الفرق بين الحجر على النساء في الأبضاع والأموال.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/07/19 الموافق 2018/04/05 - 12:00 م

 

 الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسَّلام على رسولنا الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإنّ المتقرّر عند جمهور أهل العلم وجوب الحجر على النساء في بضعها؛ بحيث أنّها لا تملك تزويج نفسها بدون إذن وليّها وموافقته, كما أنّ ممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم هو أنّه لا يحقّ لأحد أن يحجر عليها في مالها؛ إذا كانت رشيدة عاقلة.

قال القرافي في الفروق: اعلم أنّ النساء على الإطلاق لا يجوز لامرأة أن تزوج نفسها, وتتصرف في بضعها؛ كانت ثيبا أو بكرا, رشيدة في مالها أم لا دنية, عفيفة أم فاخرة, وأمّا الأموال فيفرق فيها بين الرشيدة الثيب وغيرها, فيجوز لها التصرف, ولا يجوز للولي الاعتراض عليها وإن كان أباها الذي هو أعظم الأولياء[1].

وقد تمسّك الحنفيّة ومن وافقهم بالاتفاق على عدم جواز الحجر على الرشيدة في الأموال, على عدم جواز الحجر عليها في الأبضاع؛ لأنّهم لا يرون فرقًا بين الأموال والأبضاع, وعلّلوا هذا الجواز بتعليلات نذكر منها ما يلي:

التعليل الأوّل: أن الأصل عدم الحجر على العاقل البالغ؛ وهي عاقلة بالغة, فيزول الحجر عنها مطلقا في نفسها.

التعليل الثَّاني: أنّه كما يكتفى بالرشد في التصرف في المال, كذلك يكتفى به في عقد النكاح؛ بل تصرفها في نفسها من حيث إنها أعلم بأغراضها من وليها أولى من تصرفها في مالها؛ لأنّ مصلحة المال التي هي التنمية معلومة للولي كما هي معلومة للمرأة. وهذا التعليل بناءً على ما سبق من أنهم لا يرون الفرق بين الأموال والأبضاع.

وهذا الذي جعل القرافي المالكي يبيّن لنا وجه الفرق بين الحجر على النساء في الأموال والأبضاع, وفي ذلك يقول:

 الفرق بين الحجر على النساء في الأموال والأبضاع من وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أن الإبضاع أشدّ خطرا وأعظم قدرا, فناسب أن لا تفوض إلا لكامل العقل, ينظر في مصالحها, والأموال خسيسة بالنسبة إليها, فجاز تفويضها لمالكها؛ إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلا مالكه.

الوجه الثَّاني: أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية التي يبذل لأجلها عظيم المال, ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصالح؛ لضعفه, فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها, فحجر عليها على الإطلاق؛ لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفسد, ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى والشهوة القاهرة؛ التي ربما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها

الوجه الثَّالث: أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء, حصل الضرر وتعدى للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء؛ وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدى المرأة, وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء عليها من الأرذال الأخساء؛ فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين؛ قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة الحجر عليهن في الأموال؛ ولما سئل بعض الفضلاء عن المرأة تزوج نفسها قال في الجواب: المرأة محلّ الزلل، والعار إذا وقع لم يزل[2].

نقول وبالله التوفيق: أورد القرافي – رحمه الله تعالى – هذه الفروق بين القاعدتين جوابًا ومناقشة لتسوية الحنفيّة بين الأموال والأبضاع, وإبطالاً وتضعيفًا لقياسهم الأبضاع على الأموال.

ولمَّا بيّن القرافي – رحمه الله تعالى – أوجه بطلان القول بعدم الفرق بين الأموال والأبضاع بالنسبة للنساء, بيَّن العلامة محمد بن علي بن حسين صاحب التّهذيب, وجه بطلان التمسّك بالأصل الذي تمسّكوا به؛ وهو أصل عدم الحجر على العاقل البالغ, وفي ذلك يقول:

دلّ الدليل من الكتاب والسنة على مخالفة ذلك الأصل:

 أما من الكتاب: فقول الله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم والصّالحين من عبادكم وإمائكم}[3].

وجه الدّلالة: أنّ الله سبحانه وتعالى خاطب الأولياء بصيغة الأمر الدالة على الوجوب, ولو كان ذلك للمرأة لتعذر ذلك, كما أنّه لا يصح أن يقال للأولياء: بيعوا أموال النساء؛ لأن التصرف في الأموال لهن.

وقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}[4]. والصحيح أنّ الخطاب في الآية موجّه إلى الأولياء, فدلّ ذلك أنّ المرأة لا تملك نفسها في أمر النّكاح.

وأمَّا السّنة: فمن ذلك ما أخرجه الدارقطني في سننه؛ من حديث  أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:  «لا تزوج المرأة المرأة, ولا تزوج المرأة نفسها؛ فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها»[5][6].

المراجع

[1]  الفروق 3/136.

[2]  المصدر السَّابق؛ بتصرّف يسير.

[3]  سورة النور: 32].

[4]  سورة البقرة: 221].

[5]  سنن الدارقطني 4/325 برقم 3535. صححه الألباني في الإرواء 6/248.

[6]  ينظر: الفروق 3/171 تهذيب العلامة محمد بن علي بن حسين؛ مفتي المالكية بمكة المكرمة.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"واس" تدشن أيقونتين لنقل حج 1439هـ بـ 5 لغات وأخرى لصور الحج
دشنت وكالة الأنباء السعودية "واس" أيقونتين على موقعها الإلكتروني، الأولى خصصتها للبث الإخباري متنوع القوالب بخمس لغات عن تفاصيل حج 1439هـ، وتحركات حجاج بيت الله الحرام، والثانية لبث صور فوتوغرافية احترافية تجسد دلالات المشهد لرحلة الحج العظيمة منذ لحظة وصولهم إلى المملكة عبر منافذها الجوية، والبحرية، والبرية حتى مغادرتهم سالمين بإذن الله.
د.المطلق: يجوز للمعتدة فترة الحداد الخروج لقضاء حوائجها.. بشرط
قال لا يريد الإسلام تعذيب المتوفى عنها زوجها، وإنما إبراء الرحم وإظهار حق الزوج على زوجته ومراعاة شعور أهله
السديس: نقلة نوعية للحرمين الشريفين بعد موسم الحج
أقامت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اللقاء الإعلامي السنوي، والذي يتم فيه استضافة نخبة من الإعلاميين في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وذلك بحضور الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م