فروق بين القاضي والمفتي.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/07/23 الموافق 2018/04/09 - 04:31 م

 الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسَّلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإنّ من سماحة هذا الدّين الحنيف، ودلالته على التيسير ورفع الحرج، اهتمامَه بما يحقق للعباد الفلاح والصّلاح في العاجل والآجل، واكتراثَه بما يجلب لهم الأمن والاستقرار, واعتناءَه بسدّ أبواب ووسائل انتشار الفساد والفوضى بينهم، وأمرَه العباد بالرجوع إلى أهل العلم عند استشكال شيء من أمور دينهم؛ للاستفسار والاستفتاء, قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[1]، وتجويزَه وشرعَه الانتصاب للقضاء بين الخصوم؛ لقمع وازدراء الظلم والظالمين، وإجلال وإكرام المظلومين المستحقين.

وإذا انتشر الأمن والاستقرار في مجتمع, فإنّ لذلك أسبابًا وأسرارًا عدّة - بعد إرادة الله سبحانه وتعالى ذلك وتوفيقه – من أهمّها ما يلي:

الأوّل: تولية وتعيين خيار الناس للولاية والرئاسة.

الثّاني: تحكيم شرع الله تعالى.

الثَّالث: وجود علماء ربانيين، يرجع الناس إليهم, ويستفتونهم في أمر دينهم.

الرّابع: وجود قضاة عدول، يحكمون بما أنزل الله، ويوصلون الحق إلى مستحقّيه دون حيف وظلم، ودون المطالبة بالرشوة المحرمة.

وقد اعتنى العلماء ببيان الشروط والصفات التي لا بد من توفرها في المفتي والقاضي؛ وذكروا فروقًا عدّة بين وظائف الاثنين؛ منعًا لتداخل تصرفاتهما, وبيانًا لما يترتّب على ما صدر منهما من أحكام؛ وفيما يلي بعضٌ من الفروق بين القاضي والمفتي:

أوّلا: وجه التشابه بين وظيفة القاضي والمفتي.

إنّ القاضي والمفتي يشتركان في القيام ببيان الحكم الشّرعي للناس، ودعوتهم إلى اجتناب الاعتداء والتسلّط على حقوق الآخرين.

قال الإمام القرافي في الفروق: الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة[2].

ثانيًا: الفروق بين وظيفة القاضي والمفتي:

بين الوظيفتين فروق عديدة نذكر منها ما يلي على سبيل التقريب والتمثيل؛ لا الحصر والإحصاء:

الفرق الأوّل: أن القاضي يبين الأحكام الشرعية؛ ويُلزم المتحاكمين إليه بها, وأمّا المفتي فتقتصر وظيفته ببيان الأحكام الشرعية؛ وليس من وظيفته إلزام الناس بها.

الفرق الثَّاني: عموميّة وظيفة المفتي؛ فيحقّ له الإفتاء في العبادات والمعاملات والآداب وغيرها؛ وأمَّا القاضي فتقتصر وظيفته بفصل النزاع والخصوم بين المتنازعين المختصمين.

الفرق الثّالث: أن المفتي يفتي لنفسه ولغيره؛ وأما القاضي فإنه لا يقضي لنفسه, فلو كان له مع آخر خصومة لا يقضي لنفسه, وهذا كله بخلاف المفتي، فإنه يفتي لنفسه كما يفتي الناس.

الفرق الرابع: أن المفتي يفتي لمن لا تقبل شهادته له كأصوله وفروعه؛ والقاضي لا يقضي لمن لا تقبل شهادته له كأصوله وفروعه على الصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك.

الفرق الخامس: أن المفتي لا يفتي إلا بعلمه وما توصّل إليه اجتهاده بعد النظر في الأدلة الشرعية، وأمّا في قضاء القاضي بعلمه خلاف بين الفقهاء؛ غير أنهم متفقون على أنه لا يقضي بخلاف علمه؛ إذا شهد الشهود بخلافه, كما أنهم متفقون على قضائه بعلمه في أمرين اثنين وهما:

الأمر الأوّل: يقضي بعلمه فيما أقر به الخصم في مجلس الحكم.

الأمر الثاني:  يقضي بعلمه في تعديل الشهود وتجريحهم.

قال ابن رشد في البداية: أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه في التعديل والتجريح، وأنه إذا شهد الشهود بضد علمه لم يقض به، وأنه يقضي بعلمه في إقرار الخصم وإنكاره[3].

الفرق السّادس: أن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسألة, وإفتاء المفتي لا يرفع الخلاف, بل يبقى الخلاف على حاله.

مثال ذلك: لو قال رجل لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، ثم رفعا الأمر إلى القاضي؛ فحكم بأنه ثلاث، ارتفع الخلاف بذلك, ولو أفتى المفتي بذلك لم يرتفع الخلاف، والله تعالى أعلم[4].

المراجع

[1]  سورة النحل: 43.

[2]  يعني: يلزمه العمل بمقتضاه؛ لكن ليس للمفتي أن يلزم المستفتي بما أفتاه به, وللقاضي الإلزام؛ كما نبيّن ذلك في معرض بيان الفروق بينهما. الفروق 4/53.

[3]  بدية المجتهد 4/253.

[4]  ينظر هذه الفروق في كتاب: شرح الفروق والتقاسيم  البديعة النافعة, للدكتور خالد المشيقح ص: 168 بنوع من التصرف.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"واس" تدشن أيقونتين لنقل حج 1439هـ بـ 5 لغات وأخرى لصور الحج
دشنت وكالة الأنباء السعودية "واس" أيقونتين على موقعها الإلكتروني، الأولى خصصتها للبث الإخباري متنوع القوالب بخمس لغات عن تفاصيل حج 1439هـ، وتحركات حجاج بيت الله الحرام، والثانية لبث صور فوتوغرافية احترافية تجسد دلالات المشهد لرحلة الحج العظيمة منذ لحظة وصولهم إلى المملكة عبر منافذها الجوية، والبحرية، والبرية حتى مغادرتهم سالمين بإذن الله.
د.المطلق: يجوز للمعتدة فترة الحداد الخروج لقضاء حوائجها.. بشرط
قال لا يريد الإسلام تعذيب المتوفى عنها زوجها، وإنما إبراء الرحم وإظهار حق الزوج على زوجته ومراعاة شعور أهله
السديس: نقلة نوعية للحرمين الشريفين بعد موسم الحج
أقامت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اللقاء الإعلامي السنوي، والذي يتم فيه استضافة نخبة من الإعلاميين في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وذلك بحضور الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م