حكم الاتجار بالأعضاء البشريّة.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/07/22 الموافق 2018/04/08 - 04:48 م

 

 

 الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسَّلام على رسولنا الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإن انتشار هذه المسألة في العصر الرّاهن, يستدعي بيان حكمها الشّرعي؛ حيث وصل الأمر إلى نصب بعض النّاس أنفسهم لهذا العمل, فيتّجرون بالأعضاء البشريّة, ويُساومون عليها؛ كما يساوم البائع في شراء سلعه المعروضة للبيع.

أوّلاً: المأثور عن العلماء السَّابقين؛ المذاهب الأربعة وغيرها؛ هو الاتفاق على حرمة التصرّف في الأعضاء البشريَّة؛ سواءً أكان ذلك بالبيع أو الشراء أو نحو ذلك, وفيما يلي بعض النقولات عن المذاهب الأربعة:

المذهب الحنفي: قال ابن عابدين الحنفي: وإن قال له آخر اقطع يدي وكُلها لا يحلّ؛ لأنّ لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته[1].

وفي الفتاوى الهندية: الانتفاع بأجزاء الآدمي لم يجز, قيل: للنجاسة, وقيل: للكرامة, وهو الصحيح[2].

المذهب المالكي: قال الشاطبي في الموافقات: إن إحياء النفوس وكمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد، لا من حقوق العباد، وكون ذلك لم يجعل إلى اختيارهم هو الدليل على ذلك، فإذا أكمل الله تعالى على عبد حياته وجسمه وعقله الذي به يحصل له ما طلب به من القيام بما كلف به؛ فلا يصح للعبد إسقاطه، اللهم إلا أن يبتلى المكلف بشيء من ذلك من غير كسبه ولا تسببه[3].

وقال القرافي في الفروق: وحرم القتل والجرح صونا لمهجة الإنسان وأعضائه ومنافعها عليه, ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه[4].

المذهب الشّافعي: قال النووي: ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره قطعا، ولا للغير أن يقطع من نفسه للمضطر[5].

وقال الخطيب الشربيني الشافعي: ويحرم جزما على شخص قطع بعض نفسه لغيره من المضطرين[6].

المذهب الحنبلي: قال ابن قدامة: وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم، لم يبح له قتله إجماعا، ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو كافرا؛ لأنه مثله، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه, وهذا لا خلاف فيه[7].

ثانيًا: لمّا كان من واقع هذا العصر تطور العملية الطبيّة, وكان ما يخاف منه العلماء السّابقون – وهو خوفهم على أن يؤدّي ذلك إلى هلاك المقطوع منه – منتفيًا في هذا العصر؛ لتقدم الطّبّ, اختلف العلماء المعاصرون في حكم بيع الأعضاء البشرية على قولين:

القول الأوّل: أنّ ذلك محرّم. وبهذا قال جمهور أهل العلم, وبه أفتت اللجنة الدائمة, وعليه انعقد قرار المجمع الفقهي.

الأدلّة:

الدّليل الأوّل: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره»[8].

الدليل الثَّاني: أن أعضاء الإنسان ليست ملكاً له، ولم يؤذن له ببيعها شرعاً فيكون بيعها داخلاً في بيع الإنسان مالا يملك.

الدّليل الثّالث: أن بيع الإنسان لأعضائه فيه امتهانٌ له، والله عز وجل مكرِّم له, فخالف مقصود الشرع من هذا الوجه.

القول الثَّاني: أنّه لا بأس من ذلك.

الأدلّة:

الدّليل الأوّل: القياس على لبن الآدميات.

ونوقش: بأن قياس الأعضاء على اللبن قياس مع الفارق؛ لأن اللبن من مفرزات الجسم وهو يتجدد, وقد يكون بقاؤه في ثدي المرأة مؤذيًا لها؛ بخلاف الأعضاء التي هي مقومات الجسد البشري.

 الدّليل الثَّاني: القياس على أخذ الدية الواجبة في الأعضاء عند إتلافها.

ونوقش: بأن كمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد؛ بدليل أنه لم يجعل إلى اختيارهم فلا يصح للعبد إسقاطه, وأما أخذ المال مقابل فوت جزءٍ منها؛ فلأنه حصل من غير كسبه ولا تسببه, فهنالك يتمحض حق العبد إذ ما وقع لا يمكن رفعه, فله الخيرة حينئذٍ؛ لأنه صار حقاً مستوفى في الغير كدينٍ من الديون.

الدليل الثَّالث: القياس على بيع الرقيق, فإذا جاز بيع الكل جاز بيع البعض.

ونوقش: بأن وجود الرق حالة استثنائية تقتضيها المصلحة التي يقدرها ولي الأمر، ثم إن الإسلام حض على إعتاق الرقيق وجعله كفارةً لكثيرٍ من الأخطاء كالحنث في اليمين وغيره, وبيع الرقيق لا يعني أنه لا يتمتع بحق الحياة, أو إباحة الاعتداء عليه, ودليل ذلك اتفاقهم على حرمة المثلة بالرّقيق[9].

سبب الخلاف في هذه المسألة: هو النظر في بدن الإنسان؛ هل هو ملك له, وحقّ من حقوقه؛ له أن يتصرّف فيه كما يشاء, ما لم يترتّب على ذلك فوت النّفس, أم هو أمين عليه؛ بحيث يكون من حقوق ربّ العالمين, أم هو حقّ مشترك بينه وبين خالقه سبحانه وتعالى.

التّرجيح: يظهر لنا - والعلم عند الله – رجحان القول بحرمة بيعها؛ وذلك لقوّة أدلة هذا القول, وفساد الأقيسة التي استدلّ بها المجيزون, وسننقل في ختام هذا البحث قرار المجمع الفقهي في هذه المسألة؛ لما فيه من التبيان والتفصيل.

 ثالثًا: حكم التبرّع بهذه الأعضاء للمضطر المحتاج إليها.

لهذه المسألة صورتان:

الصّورة الأولى: أن يكون مما يتجّدد في الإنسان, ولا يتلف عينه كالدّم, فلا خلاف بينهم في جواز التبرع بهذا النّوع للمضطر إليه.

الصورة الثّانية: أن يكون مما لا يتجّدد في الإنسان, ويتلف عينه كالتبرع بإحدى الكليتين ونحوهما؛ ففي هذه الصورة وقع الخلاف بين علمائنا المعاصرين؛ وملخص أقوالهم فيها قولان:

القول الأوّل: عدم الجواز. وممن اشتهر بهذا القول العلامة محمّد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.

قال العلامة محمّد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى – عند سئل عن حكم التبرّع بالأعضاء الإنسانية للمضطر المحتاج إليها: هذه المسألة صدر فيها فتوى من هيئة كبار العلماء بأنها جائزة، أما أنا فلا أرى الجواز، وذلك لأنّ أعضاء الإنسان عنده أمانة, وقد نصّ فقهاء الحنابلة - رحمهم الله - أنه لا يجوز التبرع بعضو من الأعضاء ولو أوصى به الميت من بعد موته، وإن كان بعض الأعضاء قد يكون النجاح فيها 90 أو أكثر من ذلك؛ لكن المفسدة في نزعها من الأول محققة حتى في الكلى، قد يقوم البدن على كلية واحدة، لكن لا شك أن قيامه على واحدة ليس كقيامه على ثنتين؛ لأن الله لم يخلق شيئا عبثا, ثم هذه الواحدة لو فسدت هلك الإنسان، ولو كانت الكلية المنزوعة موجودة فيه وفسدت الباقية لم يهلك, فلهذا أنا أرى عدم الجواز بخلاف نقل الدم؛ لأن نقل الدم يخلفه دم آخر, ولا يتضرر به المنقول منه, ولا يفقد به عضو[10].

القول الثَّاني: جواز التبرع بها ما لم يترتّب على ذلك ضرر زائد على المتبرع, وبه أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية, وعليه انعقد قرار المجمع الفقهي؛ وهو الصّواب إن شاء الله تعالى.

نص فتوى هيئة كبار العلماء في هذه المسألة:

وبعد المناقشة وتداول الآراء قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حيّ مسلم أو ذمي إلى نفسه؛ إذا ادعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه.

كما قرر بالأكثرية ما يلي:

1- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.

2 - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وسلم[11].

قرار المجمع الفقهي في هذه المسألة:

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من 18-23 صفر 1408هـــــ الموافق 6-11 شباط  فبراير  1988 م، بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المَجمع، بخصوص موضوع انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً, وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أنَّ هذا الموضوع أمر واقع, فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة، والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته من دون الضوابط والقيود الشرعية, التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار, وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث, وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعاً لها, قرر ما يلي: من ناحية الأحكام الشرعية:

أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أنَّ النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود، أو لإعادة شكله, أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب، أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً                                   .

ثانياً:  يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

ثالثاً:  تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر ، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية                  .

رابعاً:  يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامساً:  يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته, وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها: كنقل قرنية العين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية، فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة                          .

سادساً:  يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له             .

سابعاً:  وينبغي ملاحظة: أنَّ الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما, 

أما بذل المال من المستفيد؛ ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة, أو مكافأة وتكريماً ، فمحل اجتهاد ونظر والله أعلم. انتهى من قرار مجمع الفقه الإسلامي.

المراجع

 [1]  رد المحتار على الدر المختار 6/338.

[2]  الفتاوى الهندية 5/354.

[3]  الموافقات 3/102.

[4]  الفروق 1/141.

[5]  روضة الطالبين 3/285.

[6]  مغني المحتاج 6/164.

[7]  المغني 9/420.

[8]  صحيح البخاري 3/82 برقم 2227 كتاب البيوع/ باب إثم من باع حرا.

[9]  ينظر هذه الأدلة والمناقشات في: بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة 2/13 بتصرف يسير.

[10]  مجموع قتاوى ورسائل العثيمين 17/52.

[11]  أبحاث هيئة كبار العلماء 7/42.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م