الخمس في زوال الأذى عنه وطهارته من أقذار السيئات بحالِ المغتسِل في  نهر على باب داره كلَّ يوم خمسَ مرات في نقاءِ بدنه من الأوساخ وزوالِها عنه)[15].

قال: (قيل: وفيه إشارة إلى الصغائر بذكر الدرن؛ إذ يبعد تشبيه كبائر الجرائم بذلك)[16].

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الصَّلَاةُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ»[17].

وتتأيد دلالة الحديث، بما رواه الإمام مسلم، عن عُثْمَان رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»[18].

من نسي صلاةً:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]»[19].

قال ابن رجب: (وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يُعِدْ إلا تلك الصلاة الواحدة). قال: (وهذا قول جمهور أهل العلم)[20].

العمرة إلى العمرة والحجّ المبرور:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ»[21].

قال القسطلاني: (وظاهرُه أن العمرة الأولى هي المكفرة لأنها هي التي وقع الخبر عنها أنها تكفر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفر ما قبلها إلى العمرة السابقة، فإن التكفير قبل وقوع الذنب حلاف الظاهر)[22].

(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ، قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنْ الْإِثْمِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقِيلَ: الْمَقْبُولُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَنْ يَكُونَ حَالُهُ بَعْدَهُ خَيْرًا مِنْ حَالِهِ قَبْلَهُ)[23].

التكفير عن الميت:

تحت عنوان: (بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ)، قال البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاَثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ)[24].

ثم أخرج عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[25].

قال الخطابي: (قلت: هذا فيمن لزمه فرضُ الصوم إما نذراً وإما قضاء عن رمضان فائت، مثل أن يكون مسافراً فيقدم، وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات، أو يكون مريضاً فيبرأ ولا يقضي)[26].

قال الإمام النوويّ: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ قَضَاءٌ أَوْ نَذْرٌ أَوْ غَيْرُهُ: هَلْ يُقْضَى عَنْهُ؟ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، أَشْهَرُهُمَا: لَا يُصَامُ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَيِّتٍ صَوْمٌ أَصْلًا، وَالثَّانِي: يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَيَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْهُ وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَيِّتُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِطْعَامٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابِنَا الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ)[27].

 

التكفير عن الشرك وكبائر الذنوب:

أخرج البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] وَنَزَلَتْ {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53])[28].

ففي هذا الحديث أنّ هؤلاء العصاة المسرفين على أنفسهم، قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: (لو نجد في دينك ما يكفِّر عنا ذنوبنا إذا نحن دخلنا فيه لأسرعنا إلى الإيمان وبادرنا إليه)[29]، فنزلت الآيتان، وفي ذلك دلالة على (أنَّ التوبة الصادقة المقترنة بالإخلاص والعمل الصالح، تكفّر جميع الكبائر بما فيها الكفر بالله تعالى، لأن الآية وإن نزلت في الكفار إذا أسلموا إلاّ أن حكمها عام يشمل الكافر والمسلم، لأن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد قال تعالى فيها: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا})[30].

وقال الكشميري الديوبندي في هذه الآية الثانية: (أَشكلت الآيةُ من حيث تضمُّنُها مغفرةَ الشِّرْك أيضًاً، فأَوَّلُوها بما لا أرضى به. وعندي أنَّ الآيةَ ليس فيها حُكْمٌ بالمغفرة، بل بيانٌ لشأنِه تعالى، وإنْ لم يظهر في حقِّ المشركين، لسبق إرادةِ التَّعْذيب في حَقِّهم، وعليه قوله -صلى الله عليه وسلّم- «فإِنَّه لا صلاةَ لمن لم يقرأ بها» فهذا شأنٌ لها، ولو لم يتحقَّق في حقِّ المقتدي، وقد قررناه مِرارًا)[31].

 

[]المرض والمصائب المُكفّرة:

تحت عنوان: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123])[32]، أخرج البخاريّ عن عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا»[33].

 

[]كفارة الهمّ والغمّ والنصب والوصب:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»[34].

 

وذكر الإمام النوويّ أنّ في ذلك (بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْفَكُّ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ ساعة من شئ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَفِيهِ تَكْفِيرُ الْخَطَايَا بِالْأَمْرَاضِ والاسقام ومصايب الدُّنْيَا وَهُمُومِهَا وإِنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُهَا وَفِيهِ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَزِيَادَةُ الْحَسَنَاتِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطَايَا فَقَطْ وَلَا تَرْفَعُ دَرَجَةً وَلَا تُكْتَبُ)[35].

 

[]كفارة من لطم مملوكه أو ضربه:

أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا، قَالَ: فَأَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ عُودًا أَوْ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يَسْوَى هَذَا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ»[36].

 

قال الإمام النووي: (قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ الرِّفْقُ بِالْمَمَالِيكِ وَحُسْنُ صُحْبَتِهِمْ وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ بِهَذَا لَيْسَ وَاجِبًا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ رَجَاءَ كَفَّارَةِ ذَنْبِهِ فِيهِ إِزَالَةُ إِثْمِ ظُلْمِهِ وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ إِعْتَاقِهِ حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ بَعْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ حِينَ لَطَمَ أَحَدُهُمْ خَادِمَهُمْ بِعِتْقِهَا قَالُوا لَيْسَ لَنَا خَادِمٌ غَيْرُهَا قَالَ فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِعْتَاقُ الْعَبْدِ لِشَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْخَفِيفِ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ وَشَنُعَ)[37].

المراجع

[1] مقاييس اللغة (5/ 191).

[2] المفردات في غريب القرآن (ص: 717).

[3] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 154).

[4] رواه البخاري (7538).

[5] رواه مسلم (2574).

[6] رواه البخاري (18) ومسلم (122).

[7] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (24/ 277).

[8] شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية (1/ 431).

[9] منحة الباري بشرح صحيح البخاري (1/ 159).

[10] رواه البخاري (415).

[11] شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (1/ 421).

[12] رواه البخاري (1895).

[13] رواه البخاري (525).

[14] رواه البخاري (528).

[15] مصابيح الجامع (2/ 215).

[16] مصابيح الجامع (2/ 216).

[17] رواه مسلم (233).

[18] رواه مسلم (228).

[19] رواه البخاري (597) ومسلم (684).

[20] فتح الباري لابن رجب (5/ 126).

[21] رواه البخاري (1773) ومسلم (1349).

[22] شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (3/ 261).

[23] سبل السلام (1/ 599).

[24] صحيح البخاري (3/ 35).

[25] رواه البخاري (1952) ومسلم (1147).

[26] معالم السنن (2/ 122).

[27] شرح النووي على مسلم (8/ 25).

[28] رواه البخاري (4810) ومسلم (122).

[29] منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 68).

[30] منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 69).

[31] فيض الباري على صحيح البخاري (5/ 375).

[32] صحيح البخاري (7/ 114).

[33] وراه البخاري (5640) ومسلم (2573).

[34] رواه البخاري (5641).

[35] شرح النووي على مسلم (16/ 128).

[36] رواه مسلم (1657).

[37] شرح النووي على مسلم (11/ 127).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين الشريفين يرعى غدًا حفل تدشين قطار الحرمين السريع
يرعى بمشيئة الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - يوم غد الثلاثاء حفل تدشين قطار الحرمين السريع.
كانتون سويسري يصوت لمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة
يصادق كانتون سويسري للمرة الثانية على قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العام، وصوت نحو 67 بالمئة من الناخبين في الكانتون الشمالي الشرقي لصالح القانون الجديد، وفق نتائج رسمية، ما يمهد الطريق أمامه للسير على خطى كانتون تيتشينو الجنوبي الذي أقر قانونا مشابها قبل عامين بدا وكأنه يستهدف النقاب واشكالا أخرى من الحجاب الإسلامي.
الكحوليات تقتل 3 ملايين شخص سنويا!
قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 3 ملايين شخص توفوا عام 2016 بسبب الإفراط في شرب الكحول، مما يعني أن واحدة من كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بهذا السلوك.
فقه النّيّة في نصوص اللغة والشّرع (1)
فإنّ مفهوم النّية من المفاهيم الفقهيّة الأساسيّة، التي لا يكاد يخلو منها بابٌ من أبواب الفقه، بيد أنّه يصدر إليها من دائرة ما يُسمّى بالفقه الأكبر، أو فقه الصفات والأعمال الباطنة، ورغم أهميتها الكبرى فقليلةٌ هي الدراسات المتعلّقة بالنّية، فلذا عزمت على أن أخصّصها بهذه المباحثة، التي عزمت فيها على استقراء معظم مسائلها، والخوض في كلّ مباحثها، راغباً في تجميع أطرافها، اعتماداً على نصوص اللّغة والشرع، واستئناداً إلى ما قرّره فيها وحولها علماء الأمّة وفقهاؤها، مبتدئاً ببيان الدّلالة اللّغويّة لهذا المفهوم:
الجامع المستوعب لدلالات الصّيام في لغة العرب
فإنّ الصّلة بين اللّغة العربية والفقه الإسلاميّ، صلةٌ وطيدة، وفي هذا الصّدد يقول مؤسس علم أصول الفقه الإمامُ الشَّافعيُّ: (إنَّما خاطب اللهُ بكتابه العربَ، على ما تعرفُ من معانيها)[1]، وهي الحقيقةُ التي انتبه لها مجدِّدُ علم الأصول الإمامُ الشَّاطبيُّ فقرَّرها بقوله: (إنَّ هذه الشريعة المباركة عربيَّة... المقصودُ هنا: أنَّ القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنَّما يكونُ من هذا الطريقِ خاصَّةً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}... فمن أراد تفهُّمه فمن جهة لسان العرب يُفهم)[2].
فقه الأوقات المنهيِّ عن الصَّلاة فيها (3/3)
ففي الحلقة الأولى من هذه المباحثة الفقهيّة، قمنا بتحديد الأوقات المنهيِّ عن الصّلاة فيها، استناداً إلى نصوص الأحاديث الصَّحيحة الواردة في المسألة.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م