الإضجاع
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1439/07/18 الموافق 2018/04/04 - 08:57 ص

 

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعدُ،

فبين يدينا مفهوم لُغويّ وواقعيّ، تعلّقت به بعضُ الأحكام الشّرعيّة، فاحتلّ مكانه ضمن موسوعة المصطلحات الشرعيّة، فلذا نخصِّص له هذه الحلقة.

[*] معنى الإضجاع في اللّغة:

الإضجاع ، مصطلح يرجع إلى أصلٍ لغويٍّ واحدٍ:

يقول ابن فارس: (الضَّادُ وَالْجِيمُ وَالْعَيْنُ: أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى لُصُوقٍ بِالْأَرْضِ عَلَى جَنْبٍ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ. يُقَالُ: ضَجَعَ ضُجُوعًا. وَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ الضَّجْعَةُ.)[1].

(وأَضْجَعْتُ فُلَانًا: إِذا وَضَعْتَ جَنْبَهُ بالأَرض)[2].

هذا، (وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ)[3] الواقعيّة المتعلّقة بوضع جسم الإنسان على هيئةٍ بعينها.

وباستقراءٍ مبسط لجملة المسائل الشرعية، المتعلّقة بمفهوم الإضجاع، نجد أمامنا مسألتين:

أولاً: حكم إضجاع الميّت عند احتضاره.

ثانياً: حكم إضجاع الذّبيحة وإراحتها.

وفيما يلي نتناول كلّاً منهما، معرّفين بها، ومبيّنين حكمها الشرعيّ:

أولاً: إضجاع الميّت عند احتضاره:

1/ حكمه:

يُستحبُّ لمن حضر الميت عند وفاته، أن يُبادر إلى توجيهه ناحية القبلة، والعِلّة في ذلك هي: ما في التوجه إلى القبلة من معاني الإقبال إلى الله تعالى، وذلك مصداقاً لما روي عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنه قال: «أشرفُ مجالسِكم: ما استقبلتُم به القبلة»[4]، وقال: «البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً»[5]، وروي كذلك عن عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ سَبْعٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا: وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»[6].

قال الإمام الشوكاني: (وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَحْيَاءً عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمْوَاتًا فِي اللَّحْدِ، وَالْمُحْتَضَرُ حَيٌّ غَيْرُ مُصَلٍّ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ، وَإِلَّا لَزِمَ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى كُلِّ حَيٍّ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِحَالِ الصَّلَاةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ)[7].

وقيل: إنّ الأولى في ذلك الاستدلال بما أخرجه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أنَّ البراء بن معرور أوصى عند موته أن يُستقبل به القبلةُ، فبلغ ذلك النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: «أصاب الفطرة»[8].

عموماً، فإنّ هذه الأحاديث بمجملها تُشير إلى استحباب هذا العمل، وهي (وإن كانت ضعيفةً، فربما تصل إلى درجة الحَسَن فتكون مقبولة)[9].

يقول العلامة المرداوي: (وهذا ممَّا لا نِزاعَ فيه)[10].

وَلكن يَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: (إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثٌ فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ، بَل كَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تَوْجِيهَهُ إِلَيْهَا. فَقَدْ وَرَدَ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "أَنَّهُ شَهِدَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فِي مَرَضِهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَغُشِيَ عَلَى سَعِيدٍ، فَأَمَرَ أَبُو سَلَمَةَ أَنْ يُحَوَّل فِرَاشُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَفَاقَ، فَقَال: حَوَّلْتُمْ فِرَاشِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ فَقَال: أَرَاهُ بِعِلْمِكَ، فَقَال: أَنَا أَمَرْتُهُمْ. فَأَمَرَ سَعِيدٌ أَنْ يُعَادَ فِرَاشُهُ)[11].

2/ كيفيّته:

أما كيفيّة الإضجاع والتوجيه إلى القبلة، فقد اختلفوا في صفته:

يقول الإمام الشوكاني: (فَقَالَ الْهَادِي وَالنَّاصِرُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ يُوَجَّه مُسْتَلْقِيًا لِيَسْتَقْبِلَهَا بِكُلِّ وَجْهِهِ، وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ يُوَجَّهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ. وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: الْأَمْرَانِ جَائِزَانِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُوَجَّهَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ)[12].

ويقول العلامة المرداوي: (أكثرَ النُّصوصِ عنِ الإمامِ أحمدَ، على أنْ يُجْعَلَ على جَنْبِه الأيمَنِ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ... وعنه، مُسْتَلْقٍ على قَفاه أفْضَلُ. وعليها أكثرُ الأصحابِ... قلتُ: وهذا المعْمولُ به، بل رُبَّما شقَّ جعْلُه على جَنْبِه الأيْمَنِ. وزادَ جماعةٌ على هذه الرِّوايَةِ، يرْفَعُ رأْسَه قليلًا، ليَصِيرَ وَجْهُه إلى القِبْلَةِ دُونَ السَّماءِ، ...)[13].

والذين اختاروا توجيهه إلى القبلة وهو على شقِّه الأيمن، احتجوا بما ورد في أحاديث النوم، ومن ذلك قول رسول الله r فيما رواه البراء بن عازب -رضي الله عنه-: ((إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ))[14]، وذلك باعتبار النوم موتاً أصغر.

وقيل: بل ذلك (اعْتِبَارًا بِحَال الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ؛ لأَِنَّهُ أَشْرَفُ عَلَيْهِ)[15].

والذين اختاروا جعله مستلقياً على ظهره، قالوا: (فَذَلِكَ أَسْهَل لِخُرُوجِ الرُّوحِ، وَأَيْسَرُ لِتَغْمِيضِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ، وَأَمْنَعُ مِنْ تَقَوُّسِ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ إِذَا أُلْقِيَ عَلَى الْقَفَا يُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلاً لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ)[16].

 ثانياً: إضجاع الذّبيحة وإراحتها:

1/ حكمه:

من سنن الذّبح وآداب التّذكية المتّفق عليها بين العلماء: إضجاعُ الذَّبيحة وإراحتها، وقد أجمعوا على أنّ ذلك مُستحبٌّ ومندوبٌ إليه[17]، لما ورد فيه من نصوصٍ صريحة:

-فمنها ما روي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: (ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»[18].

-ومنها ما روي عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ[19]، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ»[20].

2/ كيفيّته:

أمّا كيفيّة هذا الإضجاع، فإنه يكون على الشّقّ الأيسر للبهيمة، بحيث يكون رأسها مرفوعاً، وعندئذٍ يُمسك الذّابح جلد حلقها، ويتحسّسه حتّى تتبيّن بشرة الذّبيحة، ومن ثَمّ يوجّه السكّين تحت الجوزة، واضعاً قدمه في صفحة عنقها، ويذبح حتى يصطدم بعظم الرّقبة، وعندئذٍ ستُحرِّكُ البهيمة رجلها اليمنى في حركاتٍ متتابعة، تجد فيها راحةً.

ملحوظة:

يُكره للأعسر أن يذبح، وبالتالي يُستحبُّ أن يوكّل غيره في ذبيحته،لكن يجوز له إذا ذبح، أن يُضجع ذبيحته على شقِّها الأيمن، تيسيراً لعمليّة الذبح.

والحمد لله ربّ العالمين.

المراجع

[1] مقاييس اللغة (3/ 390).

[2] لسان العرب (8/ 219).

[3] الموسوعة الفقهية الكويتية (5/ 110).

[4] رواه الطبراني في «الكبير» (10781) والحاكم (4/270)؛ والبيهقي (7/272) عن ابن عباس. وقال البيهقي: «ولا يثبت في ذلك إسناد» . وقال العقيلي في «الضعفاء» (4/341) : «ليس لهذا الحديث طريق يثبت»، وانظر: «مجمع الزوائد» (8/59): التخريج مقتبس عن هوامش الشرح الممتع لابن عثيمين (5/ 250).

[5] أخرجه أبو داود (2875) ؛ والحاكم (1/59، 4/259) ؛ والبيهقي (3/408)، عن عمير بن قتادة رضي الله عنه. وقال الحاكم: «قد احتج برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان» . قال الذهبي: «لجهالته، وقد وثقه ابن حبان»: عن: الشرح الممتع على زاد المستقنع (5/ 250).

[6] صحيح وضعيف سنن أبي داود (2875)، وقال الالباني: حسن.

[7] نيل الأوطار (4/ 27).

[8] أخرجه الحاكم (1/353) ؛ والبيهقي (3/384) عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، عن الشرح الممتع.

[9] الشرح الممتع على زاد المستقنع (5/ 251).

[10] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي (6/16، 17).

[11] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 4 / 71 بسند صحيح: عن الموسوعة الفقهية الكويتية: (2/ 81).

[12] نيل الأوطار (4/27، 28).

[13] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي (6/16، 17).

[14] رواه البخاري (247) ومسلم (2710).

[15] فتح القدير (1 / 446)، وبدائع الصنائع (1 / 299)، عن الموسوعة الكويتية: (2/ 78).

[16] فتح القدير (1 / 446)، والهندية (1 / 154)، عن الكويتية: (2/ 80).

[17] صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة (2/ 363).

[18] رواه مسلم (1955).

[19] يطأ أي يدب ويمشي بسواد فمعناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود، من تعليق محمد فؤاد عبد الباقي، على صحيح مسلم.

[20] رواه مسلم (1967).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
وفاة العلامة الشيخ الحاج ولد فحفو أشهر علماء موريتانيا
أعلن صباح الثلاثاء 2018/07/17 عن وفاة العلامة الموريتاني الشيخ الحاج ولد فحفو، وذلك في عن عمر ناهز 110 سنوات قضاها في خدمة العلم، بمحظرته الشهيرة في ولاية تكانت وسط البلاد.
تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحج والعمرة عام 2030
نشرت وزارة الحج والعمرة السعودية مقطع فيديو يصور مستقبل الحج بحلول عام 2030، بعد تفعيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في توفير تجربة حج عالية الجودة والتنظيم.
أولى قوافل الأتراك تنطلق نحو الأراضي المقدّسة لأداء مناسك الحج
توجّهت أمس الأربعاء، القافلة الأولى من الأتراك، إلى الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية، لأداء مناسك الحج، بإشراف رئاسة الشؤون الدينية التركية
أثر الجمع بين الصيام والقيام في تدبُّر القرآن
فإنّ للجمع بين الصّيام والقيام أثراً كبيراً في تدبُّر القرآن، ولكي يتبيّن لنا مبلغ هذا الأثر، نقف بدءاً عند الدّلالة الشّرعيّة لمفهومي الصّيام والقيام، ثمّ نُتبع ذلك بالنظر في العلاقة الجوهرية بينهما، وذلك من خلال الفقرات التالية:
علماء السّلف والصيام وقلّة الطعام
"قلت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟
متى ينبغي أن نعقد نيّة صيام شهر رمضان؟
فلا ريب في أنّ الإخلاص واستحضار النّية، في جميع الأٌقوال والأعمال الظاهرة والخفيّة، هو الأصل الكبير الّذي ينبغي أن تُبنى عليه عبوديّة المسلم لربّه جلّ وعلا، وذلك لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ} [البينة: 5]. وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[1]، وبناءً على هذا الأصل الكبير، اتّفق عامّة الفقهاء (عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ)[2]، ولا ريب أنّ من أرفعِ هذه العباداتِ عبادةَ صوم شهر رمضان.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م