الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بتوسعات الحرمين(3).
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/07/15 الموافق 2018/04/01 - 09:14 ص

 

الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله, والصَّلاة والسَّلام على المبعوث رحمة وهداية للعالمين, سيدنا ونبينا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. أمَّا بعد:

فلا زال الحديث مع هذا الموضوع المهمّ, وقد أسلفنا أنّه يشتمل على فصلين رئيسيّين؛ وهما: الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بتوسعة المسجد النبوي, والأحكام الفقهيّة المتعلّقة بتوسعة المسجد الحرام.

وقد سبق الكلام بالتفصيل عن الفصل الأوّل؛ وذلك بتناول مباحثه الثلاثة التي هي: هل المضاعفة في الأجر تشمل المساحة التي زيدت على المسجد النبوي الأصيل؛ أم تختص بالصلاة داخل حجم المسجد النبوي الأصيل؟. وحكم الصلاة في سطح المسجد النبوي وساحاته, وحكم الصلاة أمام الإمام في السّاحات المقابلة للمسجد النبوي عند ازدحام المسجد.

وفي هذه الحلقة نتكلّم – بإذن الله تعالى – عن الفصل الثَّاني الذي هو: الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بتوسعة المسجد الحرام؛ وذلك بتناول مباحثه الخمسة, وفي ذلك نقول وبالله التوفيق:

المبحث الأوَّل: حكم الطّواف في أدوار وطبقات المسجد الحرام.

الكلام عن حكم الطّواف في أدوار وطبقات المسجد الحرام فرع عن الكلام عن حكم الصلاة في سطح المسجد؛ وذلك لأنّ مكان الطواف هو حول الكعبة المشرفة داخل المسجد, وتلك الأدوار والطبقات بمثابة السطوح, فمن رأى جواز الصلاة فوق سطح المسجد – وقد سبق البيان بأن ذلك مذهب جمهور أهل العلم – أجاز الطواف فوق هذه الأدوار والطبقات, ومن منع من الصّلاة فوق السطوح, منع من الطواف فوق هذه الأدوار؛ وقد سبق البيان بأن الحق في مسألة الصلاة فوق السطوح هو الجواز, فيكون الحق – والله تعالى أعلم – جواز الطواف فوق هذه السطوح والأدوار أيضا؛ وذلك لأنّ لها أحكام المسجد الحرام والله تعالى أعلم.

وقد عرضت هذه المسألة على اللجنة الدائمة للإفتاء, واستفت فيها, فأفتت بالجواز؛ وفيما يلي نص السؤال والجواب:

سؤال: حججت هذه السنة، وصبيحة يوم العيد عمدت إلى رمي جمرة العقبة، ثم توجهت إلى مكة؛ لنأتي بطواف الإفاضة, ولكن رأيت ازدحاما عظيما حول الكعبة، ورأيت الناس يطوفون على سطح البيت أي المسجد، وفي الطابق الأوّل، فصعدت إلى السطح وطفت وأديت الأشواط السبعة، ولكن عندما أخبرت إماما قال لي: إن الطواف فوق سطح المسجد لا يجوز فالطواف باطل، وإن حجك باطل أيضا, سيادة الشيخ أرشدنا، وأفتنا يرحمك الله.

الجواب: طوافك صحيح, وحجك صحيح إن شاء الله؛ لأنّه يجوز الطواف فوق سطح المسجد وسائر أدوار المسجد والحمد لله، لا سيّما مع كثرة الزحام, وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم[1].

المبحث الثاني: هل يثبت للمسعى بعد هذه التوسعة حكم المسجد الحرام.

اختلف أهل العلم في ثبوت حكم المسجد الحرام للمسعى بعد هذه التوسعة, فذهب بعضهم إلى أنه بعد هذه التوسعة يثبت له حكم المسجد الحرام, وذهب جمهور أهل العلم إلى أنّه لا يثبت له حكم المسجد الحرام؛ لأنّه مشعر مستقلّ؛ يقول الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}.

وثمرة هذا الخلاف تظهر في الأمور التَّالية:

الأمر الأوَّل: أنّه إذا حاضت المرأة بعد أن أتمت طوافها, فعلى القول بأن المسعى بعد التوسعة يأخذ حكم المسجد الحرام, فليس لها أن تسعى بين الصفا والمروة؛ لأنّ الصّحيح من أقوال أهل العلم عدم جواز مكث الحائض في المسجد, وعلى القول بأنّه لا يأخذ حكم المسجد الحرام لها أن تسعى بين الصفا والمروة؛ لعدم اشتراط الطهارة لصحة السعي, وإن كانت مستحبّة؛ والدّليل السّابق وهو كونه مشعرًا مستقلاًّ, وظواهر الأدلة من السنة النبوية, كلاهما يؤيّدان القول بعدم ثبوت حكم المسجد الحرام له.

الأمر الثَّاني: أنّه على القول بثبوت حكم المسجد الحرام للمسعى بعد التوسعة لا يجوز مكث الجنب والحائض فيه؛ لأنّ الصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة مكث الجنب والحائض في المسجد هو عدم الجواز, وإنّما يجوز لهما العبور فقط. وعلى القول بعدم ثبوت حكم المسجد الحرام له يجوز مكث الجنب والحائض فيه؛ وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى.

ولقد عرضت هذه المسألة على مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي فأفتى بعدم ثبوت حكم المسجد الحرام للمسعى بعد هذه التوسعة؛ وفيما يلي نص الفتوى:

قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي بشأن حكم المسعى بعد التوسعة السعودية: هل تبقى له الأحكام السابقة أم يدخل حكمه ضمن حكم المسجد؟:

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة التي بدأت يوم السبت20من شعبان 1415هـ -21/1/1995م؛ قد نظر في هذا الموضوع، فقرر بالأغلبية أنّ المسعى بعد دخوله ضمن مبنى المسجد الحرام لا يأخذ حكم المسجد, ولا تشمله أحكامه؛ لأنه مشعر مستقل، يقول الله عز وجل: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}[2], وقد قال بذلك جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، وتجوز الصلاة فيه متابعة للإمام في المسجد الحرام، كغيره من البقاع الطاهرة، ويجوز المكث فيه والسعي للحائض والجنب، وإن كان المستحب في السعي الطهارة والله تعالى أعلم, وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا, والحمد لله رب العالمين[3].

  المبحث الثالث: حكم السعي بين الصفا والمروة في هذه التوسعات الجديدة.

تعدّدت وجهة نظر علمائنا المعاصرين في حكم السعي في المسعى الجديد؛ فذهب بعضهم إلى المنع من ذلك, وممّن اشتهر بذلك الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي.

التّعليلات:

التعليل الأول: أن الأمكنة المحددة من قبل الشرع لنوع من أنواع العبادات لا تجوز الزيادة فيها ولا النقص إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.

التعليل الثاني: أن الأمكنة المحددة شرعا لنوع من أنواع العبادات ليست محلا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة، ولأن تخصيص تلك الأماكن بتلك العبادات في دون غيرها من سائر الأماكن ليست له علة معقولة المعنى, حتى يتحقق المناط بوجودها في فرع آخر حتى يلحق بالقياس، فالتعبدي المحض ليس من موارد القياس.

التعليل الثالث: ولأنه لا نزاع بين أهل العلم في أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الوارد لبيان إجمال نص من القرآن العظيم له حكم ذلك النص القرآني الذي ورد لبيان إجماله, فإن دلت آية من القرآن العظيم على وجوب حكم من الأحكام, وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم المراد منها بفعله, فإن ذلك الفعل يكون واجبا بعينه وجوب المعنى الذي دلت عليه الآية، فلا يجوز العدول عنه لبدل آخر.

التعليل الرابع: أن السعي في المسعى الجديد خارج عن مكان السعي الذي دلت عليه النصوص؛ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بين أن الظرف المكاني للسعي بالنسبة إلى الصفا والمروة هو ظرف المكان الذي يعبر عنه بلفظة: بين, وأما المسعى الجديد فظرفه المكاني بالنسبة إلى الصفا والمروة هو لفظة فوق ومعلوم أن لفظ: بين ولفظ: فوق وإن كانا ظرفي مكان فمعناهما مختلف، ولا يؤدي أحدهما معنى الآخر؛ لتباين مدلوليهما، فالساعي في المسعى الأعلى الجديد لا يصدق عليه أنه ساع بين الصفا والمروة، وإنما هو ساع فوقهما، والساعي فوق شيئين ليس ساعيا بينهما؛ للمغايرة الضرورية بين معنى: فوق و بين كما ترى[4].

وذهب آخرون إلى جواز السعي في المسعى الجديد؛ بحجة أنه لم يخرج عن حدود المسعى القديم الذي سعى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم, وبه قال جمهور المعاصرين منهم: الشيخ عبد العزيز بن باز, والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد, والشيخ عبد الله خياط[5].

وسبب الخلاف في هذه المسألة أمران:

الأمر الأوّل: هل المسعي بعد هذه التوسعة لا زال في حدود المسعى القديم الذي سعى فيه رسول الله صلى عليه وسلم, أم هو الآن خارج حدود المسعى القديم؟ وذلك لأنّهم متفقون على أن من سعى خارج حدودهما فلا سعي له.

قال النووي في المجموع: قال الشافعي والأصحاب لا يجوز السعي في غير موضع السعي, فلو مر رواء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه؛ لأن السعي مختص بمكان, فلا يجوز فعله في غيره كالطواف[6].

الأمر الثَّاني: هل للمسعى الأعلى حكم الأسفل أم لا؟ فمن رأى أنّ للأعلى حكم الأسفل أجاز ذلك, ومن لم ير ذلك لم يجز ذلك.

ولما عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية, درستها, وقرّرت جواز السعي في المسعى الجديد؛ بتعليلات علّلوا بها الجوز, نذكرها عند ذكر نصّ القرار.

قرار هيئة كبار العلماء بشأن حكم السعي في المسعى الجديد, رقم 21 وتاريخ 12 \ 11 \ 1393هــــــ.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

فبناء على الخطاب الوارد لفضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من معالي وزير العدل رقم 267 وتاريخ 23 \ 3 \ 1393هـ المبني على خطاب سمو نائب وزير الداخلية رقم 26 \ 10612 وتاريخ 21 \ 3 \ 1393 هـ بخصوص الرغبة في إبداء الحكم الشرعي في حكم السعي فوق سقف المسعى ليكون وسيلة من وسائل علاج ازدحام الحجاج أيام الموسم، وبناء على ما رآه فضيلته من إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة فقد تم إدراج ذلك، وفي تلك الدورة جرى الاطلاع على أوراق المعاملة المتعلقة بالاستفتاء، كما جرى الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

وبعد دراسة المسألة، واستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف والسعي والرمي راكبا، والصلاة إلى هواء الكعبة أو قاعها، وكذا حكم الطواف فوق أسطحة الحرم وأروقته، وحكمهم بأن من ملك أرضا ملك أسفلها وأعلاها.

وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة، وأن لا يخرج عن مساحة المسعى عرضا لما يأتي:

1 - لأن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، فللسعي فوق سقف المسعى حكم السعي على أرضه.

2 - لما ذكره أهل العلم من أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبا لعذر باتفاق، ولغير عذر على خلاف من بعضهم، فمن يسعى فوق سقف المسعى يشبه من يسعى راكبا بعيرا ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه، وعلى رأي من لا يرى جواز السعي راكبا لغير عذر، فإن ازدحام السعاة في الحج يعتبر عذرا يبرر الجواز.

3 - أجمع أهل العلم على أن استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها، بناء على أن العبرة بالبقعة لا بالبناء، فالسعي فوق سقف المسعى كالسعي على أرضه.

4 - اتفق العلماء على أنه يجوز الرمي راكبا وماشيا، واختلفوا في الأفضل منهما، فإذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه؛ لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب.

5 - لأن السعي فوق سقف المسعى لا يخرج عن مسمى السعي بين الصفا والمروة؛ ولما في ذلك من التيسير على المسلمين والتخفيف مما هم فيه من الضيق والازدحام، وقد قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[7] وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[8] مع عدم وجود ما ينافيه من كتاب أو سنة، بل إن فيما تقدم من المبررات ما يؤيد القول بالجواز عند الحاجة[9].

المبحث الرابع: هل المضاعفة في الأجر خاصة بالصلاة في المسجد الحرام, أم تشمل جميع الحرم؟.

نقول وبالله التوفيق: اختلف أهل العلم قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال كثيرة؛ أشهرها قولان:

القول الأوّل: أن المضاعفة في الأجر تشمل الصَّلاة في جميع الحرم. وهذا مذهب الجمهور, اختاره العلامة ابن باز رحمه الله تعالى, وبه أفتت اللجنة الدائمة.

قال العلامة ابن باز – رحمه الله تعالى – عندما سئل عن هذه المسألة: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من رأى أن المضاعفة تختص بما حول الكعبة " المسجد الحرام " الذي حول الكعبة، وأن مضاعفة المائة ألف صلاة إنما يكون ذلك لمن صلى في المسجد المحيط بالكعبة. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المسجد الحرام يعم جميع الحرم، وإن كان للصلاة فيما حول الكعبة ميزة وفضل لكثرة الجماعة وعدم الخلاف في ذلك، ولكن الصواب هو القول الثاني: وهو أن الفضل يعم، وأن المساجد في مكة يحصل لمن صلى فيها التضعيف الوارد في الحديث, وإن كان ذلك قد يكون دون من صلى في المسجد الحرام الذي حول الكعبة؛ لكثرة الجمع وقربه من الكعبة، ومشاهدته إياها، وخروجه من الخلاف في ذلك, ولكن ذلك لا يمنع من كون جميع بقاع مكة كلها تسمى المسجد الحرام، وكلها يحصل فيها المضاعفة إن شاء الله[10].

واستفتت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة فأفتت قائلة: في المسألة خلاف بين أهل العلم والأرجح أن المضاعفة للثواب تعم الحرم كله؛ لأنه كله يطلق عليه المسجد الحرام في القرآن والسنة[11].

القول الثاني: أن المضاعفة في الأجر خاصة بالصلاة في المسجد الحرام فقط. وبه قال بعض الشافعية, وبعض الحنابلة, وهو اختيار ابن العثيمين من المعاصرين رحمه الله تعالى.

قال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله تعالى – عندما سئل عن هذه المسألة: ليست مساجد مكة كالمسجد الحرام في الأجر، بل المضاعفة إنما تكون في المسجد الحرام نفسه القديم والزيادة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة, فخص الحكم بمسجد الكعبة، ومسجد الكعبة واحد، وكما أن التفضيل خاص في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاص بالمسجد الحرام أيضا، ويدل لهذا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى, ومعلوم أننا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد مكة غير المسجد الحرام لم يكن هذا مشروعا بل كان منهيا عنه، فما يشد الرحل إليه هو الذي فيه المضاعفة، لكن الصلاة في مساجد مكة بل في الحرم كله أفضل من الصلاة في الحل، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، والحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم كان يصلي في الحرم مع أنه نازل في الحل، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل، لكن لا يدل على حصول التضعيف الخاص في مسجد الكعبة[12].

الأدلة:

الدليل الأوَّل: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما؛ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»[13].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما - أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - تسلم عليها، فأخبرتها ذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة»[14]. وفي هذا الحديث التنصيص على مسجد الكعبة دون مساجد الحرم.

الترجيح:

لا شك أنّ الصلاة في مساجد الحرم عامة أفضل من الصلاة في بقية المساجد؛ للأدلة التي ذكرها العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى, أمّا التّضعيف الوارد في الأحاديث السابقة فخاص بالمسجد الحرام والله تعالى أعلم.

المبحث الخامس: أحكام تتعلّق بالمبيت في منى ومزدلفة بعد هذه التوسعة.

إن المتأمل في واقع منى ومزدلفة بعد التوسعة السعوديّة يدرك التداخل بين حدود منى ومزدلفة؛ وسبب ذلك: حرص العهد السعودي الشديد في تيسير الأمور على ضيوف الرحمن, ودرء الزحام الشديد عنهم؛ الذي قد يؤدّي إلى فوات أنفس آلآف المسلمين.

ولما كان هذا التداخل واقع لا محالة, فما حكم من وقعت خيمته خارج حدود منى؟ وما حكم من بات خارج حدود مزدلفة؛ لوجود زحام شديد, أو عدم القدرة على الوصول إلى حدودها؟.

لقد أفتى علمائنا المعاصرون - ومنهم العلامة ابن باز وابن العثيمين رحمهما الله تعالى – بوجوب المبيت داخل حدود منى ومزدلفة إذا تيسر ذلك؛ فإن لم يتيسّر بات الحاج حيث وقعت خيمته, أو وجد نفسه؛ لقول الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[15], وقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}[16].

قال العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى – عندما سئل عن ذلك: لا حرج عليكم في ذلك ولا فدية لقول الله سبحانه: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» وفق الله الجميع[17].

وقال العلامة ابن العثيمين – رحمه الله تعالى – عندما سئل عن ذلك: الذين ينزلون خارج منى مع إمكان النزول في منى إنهم آثمون ومتعدون لحدود الله، لأن الواجب على الحاج أن يكون في منى إلا إذا لم يجد مكانا، فإن الله تعالى يقول في كتابه: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ويقول: اتقوا الله ما استطعتم, ورخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس- رضي الله عنه- أن يترك المبيت في منى ليالي منى لأجل سقاية الحجاج[18]، فمن لم يقدر فهو من باب أولى أن يعذر[19].

وأفتت اللجنة الدائمة بجواز ذلك عند الضرورة؛ حيث قالت: أماكن الحج وأزمنته محددة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حج رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - حجة الوداع وقال فيها: «خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا »[20]، وبين فيها الأزمنة والأمكنة، وحدود منى: من وادي محسر إلى جمرة العقبة، فعلى من حج أن يلتمس مكانا له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولا شيء عليه, وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم[21].

المراجع

[1]  فتاوى اللجنة الدائمة 10/233.

[2]  سورة البقرة: 158.

[3]  ينظر نص الفتوى في: فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم 17/172.

[4]  ينظر كلامه مفصَّلاً في: أبحاث هيئة كبار العلماء 1/43-50.

[5]  ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء 1/42.

[6]  المجموع 8/76.

[7]  سورة البقرة: 185.

[8]  سورة الحج: 78.

[9]  ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء 1/40-42.

[10]  مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز 4/130.

[11]  فتاوى اللجنة الدائمة 6/226.

[12]  مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 12/395-396.

[13]  صحيح البخاري 2/60 برقم 1190 كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة/ باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. صحيح مسلم 2/1012 برقم 1394 كتاب الحج/ باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.

[14]  صحيح مسلم 2/1014 برقم 1396 كتاب الحج/ باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.

[15]  سورة الحج: 78.

[16]  سورة التغابن: 16.

[17]  مجموع فتاوى ابن باز 17/364.

[18]  متفق عليه. صحيح البخاري 2/155 برقم 1634 كتاب الحج/ باب سقاية الحاج. صحيح مسلم 2/953 برقم 1315 كتاب الحج/ باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والترخيص في تركه لأهل السقاية.

[19]  مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 23/254.

[20]  أخرجه مسلم في صحيحه 2/943 برقم 1297.

[21]  فتاوى اللجنة الدائمة 11/266.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م