تأثير الموت في انفساخ عقد الإجارة.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/06/25 الموافق 2018/03/13 - 05:10 م

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسَّلام على رسولنا الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإنّ مسألة تأثير الموت – سواء كان الميت مؤجّرًا أو مستأجرًا - في انفساخ عقد الإجارة من المسائل التي اختلف الفقهاء فيها, ولهم فيها قولان مشهوران:

القول الأوَّل: أنّ عقد الإجارة لا ينفسخ بموت العاقدين أو أحدهما، بل تبقى إلى انقضاء المدة. وهذا مذهب الجمهور من المالكيّة[1], والشَّافعيّة[2], والحنابلة[3].

قال أبو محمّد الثّعلبي المالكي: لا تبطل الإجارة عندنا لموت أحد المتعاقدين مع بقاء العين المستأجرة, وإمكان استيفاء المنافع[4].

وقال الإمام الماوردي الشَّافعي: عقد الإجارة لازم لا ينفسخ بموت المؤجر ولا المستأجر[5].

وقال الخرقي الحنبلي: وإذا مات المكري والمكتري أو أحدهما فالإجارة بحالها[6].

التعليلات:

التَّعليل الأوّل: أنه عقد معاوضة محضة ليس لأحد المتعاقدين فسخه بغير عذر، فوجب أن لا ينفسخ بالوفاة, أصله: البيع[7].

التَّعليل الثَّاني: ولأن منافع الأعيان مع بقاء ملكها قد تستحق بالرهن تارة وبالإجارة أخرى؛ فلما كان ما تستحق منفعة ارتهانه إذا انتقل ملكه بالموت لم يوجب بطلان رهنه, وجب أن يكون ما استحقت منفعته بالإجارة إذا انتقل ملكه بالموت لم يوجب بطلان[8].

التعليل الثَّالث: ولأن بالموت يعجز عن إقباض ما استحق تسليمه بعقد الإجارة فلم يبطل به العقد كالجنون والزمانة[9].

التَّعليل الرَّابع: ولأنه عقد لا يبطل بالجنون فلم يبطل بالموت كالبيع[10].

التعليل الخامس: ولأن الوارث إنما يملك بالإرث ما كان يملكه المورث, والمورث إنما كان يملك الرقبة دون المنفعة, فلم يجز أن يصير الوارث مالكا للرقبة والمنفعة[11].

التعليل السَّادس: ولأن إجارة الوقف لا تبطل بموت مؤجره. وتحريره قياسا؛ أنّه عقد إجارة يمكن استيفاء المنفعة فيه فوجب أن لا تبطل بموت مؤجره كالوقف[12].

القول الثَّاني في المسألة: إنّ الإجارة تنفسخ بموت أحد العاقدين إن عقدها لنفسه, وإن عقدها لغيره لم تنفسخ. وهذا مذهب الحنفيَّة[13].

أدلة الانفساخ إن عقدها لنفسه:

الدّليل الأوَّل: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة .....»[14].

وجه الدلالة: ظاهر الحديث يقتضي أن عقوده كلّها تبطل بموته إلا ما دلّ عليه دليل؛ ولا دليل على هذا[15].

الدليل الثَّاني: ولأنها عقد على المنفعة وهي تحدث شيئا فشيئا، فتنعقد الإجارة بحدوثها شيئا فشيئا، فلا تبقى بدون العاقد.

الدَّليل الثَّالث: ولأنها عقد يقصد به المنفعة حال الحياة، فوجب أن لا يبقى بعد موت من عقد له, ووجب أن يرتفع إذا مات من عقد له, أصله: النكاح[16].

الدَّليل الرَّابع: ولأنّ من وقع عليه الموت إن كان هو المؤجر فالعقد يقتضي استيفاء المنافع من ملكه، ولو بقي بعد موته لاستوفيت المنافع من ملك غيره، وهذا خلاف مقتضى العقد، وإن كان هو المستأجر فالعقد يقتضي استحقاق الأجرة من ماله، ولو بقي العقد بعد موته لاستحقت الأجرة من مال غيره، وهذا خلاف مقتضى العقد[17].

الدليل الخامس: ولأن الإجارة تفتقر إلى مؤجِّر ومؤاجر؛ فلما بطلت بتلف المؤاجر بطلت بتلف المؤجر, وتحريره قياسا: أنه عقد إجارة يبطل بتلف المؤاجر فوجب أن يبطل بتلف المؤجر قياسا عليه؛ إذا أجر نفسه[18].

تعليل عدم الانفساخ إن عقدها لغيره؛ لأنّه لا يقتضي استحقاق المنافع ولا استحقاق الأجرة من ملكه، فإبقاء العقد بعد موته لا يوجب تغيير موجب العقد.

سبب الخلاف في هذه المسألة:

يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى تكييف الإجارة في نقل المنافع؛ فالجمهور على أن الإجارة إذا تمت وكانت على مدة معينة, ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة، ويكون حدوثها على ملكه, وكذلك المؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد عند الشافعية والحنابلة إذا لم يشترط فيها التأجيل، كما يملك البائع الثمن بالبيع, فإذا مات أحد العاقدين بعد تمام العقد وقبل انقضاء المدة يقوم الورثة مقام المتوفى ولا ينفسخ العقد[19].

وقال الحنفية: إن المعقود عليه في الإجارة المنفعة، والأجرة تستحق باستيفائها أو باشتراط التعجيل. ولا يمكن استيفاء المنفعة لدى العقد؛ لأنها تحدث شيئا فشيئا، وهي عقد معاوضة، فتقتضي المساواة فلا تجب الأجرة بنفس العقد، فإذا استوفى المعقود عليه استحق الأجرة عملا بالمساواة[20].

التَّرجيح:

يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان القول بعدم الانفساخ بمجرد الموت؛ ما لم يترتّب على الاستمرار ضرر فاحش على الطرف الآخر الحي؛ وذلك لأنّ في هذا القول مراعاة مصلحة الطرفين؛ وبيان ذلك ما يلي:

أنّه إذا كان الميّت هو المؤجّر؛ فليس في استمرار العقد ضرر زائد على الورثة؛ ما دامت المدة محددّة؛ وأنّ الأجرة المستحقة ترجع إليهم؛ كما أنّ المستأجر أيضا لا يتضرر بالموت؛ ولا يخفى أنّه يتضرر إذا قيل إن العقد ينفسخ؛ والضرر يزال قدر الإمكان.

ولو سلّم جدلاً أنّ في انتظار الورثة ضررًا؛ إلا أنّه لم يبلغ حدّ الضرر الذي يلحق بالمستأجر؛ فيقدّم حقّ المستأجر في هذه الحالة؛ عملاً بالقاعدة الفقهيّة المعروفة وهي؛ إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفّهما.

وإذا كان الميّت هو المستأجر؛ فليس في استمرار العقد ضرر زائد على المؤجر؛ إذا تيسّر على ورثته سداد أجرته.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس للمؤجّر فسخ الإجارة بمجرد موت المستأجر عند جماهير العلماء؛ لكن منهم من قال: إنّ الأجرة على المستأجر تحلّ بموته, وتستوفى من تركته؛ فإن لم يكن له تركة فللمؤجر فسخ الإجارة. ومنهم من يقول: لا تحل الأجرة إذا وثق الورثة برهن, أو ضمين يحفظ الأجرة؛ بل يوفونه كما كان يوفيها الميت وهذا أظهر القولين والله تعالى أعلم[21].

المراجع

[1]  بداية المجتهد 4/15, المعونة 1/1065, الإشراف 2/653-654.

[2]  الحاوي الكبير 7/400.

[3]  مختصر الخرقي ص: 79, المغني 5/347.

[4]  المعونة 1/1065.

[5]  الحاوي الكبير 7/400.

[6]  مختصر الخرقي ص: 79.

[7]  بداية المجتهد 4/15, المعونة 1/1096, الإشراف 2/653-654, الحاوي الكبير 7/400.

[8]  الحاوي الكبير 7/401, الإشراف 2/653-654.

[9]  الحاوي الكبير 7/401.

[10]  المصدر السَّابق.

[11]  المصدر السَّابق.

[12]  المصدر السَّابق.

[13]  التجريد 7/3596, بدائع الصنائع 4/222.

[14]  صحيح مسلم 3/1255 برقم 1631 كتاب الوصيّة/ باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.

[15]  التجريد 7/3596.

[16]  المصدر السّابق 7/3597.

[17]  المصدر السّابق.

[18]  الحاوي الكبير 7/401.

[19]  المغني 5/347.

[20]  بدائع الصنائع 4/222, الموسوعة الفقهيّة الكويتية 7/31.

[21]  مجموع الفتاوى 30/157.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
السديس: الأخوة الإسلامية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء
وقال معاليه: معاشر المسلمين: عاشت الأمة الإسلامية خلال أيام موسماً عظيماً وعيدًا سعيدًا كريماً، فها هو شهر الصيام وموسم العيد السعيد قد مَرَّ كلمحة بَرْق أو غمضة عَيْن, ولقد جاءت الشريعة بالأخوة والاعتصام، والتحذير من الفُرقة والانقسام، فالأخوة الإسلامية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء وليس لأحد من أبناء الأمة أن يَشُقَّ عَصَاه، من أجل أهواءٍ شخصية أو أطماعٍ دُنيوية، أو تعصباتٍ حِزْبية، بل الأوجب الاعتصام بالجماعة، وحُسْنَ السمع للإمام والطاعة ويبرز ذلك في فُشُوِّ ظواهر خطيرة لها أثارها البالغة في توسيع هُوَّةِ الخلاف في الأمة وتقطيع جسدها الواحد إلى أوصال متناثرة وأشلاء متنافرة.
اتحاد جامعات العالم الإسلامي يشارك في المؤتمر الدولي حول الوسطية
يشارك اتحاد جامعات العالم الإسلامي في المؤتمر الدولي حول الوسطية والاعتدال، الذي سيعقد في مدينة بغداد خلال الفترة من 25 إلى 27 يونيو 2018.
أكثر من ملیون زائر من معتمري الخارج يودعون المدينة المنورة
بدأ زوار المدينة من المعتمرين القادمين من خارج المملكة في العودة لبلادهم عبر منفذ مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة المنورة، بعد أن قضوا أیاماً روحانیة في رحاب المسجد النبوي الشريف، خلال شھر رمضان المبارك 1439هـ ، وذلك بعد أن استقبلت المملكة منذ بدء موسم العمرة لهذا العام نحو سبعة ملايين معتمر ، قدموا من جميع أنحاء العالم.
الوقف على المؤسّسات الخيريّة العصريّة الغير مُسلِمة (1).
فإنّنا في العصر الرّاهن نرى أنّ اهتمام الكفَّار بالدّعم في المؤسّسات الخيريّة لا يقلّ عن اهتمام المسلمين بالأوقاف الشّرعيّة الخيرية؛ وهذه المؤسّسات الخيرية - كما هو معلوم - منها ما تخدم الهدف الظَّاهر من نشاطها فحسب؛ بمعنى أنّها لا تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات, ومن هذه المؤسّسات ما تخدم أهدافا أخرى غير مباشرة من خلال نشاطها؛ بمعنى أنّها تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات, كأن تظهر للناس أنها مؤسَّسة أنشأت لتقديم الخدمات الاجتماعيّة, أو الصحيّة, أو السّياسيّة للنّاس؛ وهدفها الحقيقي المبطّن الدعوة إلى أديانها, أو الغزو الفكري لشعوب أخرى, أو العمل على سيادة ثقافتها في العالم, أو غير ذلك من الأهداف المبطنة المخالفة للأهداف المعلنة المظهرة, وإذا كان الأمر هكذا, فما حكم مشاركة المسلمين هذه المؤسّسات بالوقف عليها؟.
آراء الفقهاء في الحيض الزائد عن العادة.
فإنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الدّم الزّائد على أكثر الحيض استحاضة؛ غير أنّهم مختلفون في أكثر أيّام الحيض على أقوال كثيرة؛ أشهرها قولان:
المقاصد المرعية في تحريم النظّر إلى الأجنبيَّات.
فإنّ في تقديم المولى عزّ وجلّ غضّ البصر على حفظ الفرج من الفواحش والرذائل في قوله تبارك وتعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}[1] سرًّا ومقصدًا عظيمًا؛ لا يتفطّن إليه إلاَّ العالِمون, ولا يدركه إلا الموفَّقون؛ فالله جلّ في علاه قدّم غضّ البصر على حفظ الفرج؛ ليعلّمنا أن العين مرآة القلب, فإذا غضّ العبد بصره سكَّن القلب شهوته وإرادته, وإذا أطلق بصره على الفواحش والمنكرات, حرّض القلب شهوته وإرادته عليها؛ فغضُّ البصر وسيلة عظيمة لحفظ الفرج؛ وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب؛ ولذلك بدء بغض البصر وقدّمه.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م