مظانُّ تصوير المسألة الفقهيّة (2)
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1439/06/09 الموافق 2018/02/25 - 10:20 ص

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

فكما ذكرنا في الحلقة الماضة، فإنَّ مظانَّ تصوير المسألة الفقهيّة[1]، هي المصادر والمراجع التي ينبغي أن يعتمد عليها الباحث الفقهيّ، لدى قيامه بالخطوة الأولى من خطوات البحث العلميّ، ألا وهي (تصوير المسألة الفقهيّة)، فإنّ الباحثَ من أجل تصوير مفردات المسألة التي يقوم عليها بحثه، وبيان العلاقات بينها، ينبغي أن يستعينَ بنوعين من المراجع، الأول هو كتب المصطلحات واللغة الفقهيّة، والثاني هو كتب المعاجم اللُّغويّة.

وقد اطّلعنا في الحلقة الماضية، على عرضٍ تصنيفيٍّ، للنوع الأول، فبقي أن نقف في هذه الحلقة على عرضٍ تصنيفيٍّ للنوع الثاني:

ثانياً: كتب المعاجم اللّغويّة:

أ/ تمهيد في بيان العلاقة بين الدلالة اللّغويّة والدّلالة الشرعية:

لئن كانت الصلة واصحةً، بين كتب المصطلحات واللّغة الفقهية، وبين البحث الفقهيّ، فإنّ الصّلة العميقة بين القواميس اللّغويّة عموماً، والبحث الفقهيّ، قد تخفى على بعض الباحثين، وهذه الصّلة أكدها كثيرٌ من الفقهاء والأصوليّين.

 في كتابه "الرّسالة" في أصول الفقه، قرّر الإمام الشافعيّ هذه الصّلة الوطيدة، بقوله مؤكّداً: (إنَّما خاطب اللهُ بكتابه العربَ، على ما تعرفُ من معانيها)([2])، وهي الحقيقةُ التي قررها كذلك الإمامُ الشَّاطبيُّ في كتابه "الموافقات"، حيث قال: (إنَّ هذه الشريعة المباركة عربيَّة... المقصودُ هنا: أنَّ القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنَّما يكونُ من هذا الطريقِ خاصَّةً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}... فمن أراد تفهُّمه فمن جهة لسان العرب يُفهم)([3]). وكذلك قال فخر الدين الرازيّ: (لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلي القرآن والأخبار، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم؛ كان العلم بشرعنا موقوفاً على العلم بهذه الأمور، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب)([4]).

وفيما يلي، نطّلع على بعض أهمّ المعاجم اللّغويّة، وما تتميز به، وذلك عبر الفقرات التّالية:

ب/ معجم مقاييس اللّغة، مشروع لُغويٌّ علميٌّ رائد:

يُعتبر "معجمُ مقاييسِ اللُّغة" لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت395هـ)، مشروعاً لُغويَّاً رائداً، لا يستغني عنه الباحث في الفقه أو في أيٍّ من علوم الشّرع، لأنّه كتابٌ يقوم على جهدٍ علميٍّ استقرائيٍّ، تناول فيه المؤلف معاني الجذور الثلاثيَّة لمفردات اللّغة العربيّة، فردّ معظمها إلي أصلٍ واحد مطّرد في أغلب الأحيان أو أصلين أو ثلاثة. ولذا فإنّه خيرُ معينٍ للباحث فيما يتعلّق باستجلاء معاني المصطلحات والمفاهيم الشرعيّة، التي يتعلق بها بحثه.

فيُعتبر هذا المعجم من فرائد اللّغة العربيّة، وهو تطبيق عمليٌّ للفكرة التي نبّه إليها اللغويُّون العرب، وأكّدوا بها على غنى الدلالات المعجمية للألفاظ العربية وثرائها، وذلك من خلال بحثهم في ظاهرة الاشتقاقِ اللُّغويّ، حيث وجدوا أنَّ الألفاظ والكلمات التي يجمع بينها أصلٌ ثلاثيٌّ واحد، يجمعُها كذلك معنىً عامٌّ واحد، وهذا هو ما يُسمَّى بالاشتقاق بأقسامه المختلفة العامِّ والكبير والصّغير[5].

وفي تحقيقه للمعجم المذكور يوضحُ الأستاذ عبد السلام هارون "أنَّ ابن فارس في كتابه هذا... قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّهِ أسرارها وفهم أصولها، إذ يردّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلي أصولها المعنوية المشتركة، فلا يكاد يخطئه التَّوفيقُ، وقد انفرد من بين اللغويِّين بهذا التَّأليف، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلفه أحد"[6].

ت/ لكلُّ معجمٍ من المعاجم ميزته:

لكلّ معجمٍ من المعاجم العربيّة ميزةٌ يتميّز بها، ولذا فإنّ الباحث يعمد إلى اختيار المعجم المناسب على حسب طبيعة بحثه، وهاهنا بيانٌ عامٌّ لهذه الحقيقة، من خلال ذكر بعض المعاجم، وما يتّسم به من سمةٍ أو ميزة، على النحو التالي[7]:

1- معجم الصَّحاح للجوهري، يتميّز بشهرته في أوساط العلماء.

2- معجم تهذيب اللّغة للأزهريّ، يتميّز بالثّقة والفصاحة.

3- المحكم لابن سيده، يتميّز بالتّرتيب والإحكام.

4- تاج العروس شرح القاموس، ويُقاربه لسان العرب، يتميز كلاهما بالبسط والتّوسُّع.

5- معجم مقاييس اللّغة، يتميّز على غيره من المعاجم، من حيث القدرة على بناء شبكةٍ من المعاني، تأصيلاً وتفريعاً، ومن المعاجم المعاصرة التي تُعتبر امتداداً لهذا الجهد الذي قام به صاحب المقاييس: "المعجَم الاشتقاقي المؤصَّل"؛ للدكتور محمد حسن جَبَل.

 6- مختار الصّحاح لأبي بكر الرازي، والمصباح المنير للفيُّومي، يتميّز كلاهما بالاختصار.

7- أساس البلاغة للزمخشري، يتميز بدقة التمييز بين الحقيقة والمجاز.

8- شمس العلوم للحِمْيَرِيِّ، وكذلك ديوان الأدَب للفارابي، يتّسمان بتمييز الضبط والشكل.

9- المخصّص لابن سيده، وفقه اللغة للثعالبيّ، والصاحبي لابن فارس، ومن المعجمات المعاصرة: الإفصاح في فقه اللغة، للصعيدي وزميله، هذه المعاجم تتميّز بالترتيب الموضوعيّ للمواد اللّغويّة.

10- تكملة المعاجم العربيّة للمستشرق دوزي، والمعجم الكبير لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومعجم تيمور الكبير، والأخيران لم يكتملا، فهذه كلّها تتميّز باستيعاب الألفاظ المولّدة والمحدثة.

11- كشّاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، والكليات لأبي البقاء العكبري، يهتمان بتفسير المصطلحات.

12- معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد مختار عمر، يتميّز باستيعاب الألفاظ المعاصرة.

 13- مفرد القرآن للراغب الأصفهانيّ، يعتني بألفاظ القرآن.

ث/ مراجع أخرى:

ثمّة مراجع أخرى ليست بمعاجم، بيد أنّها تحوي كثيراً من مفردات اللغة، وتبين معانيها، فمن ذلك[8]:

- "الغريب المصنف"؛ لأبي عُبَيْد.

- "الزاهر في معاني كلمات الناس"؛ لابن الأَنْبَاري.

-  كُتُب غريب الحديث؛ كـغريب أبي عُبَيْد، وابن قُتَيْبَة، والخَطَّابي، والحَرْبي، وغيرهم.

- "الفروق اللُّغَوِيَّة"؛ لأبي هلال العَسْكَرِي.

- كُتُب المُثَلَّث، ومِن أوسعِها: "إكمال الإعلام بتثليث الكلام"؛ لابن مالك.

- كُتُب غريب الفقه، ومِن أفْضَلِها: "الزَّاهِر"؛ للأزهري.

ج/ وصايا ونصائح مهمة للباحثين:

*يقول الباحث المريني: (عليك, يا أخي الفاضل, بـ: "إيضاح مختار الصّحاح"، إصدار دار البشائر, دمشق، و"أساس البلاغة" للزمخشري. و بعد أن تهضم هذين الكتابين, إن شاء الله, عرّج على "تهديب الصحاح" للزنجاني, و ليكن مسبارك في هدا كله "مقاييس اللغة" لابن فارس)[9].

*ويقول الباحث أبو مالك العوضي: (ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بنحو كتاب الفصيح لثعلب، ثم نحو مختار الصحاح، ثم بعد ذلك يتوسع في باقي المعجمات مع الاهتمام بمعرفة مراتبها في الثقة، وهي كما يأتي:

- تهذيب اللغة للأزهري (370).

- المحكم لابن سيده (458).

- مقاييس اللغة لابن فارس (395).

- كتاب العين المنسوب للخليل (170).

- جمهرة اللغة ابن دريد (321).

- المحيط لابن عباد (385).

وكل هذه مصادر أصلية ما عدا المحكم لابن سيده، وإنما قدمته لأنه كاسمه محكم وينقل عن كثير من الأصول المفقودة)[10].

المراجع

[1] العنوان مقتبس من كتاب: "تأصيل بحث المسائل الفقهيّة، الميمان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1431هـ-2010م: ص 43 وما بعدها.

[2] الرسالة، صـ52.

[3] الموافقات، (2/ 42-43).

[4] المحصول، (1/ 203).

[5]- علي عبد الواحد وافي، مدخل إلي علم اللغة، ص 177-185.

[6]- معجم مقاييس اللغة، جـ 1 ص 23، من مقدمة المحقق.

[7] هذه الفقرة مستفادة، من موضوع: ما أفضل المعاجم التي يمكن الاستعانة بها؟ لأبي مالك العوضي، موقع الألوكة: 

http://www.alukah.net/fatawa_counsels/0/55044/.

[8] هذه الفقرة كذلك مستفادة، من موضوع: ما أفضل المعاجم التي يمكن الاستعانة بها؟ لأبي مالك العوضي، موقع الألوكة: 

http://www.alukah.net/fatawa_counsels/0/55044/.

[9] أفضل المعاجم العربية، ملتقى أهل الحديث:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=198555.

[10] كتاب الصحاح للجوهري...، ملتقى أهل الحديث،

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showpost.php?p=1201937&postcount=8.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
فقه النّيّة في نصوص اللغة والشّرع (1)
فإنّ مفهوم النّية من المفاهيم الفقهيّة الأساسيّة، التي لا يكاد يخلو منها بابٌ من أبواب الفقه، بيد أنّه يصدر إليها من دائرة ما يُسمّى بالفقه الأكبر، أو فقه الصفات والأعمال الباطنة، ورغم أهميتها الكبرى فقليلةٌ هي الدراسات المتعلّقة بالنّية، فلذا عزمت على أن أخصّصها بهذه المباحثة، التي عزمت فيها على استقراء معظم مسائلها، والخوض في كلّ مباحثها، راغباً في تجميع أطرافها، اعتماداً على نصوص اللّغة والشرع، واستئناداً إلى ما قرّره فيها وحولها علماء الأمّة وفقهاؤها، مبتدئاً ببيان الدّلالة اللّغويّة لهذا المفهوم:
الجامع المستوعب لدلالات الصّيام في لغة العرب
فإنّ الصّلة بين اللّغة العربية والفقه الإسلاميّ، صلةٌ وطيدة، وفي هذا الصّدد يقول مؤسس علم أصول الفقه الإمامُ الشَّافعيُّ: (إنَّما خاطب اللهُ بكتابه العربَ، على ما تعرفُ من معانيها)[1]، وهي الحقيقةُ التي انتبه لها مجدِّدُ علم الأصول الإمامُ الشَّاطبيُّ فقرَّرها بقوله: (إنَّ هذه الشريعة المباركة عربيَّة... المقصودُ هنا: أنَّ القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنَّما يكونُ من هذا الطريقِ خاصَّةً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}... فمن أراد تفهُّمه فمن جهة لسان العرب يُفهم)[2].
فقه الأوقات المنهيِّ عن الصَّلاة فيها (3/3)
ففي الحلقة الأولى من هذه المباحثة الفقهيّة، قمنا بتحديد الأوقات المنهيِّ عن الصّلاة فيها، استناداً إلى نصوص الأحاديث الصَّحيحة الواردة في المسألة.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م