صلاةُ قيامِ الليل كيف؟ (3)
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1439/06/25 الموافق 2018/03/13 - 09:25 ص

 

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعدُ،

فما زلنا نجتهد في التّعرف على الكيفيّة العامّة لصلاة قيام الليل، في الحلقة الماضية، لمسنا ما في هذه المسألة من الخلاف بين العلماء، ورأينا أنّ فضيلة الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، في كتابه "صلاة التراويح"[1]، قد ذهب إلى أنّ الأمر في هذا الخلاف يتعلّقُ بست كيفيّاتٍ، كلها ثابتةٌ، وينبغي إعمالها جميعاً، وهي على النَّحو التالي:

1/ [13 ركعة]: (ثنتان خفيفتان، ثمّ عشر، ثم يوتر بواحدة).

2/ [13 ركعة]: (ثماني، ثم يوتر بخمس).

3/ [11 ركعة]: (عشر، ثمّ يوتر بواحدة).

4/ [11 ركعة]: (أربع، ثمّ أربع، ثم يوتر بثلاث).

5/ [11 ركعة]: (ثماني، ثمّ يوتر بواحدةٍ، ثم ركعتين.).

6/ [تسع ركعات]: (ست ثم يوتر بواحدةٍ، ثم ركعتين).

ثمّ بعد أن أوردنا الكيفيّات الستة أعلاه، أوردنا بعض الملحوظات التي من شأنها أن تكشف بعض الغموض في هذه المسألة.

وعموماً فإنّ تحقيق النّظر في هذه المسألة:

إمّا أن يؤدي إلى الزيادة على الكيفيّات الست، أو -على الأقل- إلى تثبيتها.

وإمّا أن يؤدي إلى إزالة الفروق، والتّقريب بينها، حتى نكون بإزاء كيفيّةٍ واحدة، مصداقاً لما ذكره الإمام الألباني من أنّ هذه الكيفيّات ليست نهائيّة، وإن كان يعني بذلك قابليّتها للزيادة خاصّة[2]، ولكن يبدو أنّه قد سعى عمليّاً إلى توحيدها في كيفيّةٍ واحدةٍ شاملة، وخاصّةً فيما يتعلق بمسألة العدد الكلي لركعات قيام الليل مع الوتر، أهو (11) أم هو (13)؟ وهي الملحوظة التي نختم بها الملحوظات حول الكيفيات الستة:

ملحوظة حول العدد الكلّيّ لركعات قيام الليل والوتر:

[0]: وقوع التّعارض بين الروايات في هذه المسألة:

في هذا الباب نلحظ تعارضاً كبيراً، بين الروايات الواردة في السنة المطهرة، والمتعلقة بعدد صلاة قيام الليل والوتر.  يقول ابن بطال: (وأما عدد صلاته -صلى الله عليه وسلم-بالليل، فإنَّ الآثار اختلفت فى ذلك عن ابن عباس وعائشة)[3].

وكما يقول الشيخ البسام: (اختلفت الروايات عن عائشة في كيفية صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقد روي: سبعاً، وتسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وغير ذلك. وروي عنها في الصَّحيحين أنه "ما كان يزيدُ على إحدى عشرة ركعة")[4].

وقد ثبت هذا التعارضُ بين روايتين لحديث عائشة -رضي الله عنها-:

*الأولى أخرجها الشيخان وهو قولها -رضي الله عنها-: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ، عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا»[5].

*والثانية أخرجها الإمام البخاريّ، وهي قولها -رضي الله عنها-: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»[6].

ونلحظ أنّ مواقف أهل العلم من هذا التعارض، قد تباينت إلى موقفين:

[1] موقف القائلين بأنّه لا تعارض في الحقيقة:

يقول أَبُو حَاتِمٍ: (هَذِهِ الْأَخْبَارُ لَيْسَ بَيْنَهَا تَضَادٌّ، وَإِنْ تَبَايَنَتْ أَلْفَاظُهَا وَمَعَانِيهَا مِنَ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ عَلَى الْأَوْصَافِ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ، لَيْلَةً بِنَعْتٍ وَأُخْرَى بِنَعْتٍ آخِرَ، فَأَدَّى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا رَأَى مِنْهُ، وَأَخْبَرَ بِمَا شَاهَدَ، وَاللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ صَفِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعَلِّمًا لِأُمَّتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، فَدَلَّنَا تَبَايُنُ أَفْعَالِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فَعَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لَهُ فِي الِاسْتِنَانِ بِهِ فِي نَوْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ لَا الْكُلِّ)[7].

ويقول القاضي عياض: (ولا خلاف أنه ليس فى ذلك حدٌّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الفضائل والرغائب التى كلما زيد فيها زيد فى الأجر والفضل، وإنَّما الخلاف فى فعل النبى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما اختاره لنفسه)[8].

ويقول القرطبي[9]: (أَشْكَلَتْ رِوَايَاتُ عَائِشَةَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى نَسَبَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَهَا إِلَى الِاضْطِرَابِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ الرَّاوِي عَنْهَا وَاحِدًا، أَوْ أَخْبَرَتْ عَنْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَتْهُ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ النَّشَاطِ، وَبَيَانِ الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)[10].

أمّا ابن عبد البر، فلا يُبالي بأن تكون صلاة قيام الليل (11) أم (13) ركعة، مستنداً في ذلك إلى دليلين:

الأول: أنّ صلاةَ قيام الليل نافلةُ خيرٍ (فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ)[11].

والثَّاني: أنّه يرى أنّ إجماع العلماء قد انعقد على ذلك.

يقول: (وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بِالْوِتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهَا: رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا زِيَادَةٌ حَفِظَهَا مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ بِمَا نَقَلَ مِنْهَا، وَلَا يَضُرُّهَا تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا.

وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَفِعْلُ خَيْرٍ، وَعَمَلُ بِرّ،ٍ فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ)[12].

قال: (وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ وَلَا شَيْءَ مُقَدَّرًا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَمَنْ شَاءَ أَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ وَقَلَّتْ رَكَعَاتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ)[13].

والقدر المستيقن من هذا الإجماع الذي يذكره ابن عبد البر، هو اتّفاقهم على جواز أن يصلّي المصلّي بالليل ما شاء من الركعات، لكن الخلاف قائمٌ بينهم فيما إذا كان ذلك موافقاً للسُّنة أم لا؟

[2] موقف القائلين بوجود تعارضٍ حقيقيٍّ:

وفي سياق كلامه عن الروايات المتعارضة التي وردت لحديث عائشة، يقول الشيخ البسام: (وأحسنُ ما يجمع بينهنَّ، أنَّ الرواية بعدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة هو الأغلب من صلاته، وقد يزيدُ وقد ينقص، حسب النشاط وعدمه، أو لقصد التَّعليم وبيان الجواز)[14].

وإلى نحو ذلك ذهب الأمير الصَّنعانيّ، حيث ذكر أنّ الرواياتِ (مَحْمُولَةٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، بِحَسَبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ)، ثم ينتبه إلى أنّ هذا القول بجواز الكلّ (لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهَا: وَلَا فِي غَيْرِهِ) أي قول عائشة -رضي الله عنها-: ("ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة")، لذا فقد مال إلى وجود تعارضٍ، فأزاله بقوله: (وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ الْأَغْلَبِ مِنْ فِعْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَا يُنَافِيهِ مَا خَالَفَهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ النَّادِرِ)[15].

ويقول المباركفوري: (الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ الْأَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، هُوَ هَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ لِنَفْسِهِ، أَعْنِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَهُوَ الثابت عن رسول الله بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ، بِهَا أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْبَاقِيَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلَا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ خَالٍ عَنِ الْكَلَامِ)[16].

وينقل ابن بطال عن جماعةٍ من القائلين بهذا القول: أنّ التعارض الظاهريّ، سببه الرواة، وليس السيدة عائشة -رضي الله عنها- (وأن الصحيح منها إحدى عشرة ركعة بالوتر، قالوا: وقد كشفت عائشة هذا المعنى ورفعت الإشكال فيه لقولها: "ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة"، وهى أعلم الناس بأفعاله لشدَّة مراعاتها له، وهى أضبط لها من ابن عباس، لأنه إنما رمق صلاته مرةً حين بعثه العباس ليحفظ صلاته بالليل، وعائشة رقبت ذلك دهرها كله. فما روي عنها مما خالف إحدى عشرة ركعة فهو وهم، ويحتمل الغلط فى ذلك أن يقع من أجل أنهم عدّوا ركعتى الفجر مع الإحدى عشرة ركعة، فتمت بذلك ثلاث عشرة ركعة. وقد جاء هذا المعنى بيانًا فى بعض طرق الحديث، روى عبد الرزاق، عن الثورى، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس، قال: بت عند خالتى ميمونة، فقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلى، فتمطيت كراهية أن يرانى أراقبه، ثم قمت ففعلت مثل ما فعل فصلَّى فتتامَّت صلاته ثلاث عشرة ركعةً، منها ركعتا الفجر، ثم نام حتى نفخ، فجاءه بلالٌ فآذنه بالصَّلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ)[17].

ومن أجل إزالة هذا التعارض، يذكر ابن حجر، احتمالين، يقول:

-(فَيُحْتَمَلُ: أَنْ تَكُونَ أَضَافَتْ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ).

- أو تكون هاتان الركعتان الخفيفتان، هما (ما كَانَ يَفْتَتِحُ بِهِ صَلَاةَ اللَّيْلِ، فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُهَا بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).

قال: (وَهَذَا أَرْجَحُ فِي نَظَرِي؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي سَلَمَةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى الْحَصْرِ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ، جَاءَ فِي صِفَتِهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: "يُصَلِّي أَرْبَعًا، ثُمَّ أَرْبَعًا، ثُمَّ ثَلَاثًا" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ، وَتَعَرَّضَتْ لَهُمَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ)[18].

والمفهوم من كلام ابن حجر: أنّه يُثبت ركعتين خفيفتين، إضافةً إلى ال (11)، وعندئذٍ يظلّ الإشكال قائماً.

[3] موقف الشيخ الألبانيّ:

يرى الشيخ الألبانيّ وجود تعارضٍ واضح بين نصوص الأحاديث الواردة، فيما يتعلق بعدد ركعات قيام الليل والوتر، وأنّ العدد الصحيح، هو إحدى عشرة ركعة، مستنداً في ذلك إلى الأدلة التالية:

1/ دليل السنة الصحيحة، فيرى الشيخ الألباني، بعد دراسة نصوص الأحاديث الواردة في هذه المسألة: (أن عدد ركعات قيام الليل إنَّما هو إحدى عشرة ركعة بالنّصّ الصّحيح من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).

2/ دليل المواظبة: قال: (وممَّا يدلّ لذلك أيضاً: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا عمل عملاً واظب عليه كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر، مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيا عنها)، ثم  يقول: (وإذا تأملنا فيه يظهر لنا بوضوح: أنه -صلى الله عليه وسلم- استمرَّ على هذا العدد طيلة حياته لا يزيد عليه، سواء ذلك في رمضان أو في غيره).

3/ الاستدلال بالتزامه -صلى الله عليه وسلم- في السنن الرواتب وغيرها بعددٍ معيّن، يقول: (فإذا استحضرنا في أذهاننا أن السنن الرواتب وغيرها كصلاة الاستسقاء والكسوف، التزم النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضا فيها جميعا عددا معينا من الركعات، وكان هذا الالتزام دليلا مسلَّما عند العلماء على انه لا يجوز الزيادةُ عليها، فكذلك صلاة التراويح لا يجوز الزيادة فيها على العدد المسنون لاشتراكها مع الصَّلوات المذكورات في التزامه -صلى الله عليه وسلم- عددا معينا فيها لا يزيد عليه فمن ادعى الفرق فعليه الدليل، ودون ذلك خرط القتاد).

4/ إضافةً إلى ما سبق، فإنّ صلاة قيام الليل، أو التراويح ليست من النوافل المطلقة، كما قال: (وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة، حتى يكون لمصلٍّ الخيار في أن يصليها بأيِّ عددٍ شاء، بل هي سنة مؤكدة تُشبه الفرائضَ من حيث إنها تُشرع مع الجماعة كما قالت الشافعية، فهي من هذه الحيثية أولى بأن لا يزاد عليها من السنن الرواتب). قال: (على أنه لو اعتبرنا صلاة التراويح نفلاً مطلقاً لم يحدده الشارع بعدد معين، لم يجز لنا أن نلتزم نحن فيها عددا لا نجاوزه لما ثبت في الأصول: أنه لا يسوغ التزام صفةٍ لم ترد عنه -صلى الله عليه وسلم- في عبادة من العبادات)[19].

وأما التعارض بين روايتي حديث عائشة، فإنّ الشيخ الألباني يبني موقفه على موقف ابن حجر ولذا فإنّه قد جمع بين الاحتمالين اللذين أوردهما العلامة ابن حجر لإزالة التعارض، كما ذكرناهما سابقاً. أما الشيخ الألباني فقد جمع بين كلا الاحتمالين الأول والثّاني، فذكر أنّ هاتين الركعتين الخفيفتين، هما سنّة العشاء، وبالتالي فليستا من صلاة قيام الليل، واستدلّ على ذلك بثلاثة الأدلة التي ذكرها عند استدلاله على الكيفيّة الأولى، وقد ذكرناها سابقاً.

المراجع

[1] صلاة التراويح: صلوا كما رأيتموني أصلي، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط2، 1405هـ 1985م.

[2] صلاة التراويح.

[3] شرح صحيح البخارى لابن بطال (3/ 127).

[4] تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 220).

[5] رواه البخاري (1147) ومسلم (738).

[6] رواه البخاري (1170).

[7] صحيح ابن حبان - محققا (6/ 365).

[8] إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 82).

[9] شارح صحيح مسلم، وليس المفسر.

[10] فتح الباري لابن حجر (3/ 21).

[11] الاستذكار (2/ 98).

[12] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (21/ 70).

[13] الاستذكار (2/ 102).

[14] تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 220).

[15] سبل السلام (1/ 349).

[16] تحفة الأحوذي (3/ 440).

[17] شرح صحيح البخارى لابن بطال (3/ 129).

[18] فتح الباري لابن حجر (3/ 21).

[19] صلاة التراويح: ص 24- 29.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
السديس: الأخوة الإسلامية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء
وقال معاليه: معاشر المسلمين: عاشت الأمة الإسلامية خلال أيام موسماً عظيماً وعيدًا سعيدًا كريماً، فها هو شهر الصيام وموسم العيد السعيد قد مَرَّ كلمحة بَرْق أو غمضة عَيْن, ولقد جاءت الشريعة بالأخوة والاعتصام، والتحذير من الفُرقة والانقسام، فالأخوة الإسلامية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء وليس لأحد من أبناء الأمة أن يَشُقَّ عَصَاه، من أجل أهواءٍ شخصية أو أطماعٍ دُنيوية، أو تعصباتٍ حِزْبية، بل الأوجب الاعتصام بالجماعة، وحُسْنَ السمع للإمام والطاعة ويبرز ذلك في فُشُوِّ ظواهر خطيرة لها أثارها البالغة في توسيع هُوَّةِ الخلاف في الأمة وتقطيع جسدها الواحد إلى أوصال متناثرة وأشلاء متنافرة.
اتحاد جامعات العالم الإسلامي يشارك في المؤتمر الدولي حول الوسطية
يشارك اتحاد جامعات العالم الإسلامي في المؤتمر الدولي حول الوسطية والاعتدال، الذي سيعقد في مدينة بغداد خلال الفترة من 25 إلى 27 يونيو 2018.
أكثر من ملیون زائر من معتمري الخارج يودعون المدينة المنورة
بدأ زوار المدينة من المعتمرين القادمين من خارج المملكة في العودة لبلادهم عبر منفذ مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة المنورة، بعد أن قضوا أیاماً روحانیة في رحاب المسجد النبوي الشريف، خلال شھر رمضان المبارك 1439هـ ، وذلك بعد أن استقبلت المملكة منذ بدء موسم العمرة لهذا العام نحو سبعة ملايين معتمر ، قدموا من جميع أنحاء العالم.
فقه النّيّة في نصوص اللغة والشّرع (1)
فإنّ مفهوم النّية من المفاهيم الفقهيّة الأساسيّة، التي لا يكاد يخلو منها بابٌ من أبواب الفقه، بيد أنّه يصدر إليها من دائرة ما يُسمّى بالفقه الأكبر، أو فقه الصفات والأعمال الباطنة، ورغم أهميتها الكبرى فقليلةٌ هي الدراسات المتعلّقة بالنّية، فلذا عزمت على أن أخصّصها بهذه المباحثة، التي عزمت فيها على استقراء معظم مسائلها، والخوض في كلّ مباحثها، راغباً في تجميع أطرافها، اعتماداً على نصوص اللّغة والشرع، واستئناداً إلى ما قرّره فيها وحولها علماء الأمّة وفقهاؤها، مبتدئاً ببيان الدّلالة اللّغويّة لهذا المفهوم:
الجامع المستوعب لدلالات الصّيام في لغة العرب
فإنّ الصّلة بين اللّغة العربية والفقه الإسلاميّ، صلةٌ وطيدة، وفي هذا الصّدد يقول مؤسس علم أصول الفقه الإمامُ الشَّافعيُّ: (إنَّما خاطب اللهُ بكتابه العربَ، على ما تعرفُ من معانيها)[1]، وهي الحقيقةُ التي انتبه لها مجدِّدُ علم الأصول الإمامُ الشَّاطبيُّ فقرَّرها بقوله: (إنَّ هذه الشريعة المباركة عربيَّة... المقصودُ هنا: أنَّ القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنَّما يكونُ من هذا الطريقِ خاصَّةً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}... فمن أراد تفهُّمه فمن جهة لسان العرب يُفهم)[2].
فقه الأوقات المنهيِّ عن الصَّلاة فيها (3/3)
ففي الحلقة الأولى من هذه المباحثة الفقهيّة، قمنا بتحديد الأوقات المنهيِّ عن الصّلاة فيها، استناداً إلى نصوص الأحاديث الصَّحيحة الواردة في المسألة.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م