خمسة ألغاز على مذهب الحنفيّة
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1439/07/10 الموافق 2018/03/27 - 08:07 ص

الحمد لله، والصّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

وكما ذكرنا من قبلُ، فإنّ الألغاز عند الفقهاء، أداةٌ للترويح من عناء ثقل المسائل، كما أنّها وسيلةً لمراجعة الفقه، وأداة للتنبيه على الإشكالات الفقهية الدقيقة، ولذا فينبغي فهمُ الألغاز في إطار المذهب الفقهيّ المعيّن، إلا إذا كانت تشتمل على مسائل ممّا أجمع عليه أو اتفق فيه الفقهاء.

وفي هذه الحلقة نستأنف تقديم باقة منتخبة، من الأمثال التي أوردها ابن نجيم المصري، في كتابه "الأشباه والنظائر" لابن نجيم المصريّ (ت: 970هـ)، وقد رأيتُ في هذه الحلقة ضرورة أن يتبع كلّ لُغزٍ شيءٌ من التوضيح لإزالة الغموض، فلذا اعتمدتُ في ذلك على: "غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر"[1]، لشهاب الدين الحُسينيّ الحموي الحنفيّ (ت: 1098هـ)، وذلك على النحو التالي:

[اللُّغز الأول، من كتاب الطهارة]:

(مَا أَفْضَلُ الْمِيَاهِ؟)

[جوابه]: (مَا نَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-).

[تعليق شهاب الدين الحمويّ]:

قال: (قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ نَظْمًا وَقَدْ أَجَادَ:

وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَا قَدْ نَبَعَ بَيْنَ أَصَابِعَ النَّبِيِّ الْمُتَّبَعِ

فَمَاءُ زَمْزَمَ فَمَاءُ الْكَوْثَرِ فَنِيلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهُر

وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيِّ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ:

"إنَّ أَفْضَلَ الْمِيَاهِ مَاءُ زَمْزَمَ بِاعْتِبَارِ غَسْلِ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ بِهِ حِينَ شُقَّ وَأُخْرِجَتْ مِنْهُ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ")[2].

[اللُّغز الثاني: من كتاب الطهارة]:

(أَيُّ حَيَوَانٍ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبِئْرِ حَيًّا نُزِحَ الْجَمِيعُ وَإِنْ مَاتَ لَا؟).

[جوابه]: (الْفَارَةُ، إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ).

[توضيح شهاب الدين الحمويّ]:

قال: (قَوْلُهُ الْفَارَةُ إنْ كَانَتْ هَارِبَةً... يَعْنِي لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ تَرْمِي بِبَوْلِهَا خَوْفًا، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ)[3].

[اللُّغز الثالث: من كتاب الصلاة]:

(أَيُّ تَكْبِيرٍ لَا يَكُونُ بِهِ شَارِعًا فِيهَا؟)

يعني: ما هو التكبير الّذي لا يكون به المصلّي شارعاً في الصّلاة؟

[جوابه]: (تَكْبِيرُ التَّعَجُّبِ دُونَ التَّعْظِيمِ)[4].

[توضيح شهاب الدين الحمويّ]:

لا يوجد لوضوح اللُّغز.

[اللُّغز الرّابع: من كتاب الطهارة]:

(أَيُّ صَلَاةٍ أَفْسَدَتْ خَمْسًا، وَأَيُّ صَلَاةٍ صَحَّحَتْ خَمْسًا؟)

يعني: ما هي الصّلاةُ التي إذا صلّيتها أفسدت خمس صلواتٍ قبلها، وبالعكس؟

[جوابه]: (رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةً، وَصَلَّى بَعْدَهَا خَمْسًا ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ؛ فَإِنْ قَضَى الْفَائِتَةَ فَسَدَتْ الْخَمْسُ، وَإِنْ صَلَّى السَّادِسَةَ قَبْلَ قَضَائِهَا صَحَّتْ الْخَمْسُ).

فاللُّغز يتعلّق بترتيب الصَّلوات الفوائت حسب الفقه الحنفيّ، وهي مسألة فيها خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، ويذهب أبو حنيفة إلى أن الترتيب يسقط عند كثرة الفوائت، وتثبت هذه الكثرة بالصلاة السادسة.

[توضيح شهاب الدين الحمويّ]:

قال: (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَضَى الْفَائِتَةَ فَسَدَتْ الْخَمْسُ. يَعْنِي إذَا قَضَى الْفَائِتَةَ قَبْلَ السَّادِسَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْخَمْسِ، وَإِنْ صَلَّاهَا بَعْدَ السَّادِسَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ، وَالْكَثْرَةُ تَثْبُتُ بِالسَّادِسَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَسْنَدَ إلَى أَوَّلِهَا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَجْمُوعِ فَثَبَتَ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ حُكْمُهَا مُضَافًا إلَى أَوَّلِ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُقَابِلًا لِعِلَّتِهِ كَمَا فِي تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ وَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَأَدَاءِ الظُّهْرِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَلَهُمَا أَنَّ الْخَمْسَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَلَا تَنْقَلِبُ جَائِزَةً ثُمَّ مَا قَالَا وَمَا قَالَهُ اسْتِحْسَانٌ)[5].

[اللُّغز الخامس: من كتاب الصَّلاة]:

(أَيُّ صَلَاةٍ فَسَدَتْ أَصْلَحَهَا الْحَدَثُ؟)

يعني: ما هي الصلاة التي إذا فسدت أصلحها الحدث؟

 [جوابه]: (مُصَلِّي الْأَرْبَعِ إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ قَبْلَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ فَأَحْدَثَ قَبْلَ الرَّفْعِ تَمَّتْ، وَلَوْ رَفَعَ قَبْلَ الْحَدَثِ فَسَدَ وَصْفُ الْفَرِيضَةِ.

وَفِيهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: زُهْ صَلَاةٌ فَسَدَتْ أَصْلَحهَا الْحَدَث، تَعَجُّبًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بِهِ).

[توضيح شهاب الدين الحمويّ]:

قال: (فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ: رَجُلٌ قَامَ قَبْلَ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فَإِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى فَرْضِهِ عِنْدَهُ، فَيَتَوَضَّأُ وَيَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.

وَلَوْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ فَسَدَتْ فَرِيضَتُهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: تَفْسُدُ وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ لِأَنَّهُ فَسَدَ فَرْضُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ)[6].

المراجع

[1] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين الحسيني الحموي الحنفي (المتوفى: 1098هـ)

الناشر: دار الكتب العلمية

الطبعة: الأولى، 1405هـ - 1985م

[2] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (4/ 164).

[3] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (4/ 165).

[4] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (4/ 168).

[5] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (4/ 169).

[6] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (4/ 170).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
1300 انتهاك لدور العبادة في القدس خلال 2018
أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، في تقريرها السنوي لعام 2018، أن المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي ومختلف دور العبادة تعرضت لأكثر من 1300 انتهاك اسرائيلي، ناتج عن تزايد عدد الإقتحامات.
مسلمو مورو يحصلون على الحكم الذاتي في الفلبين
أعلنت لجنة الانتخابات في جنوب الفلبين، فوز مسلمي مورو بتصويت مدينة كوتاباتو بـ"نعم" في استفتاء شعبي على قانون "بانغسامورو"، الذي يمنح حكما ذاتيا موسعا لمسلمي البلاد.
تلاوة القرآن على مدار الساعة في "جامع مسكو" بروسيا
ينفذ جامع مسكو الكبير حالياً مشروعاً لتلاوة القرآن الكريم على مدار الساعة في هذا المسجد.
أثر الجمع بين الصيام والقيام في تدبُّر القرآن
فإنّ للجمع بين الصّيام والقيام أثراً كبيراً في تدبُّر القرآن، ولكي يتبيّن لنا مبلغ هذا الأثر، نقف بدءاً عند الدّلالة الشّرعيّة لمفهومي الصّيام والقيام، ثمّ نُتبع ذلك بالنظر في العلاقة الجوهرية بينهما، وذلك من خلال الفقرات التالية:
علماء السّلف والصيام وقلّة الطعام
"قلت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟
متى ينبغي أن نعقد نيّة صيام شهر رمضان؟
فلا ريب في أنّ الإخلاص واستحضار النّية، في جميع الأٌقوال والأعمال الظاهرة والخفيّة، هو الأصل الكبير الّذي ينبغي أن تُبنى عليه عبوديّة المسلم لربّه جلّ وعلا، وذلك لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ} [البينة: 5]. وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[1]، وبناءً على هذا الأصل الكبير، اتّفق عامّة الفقهاء (عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ)[2]، ولا ريب أنّ من أرفعِ هذه العباداتِ عبادةَ صوم شهر رمضان.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م