دليل الاستصحاب
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1439/07/02 الموافق 2018/03/19 - 09:08 ص

 

 

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعدُ،

فإنّ الاستصحاب معدودٌ في الأدلة الشرعية المختلف حولها، ولسوف نرى عبر عناصر هذا المبحث: أنّ الاستصحاب وإن كان من أدلة الفقه وأصوله المختلف حولها، فلا خلاف حول كونه آليّة منهجيّة أصوليّة، يتوسل بها الأصوليّ والفقيه إلى معرفة الحكم الشرعيّ.

معناه في اللغة:

الاستصحاب مشتقٌّ من مادّة "الصَّاد وَالْحَاء وَالْبَاء"، وهذه المادة ترجع إلى أَصْلٍ معنويٍّ وَاحِد (يَدُلُّ عَلَى مُقَارَنَةِ شَيْءٍ وَمُقَارَبَتِهِ). قالوا: (وَكُلُّ شَيْءٍ لَاءَمَ شَيْئًا فَقَدِ اسْتَصْحَبَهُ)[1].

وبناءً على ذلك فالمفهوم اللغويّ للاستصحاب يدلُّ في عمومه على علاقة اقترانٍ وملازمةٍ بين شيئين:

-(مِنْ ذَلِكَ: الصَّاحِبُ، وَالْجَمْعُ: الصَّحْبُ)، فهاهنا علاقة اقترانٍ بين هذا الصّاحب ومن يصحبه،

-(وَمِنَ الْبَابِ: أَصْحَبَ فُلَانٌ، إِذَا انْقَادَ)، أي أصبحت ملازمتُه لصحبه أقوى،

-كما قالوا: (وَأَصْحَبَ الرَّجُلُ، إِذَا بَلَغَ ابْنُهُ)، أي: فصار هذا الابنُ في مقام أن يكون صاحبَ أبيه وصديقه.

-(وَيُقَالُ: أَصْحَبَ الْمَاءُ، إِذَا عَلَاهُ الطُّحْلَبُ)، أي: فصار مقترناً به لازماً له.

ويُلحظ في مفهوم الاستصحاب اللّغويّ: أنّ للزّمن دوراً فيه، فهو يمتدّ زمنيّاً ما بين حدّين:

الأول: حدٌّ في الماضي، ليس مهمّاً تحديد بدايته (النموذج الأول)، أو بدايته محدّدة بالدلالة العامّة للفعل الماضي (كما في النماذج التالية).

الثَّاني: حدٌّ في الحاضر، غيرُ مصرّحٍ به، لكنه مفهومٌ (كما في كلّ النماذج)[2].

معناه في الاصطلاح:

أما معنى الاستصحاب في الاصطلاح عند الفقهاء والأصوليّين، فإنّه لا يخرج عن معناه في اللّغة، سوى أنّ العنصرين المقترنين فيه: أحدهما (محكومٌ عليه) والثاني (حكم)، فيُقال في تعريفه: (هو الحكمُ بثبوت أمرٍ في الزَّمان الثاني، بناء على أنه كان ثابتاً في الزَّمان الأول)[3].

أي: (أنه إذا ثبت حكمٌ بدليلٍ معيَّن، في وقت معيَّنٍ، يبقى ذلك الحكمُ ثابتاً حتى يرِد دليلٌ يرفعه)[4].

أو بعبارةٍ أخرى: (إنَّه استدامةُ إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفيًّاً حتى يقوم دليلٌ على تغيير الحالة، أي: بقاء ما

كان على ما كان نفياً وإثباتاً، حتى يثبت دليلٌ يغير الحالة)[5].

إذن، فالاستصحاب في مفهومه الأصوليّ: يتعلّق بالحكم على شيءٍ معيّنٍ في الزّمن الحاضر، مع الاحتجاج لصحة هذا الحكم بأنّه هو الحكم نفسُه الذي كان يتّصف به هذا الشيء المعيّن في الزمن الماضي، ولم يطرأ عليه شيءٌ يُزيله، فهذا الاقتران المستمر بين هذين الشيئين، هو سببُ ثبوت هذا الحكم.

فإذا مرّت بنا مسألة: هل يتّصف فلانٌ بصفة الطَّهارة التي هي شرطٌ لصحة الصَّلاة؟

فالجواب بناءً على مفهوم الاستصحاب، يكون كالتالي: إذا ثبت أنّ فلان هذا قد توضَّأ في زمنٍ مضى، ولم يطرأ على وضوئه إلى هذه اللحظة ما ينقضه ويُزيله، فنحكم بطهارته استصحاباً للحال الأول.

فبناءً على ذلك يتّضح لنا أنّ الاستصحاب: (معنَى مستقرٌّ في تصرُّفاتِ جميعِ النَّاسِ، فإنَّهُم إذا علمُوا وجودَ أمرٍ بنَوا أحكامَهُم فيما يتَّصلُ بذلكَ الأمرِ على أنَّهُ موجودٌ حتَّى يقومَ بُرهانٌ على ضدِّ ذلكَ، وإذا علموا عدَمَ شيءٍ كانَ عدمُه هو الأصلَ حتَّى يثبُتَ وجودُهُ)[6]، ولذلك سمّاه بعضهم دليل العقل.

ورغم كون الاستصحاب يعتمد على مفهوم الأصل والأولويَّة، إلا أنّه آخرُ مدار الفتوى، كما (قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ فِي "الْكَافِي": وَهُوَ آخِرُ مَدَارِ الْفَتْوَى، فَإِنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ حَادِثَةٍ، يَطْلُبُ حُكْمَهَا فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَيَأْخُذُ حُكْمَهَا مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي زَوَالِهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ)[7].

أنواع الاستصحاب:

ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ مفهوم الاستصحاب، يقوم على فكرةٍ منطقيّةٍ واضحةٍ، ولدى التّأمّل فيها، يُمكن تلمُّس بعض أنواعه، يقول ابن رشد: (والاستصحاب في هذه الصناعة يُطلق على وجوهٍ: أحدها استصحابُ البراءة الأصلية ... والثاني استصحاب العموم حتى يرد تخصيص. والثالث استصحاب النص حتى يرد نسخ. والرابع استصحاب حكم عند أمر قرنه الشرع به لتكرر ذلك الأمر. والخامس استصحاب الإجماع, أو بالجملة: الحكم الشرعي الثابت بالنقل في موضع يظن أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيره في نفسه)[8]، فيما يلي نستعرض هذه الأنواع:

النوع الأول: استصحاب البراءة الأصليَّة:

هذا النَّوع يتعلّق بجانب العدم والنّفي، لا بجانب الوجود والإثبات، وهو أكثر الأدلّة الشّرعيّة عموماً، ذلك أنّ الأحكام الشرعية الخمسة، إنّما تتعلّق إمّا بفعلٍ معيّنٍ وإمّا بالكفّ عنه، ففي هذا النوع لم يثبت وجود فعلٍ أصلاً، فم يبق إلا البناء على العدم المطلق، والحكم بموجبه: أي: (استصحاب العدم الأصليّ المعلوم) [9]، وبالتالي لا يكونُ هناك أيُّ التزامٍ من هذه الجهة على عاتق المكلّف، أي سواءٌ كان من حقوق الله تعالى، أو كان من حقوق العباد، فيكون معنى استصحاب البراءة الأصليّة: الحكمَ بـ (براءة ذمَّة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المالية)[10]، ما لم يقم دليلٌ على خلاف ذلك، فهنا يُقال: (عدمُ الدليلِ دليلٌ على البراءة)[11].

أو كما قال الغزالي: (النَّظَرُ فِي الْأَحْكَامِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي إثْبَاتِهَا أَوْ فِي نَفْيِهَا، أَمَّا إثْبَاتُهَا فَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَالْعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ بِالْمَعْنَى النَّاقِلِ مِنْ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَانْتَهَضَ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ وَهُوَ النَّفْيُ)[12].

ومن التطبيقات المُهمَّة التي تستندُ إلى هذا الدليل القاعدةُ الفقهيّة الكبيرة: (الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه)[13].

النَّوع الثاني: استصحابُ العموم حتى يرد تخصيص:

يتلخص هذا النوع فيما ذكره الباحث بلقاسم الزّبيدي من قوله: (فإذا ورد نصٌّ عامٌّ، فإنه يشمل جميع الأفراد الداخلة تحته, وإذا وقع النزاعُ في بعض أفراده: هل يدخل تحت العموم أو هو مخصوص؟ وبحث المجتهد فلم يجد المُخصِّص, فإنَّ الأصل استصحاب حُكْم العام في المُتنازَع فيه، حتى يثبت بالدليل تخصيصه، ...، ومثاله: وجوبُ قطع يد الزوج إذا سرق مال زوجته؛ استصحاباً للعموم الوارد في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فالعموم يقتضي وجوب القطع في كلِّ ما يُسمَّى آخذه سارقاً)[14].

النَّوع الثّالث: استصحاب النّص حتى يرد نسخ:

ومعناه: (العملُ بالنص من كتاب أو سنة، حتى يرد دليلٌ ناسخ)[15].

النَّوع الرَّابع: استصحابُ حكمٍ عند أمرٍ قرنه الشَّرع به لتكرّر ذلك الأمر:

وهو الذي سمّاه الغزاليّ في المستصفى بـ (اسْتِصْحَاب حُكْمٍ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ)، ومثاله: (كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَقْدِ الْمُمَلَّكِ، وَكَشَغْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إتْلَافٍ أَوْ الْتِزَامٍ، فَإِنَّ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا أَصْلِيًّا فَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ جَمِيعًا، وَلَوْلَا دَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى دَوَامِهِ إلَى حُصُولِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَمَا جَازَ اسْتِصْحَابُهُ)[16].

النَّوع الخامس: استصحاب الإجماع في محلّ النزاع:

(وهو: أن يُجمع العلماء على حكم في حالة، ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستدلُّ من لم يغيِّر الحكم باستصحاب الحال)[17]، وهو ما أشار ابن رشد إلى المبدأ العام الذي يشمله، بقوله: (أو بالجملة: الحكم الشَّرعيُّ الثابت بالنَّقل، في موضعٍ يُظنّ أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيُّره في نفسه)[18].

و(مثاله: إذا تيمم من فقد الماء ثم شرع في صلاته وفي أثنائها رأى الماء أو قدم به خادمه، هل تصح صلاته إذا استمر فيها؟ فمن قال بصحة صلاته استدل باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف فقال: صحة صلاة من تيمم لفقد الماء ثابتة بالإجماع حتى يدل دليل على أن رؤية الماء في أثناء الصلاة مبطلة لها، ولا دليل على ذلك.)[19].

(ومن أمثلة هذا النوعِ: قولُ الظاهرية ومن وافقهم: يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع منعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل أن يطأها سيدها وتنجب منه)[20].

حجِّيَّة الاستصحاب:

يقول الدكتور عبد الكريم النملة: (لقد ثبت بعد الاستقراء والتتبع لكلام العلماء، في كتب الأصول والفقه أن النوع الرابع - وهو: استصحاب حكم العموم حتى يرد ما يخصِّصه، واستصحاب النص حتى يرد ما ينسخه - متفق عليه)[21]. أي متّفقٌ على حجّيّته، ويُضاف إلى هذين النوعين النوع الأول الذي ذكرناه، وهو استصحاب البراءة الأصليّة، أو استصحاب العدم الأصليّ، عند عدم وجود الدليل الشرعيّ، فإنّه كذلك متفق على حجيته[22]. أمّا الأنواع الأخرى، فكانت حجّيّتها محلّ خلافٍ بين الأصوليّين والفقهاء، وفيما يلي نقف على هذا الخلاف.

1/ الخلاف حول استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع:

ثار الخلاف بين الفقهاء، حول هذا النوع من الاستصحاب، فاختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: قول القائلين بعدم حجّيّته:

وهم جمعٌ كبيرٌ من العلماء، (منهم: الغزالي، والقاضي الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصَّبَّاغ، وابن عقيل،

وأبو الخطاب وشيخهما أبو يعلى، وأبو الطيب الطبري، وغيرهم)[23].

ولأن الإجماع على صحة الصلاة بالتيمم مشروط بعدم الماء، فإذا انتفى هذا الشرط انتفى الإجماع، وكذا في بيع الأمة، الإجماع على جوازه مشروط بعدم الاستيلاد فإذا وجد الاستيلاد انتفى الإجماع.

وحجّتُهم في عدم حجّيّته بالنظر إلى المثالين اللذين أثبتناهما أعلاه، هي: أنّ الإجماع كان قائماً على صفةٍ معيّنة (عدم الماء، عدم الاستيلاد)، وتغيّرت هذه الصفة إلى عكسها وهو وجود الماء، فإثباتُ حجية هذا النوع (يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع، وهما مختلفان)[24].

القول الثاني: قول القائلين بحجّيّته:

(وهو مذهب ابن حامد، وابن شاقلا، والمزني، والصيرفي، وأبي ثور، وداود الظاهري، وابن سريج، وابن خيران، وأبي

الحسين القطان)[25]. ودليلُهم على ذلك: أنّ طريان أو طروء وجود الماء لن يؤثر في صحة الصلاة، لأنّها قد انعقدت ابتداءً على عدم وجوده.

ورُدّ عليهم بأنّ هذا مخالفٌ لحقيقة الاستصحاب وهي: بقاء ما كان على ما كان حتى يأتيَ دليلٌ يغيّر الحالة.

ويبدو أن نقطة النزاع بين الطرفين، صارت تتمثل في هذا السؤال: وهو هل هذا التغيير بوجود الماء بعد فقده، كافٍ لإزالة الحكم الأول؟

وهذا الخلاف بين الطرفين، كما يبدو خلافٌ معنوي، ليس لفظيّاً، إذ يترتّب على كلٍّ منهما نتائج جوهريّة.

2/ الخلاف حول أنواع الاستصحاب الأخرى:

ثار الخلاف بين الأصوليّين فيما يتعلّق بالأنواع الأخرى على عدة أقوال:

القول الأول: قول القائلين بحجية الاستصحاب في الإثبات والنّفي:

يقول الدكتور عبد الكريم النملة: (جميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها؛ لأن استصحاب الحال يفيد بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به).

قال: (ولأنَّ الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداءً حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في حصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، ولا يوجد فرق بينهما إلا أن الأول قد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - وهي: عدم الزوجية وحصول العقد، وأما الثاني فقد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك -وهي العقد عليها- فلو لم يعتبر الاستصحاب، وكان غير مفيد لظنِّ البقاء للزم استواءُ الحالين: التحريم والجواز، وهو: حرمة الوطء أو إباحته، وهو: باطل بالإجماع)[26].

وهو مذهب جمهور العلماء.

القول الثاني: قول القائلين بعدم الحجية في الإثبات والنّفي:

وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية، ويستدلُّون على ذلك:

أولاً: بأنّ الأحكام الشرعية من الحل والحرمة، لا تثبت إلا بدليلٍ نصبه الشارع، من نصٍّ وإجماع وقياس، وليس الاستصحاب من هذه، فلا يجوز الاستدلال به في الشرعيّات، فأجيب عليهم بـ: (أنّ وجوب نصب دليل من الشارع، يصح في إثبات الحكم ابتداءً، أما بقاؤه فيكفي فيه الاستصحاب)[27].

ثانياً: بأنّه (لا يوجد ظنٌّ في بقاء الشيء على ما كان مع جواز القياس، فإنه يجوز أن يقع قياسٌ بنفي حكم ما كان)، وأجيب عليهم، بأنّا (نقول بأن الاستصحاب لا يُستدلّ به ولا يُفيد ظنَّ الحكم عندنا، إلا بعد استقراء الأدلة المتَّفق عليها، وهي: الكتاب، والسّنَّة، والإجماع، والقياس، وعدم وجدان ما يعارض الأصل)[28].

ختاماً:

فإنّ التّأمّل في الاستصحاب يفيدنا بأنّه في الحقيقة لا ينشئ حكماً جديداً، فهو في ذاته ليس بدليل، ولكنّه آليّة منهجيّة تُستخدم من قبل الأصوليّ أو الفقيه، للارتقاء في بحثه مرحلةً بعد مرحلة، فإذا اراد معرفة الحكم الشرعيّ لمسألةٍ، فإنّه يستقرئ الأدلة فإن لم يجد فيها ما يدلّ على الحرمة، استصحب الأصل وهو الحلُّ:

(مثال ذلك: رجلٌ يبيع الكلابَ فما حكم أمواله؟ نقول: الأصل الحِلُّ لقوله -عزّ وجلَّ-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275])[29]، ثم في مرحلةٍ تالية من البحث أجد فيما رواه الشيخان عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» فهذا الدليل عندئذٍ ينقلني من الإباحة إلى الحُرمة.

(وجُمهُورُ العُلماءِ على إعمالِ أصلِ "الاستِصحابِ" عندَ فقْدِ الدَّليلِ الخاصِّ في المسألةِ، فهوَ آخرُ ما يَلْجأُ إليهِ الفقيهُ في استِفادَةِ الحُكمِ الشَّرعيِّ)[30].

 المراجع

[1] مقاييس اللغة (3/ 335).

[2] كلها من مقاييس اللغة (3/ 335).

[3] أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص: 199).

[4] أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص: 199).

[5] المهذب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 959).

[6] تيسير علم أصول الفقه (ص: 220).

[7] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (2/ 174).

[8] الضروري في أصول الفقه = مختصر المستصفى لابن رشد (ص: 96).

[9] المهذب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 959).

[10] أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهلُه (ص: 199).

[11] المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 959).

[12] المستصفى (ص: 159).

[13] شرح القواعد الفقهية (ص: 87).

[14] الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية (ص: 403).

[15] الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية (ص: 173).

[16] المستصفى (ص: 160).

[17] المهذب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 961).

[18] الضروري في أصول الفقه = مختصر المستصفى لابن رشد (ص: 96).

[19] أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص: 200).

[20] أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص: 200).

[21] المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 963).

[22] أصول مذهب الإمام أحمد، للدكتور عبد الله التركي، ص 415، قال كثير من الحنفية بعدم حجيته، لكن القول المشهور في المذهب هو حجيّته.

[23] المهذب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 962).

[24] أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص: 202).

[25] المهذب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 963).

[26] الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح (ص: 376).

[27] أصول مذهب الإمام أحمد، للدكتور عبد الله التركي، ص 419،420.

[28] المهذب في علم أصول الفقه المقارن (3/ 965).

[29] تيسير أصول الفقه للمبتدئين (15/ 4، بترقيم الشاملة آليا).

[30] تيسير أصول الفقه للمبتدئين (15/ 4، بترقيم الشاملة آليا).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
علماء الجزائر: النقاب ليس مشكلة في البلاد من أجل منعه
قال أكبر تجمع لعلماء الدين بالجزائر، إن النقاب الذي قررت السلطات منعه في أماكن العمل الحكومية محدود الانتشار ولا يشكل مشكلة في البلاد.
ندوة دولية للأزهر عن الإسلام والغرب.. الاثنين المقبل
تنطلق يوم الاثنين المقبل أعمال الندوة الدولية التي تنظمها مكتبة الأزهر الجديدة، تحت رعاية الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، بعنوان "الإسلام والغرب.. تنوعٌ وتكاملٌ"، وذلك بمشاركة عدد من الشخصيات العامة من أوروبا وآسيا، إضافة لنخبة من القيادات الدينية والسياسية والفكرية من مختلف دول العالم.
المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي: استقرار السعودية خط أحمر
أعرب المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي باسم الشعوب الإسلامية، عن تضامنه الكامل مع المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، مُدِينًا المحاولات اليائسة التي تستهدف المملكة من قِبَل لفيف المتربصين، مؤكدًا أن استقرار المملكة وأمنها بالنسبة للعالم الإسلامي خط أحمر.
أثر الجمع بين الصيام والقيام في تدبُّر القرآن
فإنّ للجمع بين الصّيام والقيام أثراً كبيراً في تدبُّر القرآن، ولكي يتبيّن لنا مبلغ هذا الأثر، نقف بدءاً عند الدّلالة الشّرعيّة لمفهومي الصّيام والقيام، ثمّ نُتبع ذلك بالنظر في العلاقة الجوهرية بينهما، وذلك من خلال الفقرات التالية:
علماء السّلف والصيام وقلّة الطعام
"قلت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟
متى ينبغي أن نعقد نيّة صيام شهر رمضان؟
فلا ريب في أنّ الإخلاص واستحضار النّية، في جميع الأٌقوال والأعمال الظاهرة والخفيّة، هو الأصل الكبير الّذي ينبغي أن تُبنى عليه عبوديّة المسلم لربّه جلّ وعلا، وذلك لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ} [البينة: 5]. وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[1]، وبناءً على هذا الأصل الكبير، اتّفق عامّة الفقهاء (عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ)[2]، ولا ريب أنّ من أرفعِ هذه العباداتِ عبادةَ صوم شهر رمضان.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م