القاعدة الفقهية: الأمور بمقاصدها4.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/05/27 الموافق 2018/02/13 - 10:04 ص

 الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسَّلام على رسولنا الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلقد سبق – في الحلقات الماضية – الحديث عن مقدمات هذه القاعدة؛ حيث قد تناولنا النقاط التَّالية:

النقطة الأولى: ذكرنا أنّ هذه القاعدة - الأمور بمقاصدها - من القواعد الخمس الكليّة الكبرى.

النقطة الثَّانية: أشارنا إلى بعض القواعد الفقهيّة المندرجة تحت هذه القاعدة.

النقطة الثَّالثة: أشارنا إلى المقصود بالقاعدة حيث قالنا: نعني أن أحكام أفعال واقوال المكلفين متعلقة بمقاصدهم ونياتهم.

النقطة الرابعة: أنّ أصل القاعدة: هو ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى....»[1].

النقطة الخامسة: تكلمنا عن معنى النّية, وقلنا بأنّ لها معنيين: عام, وخاص؛ فهي بمعناها الخاص: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل, أو الامتناع عنه[2].

النقطة السّادسة: تكلمنا عن حكم النّية, وقلنا بأنّه لا خلاف بين العلماء في افتقار العبادات إلى النيّة؛ وذلك لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}[3]. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى....»[4].

النّقطة السَّابعة: تكلّمنا عن المقصود بالنّية؛ وقلنا بأنّه يقصد منها أمران: الأول: تمييز العبادات من العادات, الثَّاني: تمييز رتب العبادات بعضها من بعض؛ لأنّ العبادات ليست على رتبة واحدة. وقد سبق بيان هذا كلّه بنوع من التَّفصيل؛ وإنّما افتتحنا حديثنا في هذه الحلقة بهذه النقاط؛ ليسهل على القارئ المتابع ربط السَّابق باللاحق؛ والله المسؤول أن يوفقنا وإياكم إلى سواء السّبيل.

النقطة الثَّامنة: تكلَّمنا عن تعيين النيّة؛ هل يشترط في جميع العبادات, أم تجوز بنيّة مطلقة؟.

النقطة التَّاسعة: ذكرنا ما يترتّب على اشتراط التّعيين, أو عدم اشتراطه؛ كما أشرنا إلى أنّ المباحات تصير عبادات إذا صحبتها نية التقرّب إلى الله تعالى, وقد سبق بيان ذلك كلّه بنوع من التَّفصيل؛ وإنّما افتتحنا حديثنا في هذه الحلقة بهذه النقاط؛ ليسهل على القارئ المتابع ربط هذا اللاحق بالسّابق؛ والله المسؤول أن يوفقنا وإياكم إلى سواء السّبيل.

ويكون حديثنا في هذه الحلقة – بإذن الله تعالى – عن حكم انفراد وتجرّد النية عن الفعل, والفعل عن النيّة, فنقول:

أوَّلاً: الحكم عند تجرّد النية عن الفعل.

إذا تجرّدت النيّة عن الفعل, ولم تقترن بأيّ فعل ظاهرٍ, فلا يترتّب عليها شيءٌ قضاءً؛ ذلك لأنّ الأحكام الشّرعيّة تتعلّق بالظّواهر, والنية وحدها لا يترتب عليها حكم شرعيّ دنيويّ؛ إذ المطّلع عليها هو ربّ البريّة وحده.

فلو نوى رجل طلاق زوجته, أو نوى بيع داره, أو عتق عبده, ولم ينطق ويتلفظ بذلك بلسانه, فلا يترتب على ذلك الفعل الباطني حكم شرعيّ دنيوي.

ولو نوى أن يوقف وقفًا, أو يغصب شيئًا, ولم يحقق ذلك بالفعل؛ لا يترتّب على تلك النيّة حكمٌ قضاءً؛ وذلك لما سبق ذكره, من أنّ الأحكام الشّرعيّة تتعلّق بالظّواهر, والنية وحدها لا يترتب عليها حكم شرعيّ دنيويّ؛ إذ المطّلع عليها هو ربّ البريّة وحده[5].

ويستدلّ لهذا بما أخرجه الإمامان؛ البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم»[6] قال قتادة - رحمه الله تعالى – معلِّقا على الحديث: «إذا طلق في نفسه فليس بشيء»[7].

وأمَّا ديانة, وفيما بين العبد وربّه, فقد يترتّب على تجرّد النية عن الفعل حكم؛ وذلك لما يلي من الأدلة:

الدَّليل الأوَّل: ما أخرجه الإمام أحمد في المسند, والبيهقي في السنن الكبرى؛ من حديث صهيب بن سنان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل أصدق امرأة صداقا والله يعلم أنه لا يريد أداءه إليها، فغرها بالله، واستحل فرجها بالباطل، لقي الله يوم يلقاه وهو زان، وأيما رجل ادان من رجل دينا، والله يعلم أنه لا يريد أداءه إليه، فغره بالله، واستحل ماله بالباطل، لقي الله عز وجل يوم يلقاه وهو سارق»[8].

وفي لفظ: «أيما رجل تزوج امرأة، فنوى أن لا يعطيها من صداقها شيئا، مات يوم يموت وهو زان، وأيما رجل اشترى من رجل بيعا، فنوى أن لا يعطيه من ثمنه شيئا، مات يوم يموت وهو خائن، والخائن في النار»[9].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه؛ من حديث أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى, وكان نومه صدقة عليه من ربه»[10].

وهذا الذي ذكرنا خاص بما إذا تجرّدت النيّة عن الفعل تجرّدًا تامًّا؛ بأن كانت مجرد خطور الشيء في القلب.

وأمَّا إذا كانت جازمة؛ حيث قد صادفها بعض مقدمات الفعل, أو حال بين الناوي والقيام بالفعل أمر خارج إرادته؛ أو أكره على عدم الفعل؛ فهذا يترتّب عليه حكم شرعي, فإن كان ما نوى من جنس القرب يثاب, وإن كان من جنس المعاصي يعاقب.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: الإرادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة, فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل؛ لكمال وجود المقتضي السالم عن المعارض المقاوم, ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة؛ وهو إرادات الخلق لما يقدرون عليه من الأفعال ولم يفعلوه, وإن كانت هذه الإرادات متفاوتة في القوة والضعف تفاوتا كثيرا؛ لكن حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست الإرادة جازمة جزما تاما.

والإرادة الجازمة إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام: له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام الذي فعل جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته مثل المشتركين والمتعاونين على أفعال البر, ومنها ما يتولد عن فعل الإنسان كالداعي إلى هدى أو إلى ضلالة, والسان سنة حسنة وسنة سيئة كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء} وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: {من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء} . فالداعي إلى الهدى وإلى الضلالة هو طالب مريد كامل الطلب والإرادة لما دعا إليه؛ لكن قدرته بالدعاء والأمر وقدرة الفاعل بالاتباع والقبول[11].

ثانيًا: الحكم عند تجرّد الفعل عن النيّة.

إذا تجرّد الفعل عن النيّة, فإنّ ذلك لا يخلوا من حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون الفعل لفظًا.

الحالة الثّانية: أن يكون الفعل تصرّفًا غير النطق باللّسان.

أما الحالة الأولى: وهي أن يكون الفعل لفظًا. فإن هذه الحالة لا تخلوا من نوعين:

النوع الأوَّل: أن يكون اللفظ صريحًا.

فإذا كان اللفظ صريحا, فلا يحتاج إلى النية – على الصحيح من أقوال أهل العلم – ويترتب الحكم عليه؛ لأن اللفظ الصريح تكون النية متمثلة به.

ومن الأمثلة على ذلك:

المثال الأوّل: أن يقول زوج لزوجته: أنت طالق, ثم يقول: لا أنوى الطلاق, فالذي عليه جمهور أهل العلم هو أنّه لا يلتفت إلى دعواه من عدم نية الطلاق, وأنّ الطلاق واقع لا محالة بمجرد تلفظه بذلك اللفظ الصريح.

قال ابن رشد المالكي: اتفق الأئمة الأربعة على أنّه لا يقبل قول المطلق إذا نطق بألفاظ الطلاق أنه لم يرد به طلاقا إذا قال لزوجته: أنت طالق، وكذلك السراح والفراق عند الشافعي[12].

المثال الثاني: أن يقول شخص لآخر: بعتك هذا الشيء, أو أوصيت لك به, أو أقر لك بشيء, أو وكلّ, أو أودع عند غيره, أو قذف غيره بلفظ القذف الصريح, ثم يقول: لا أنوي ذلك كله, فلا يلتفت إلى دعواه بعدم النية؛ بل ينفذ تلك الأمور دون توقفها على النية[13].

النوع الثَّاني: أن يكون اللفظ غير صريح.

فإذا كان اللفظ غير صريح, فالذي عليه المحققون من أهل العلم هو افتقار الكنايات والألفاظ غير الصريحة إلى النيّة.

ومثال ذلك: إذا قال زوج لزوجته: اذهبي إلى أهلك, أو قال لعبده: ليس لي عليك يد, فالصحيح أنّه ينوّى في هذه الأحوال, فإن نوى ما تلفظ به فله ما نوى, وإن لم ينو ذلك فليس عليه شيء.

وأمَّا الحالة الثّانية: وهي أن يكون الفعل تصرّفًا غير النطق باللّسان.

فإذا كان الفعل تصرفا غير النطق باللسان, وذلك مثل أن يسرق, أو يضرب غيره, أو يهرب من المعركة, فالحكم في ذلك كله تابع لذلك الفعل, ولا ينظر إلى النية والمقصد في الغالب[14].

المراجع

[1]  صحيح البخاري 1/6 برقم 1, صحيح مسلم 3/1515 برقم 1907.

[2]  ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 25.

[3]  سورة البينة 5.

[4]  سبق تخريجه.

[5]  الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية لأبي الحارث الغزي ص: 129-130 بنوع من التصرف.

[6]  صحيح البخاري 7/46 برقم 5269 كتاب الطلاق/ باب الطلاق في الإغلاق والكره، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره. صحيح مسلم 1/116 برقم 127 كتاب الإيمان/ باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب، إذا لم تستقر.

[7]  صحيح البخاري 7/46 برقم 5269.

[8]  مسند الإمام أحمد 31/260 برقم 18932, السنن الكبرى 7/395 برقم 14397.

[9]  أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 8/35. قال الألباني: إسناده ضعيف. ينظر: الإرواء 1/329.

[10]  صحيح ابن خزيمة 2/195 برقم 1172. حسنه الألباني في صحيح الجامع 2/1031.

[11]  مجموع الفتاوى 10/722-723.

[12]  بداية المجتهد 3/96 بنوع من التصرف.

[13]  الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية ص: 130 بنوع من التصرف.

[14]  ينظر: المصدر السابق بنوع من التصرف.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
رئيس زامبيا يعلّق عقوبة الإعدام تمهيدًا لإلغائها
أعلن رئيس غامبيا، آداما بارو، تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام، في خطوة لتحسين صورة بلاده على الصعيد الدولي عقب عزل الرئيس السابق يحيى جامع، الذي حكم البلاد 22 عامًا.
الدورة الرابعة لمؤتمر وزراء العمل في" التعاون الإسلامي" الأربعاء بجدة
تستضيف المملكة العربية السعودية بمدينة جدة بعد غد الأربعاء الدورة الرابعة للمؤتمر الإسلامي لوزراء العمل في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بعنوان "وضع إستراتيجية مشتركة من أجل تطوير القوى العاملة" .
إيقاف كاتب سعودي غداة تصريحه بأن الآذان "يرعب" الناس
أعلنت وزارة الثقافة والإعلام السعودية، اليوم الاثنين، ايقافها للكاتب السعودي، محمد السحيمي، وإحالته للتحقيق.
وقت استحقاق الأجير الأجرة.
فإنّ السَّعادة الحقيقيّة في اتّصاف المرء المسلم بإحدى هذه الصّفات الثّلاث؛ أولاها: أن يكون عالمًا. والثَّانية: أو يكون متعلِّمًا. والثَّالثة: أو يكون سائلاً ومستمعًا؛ وذلك لأنّ بالاتصاف بها يعبد المرء ربّه على الوجه المشروع, ويعرف ما له عند عباد الله من الحقوق؛ فيطالبها برفق ولين, ويعرف ما عليه لعباد الله من الحقوق, فيعطي صاحب الحقّ حقّه قبل أن يجفّ عرقه.
آداب البيع والشراء.
فإنّ البيع والشّراء ممّا أحلّه الله ورسوله, ومن سماحة ويسر دين الإسلام أن جعل الأصل في المعاملات عامة الحلّ والإباحة؛ رأفة ورحمة بالعباد؛ إذ لو كان الأصل فيها التحريم والحظر – كالحال في العبادات – لكانت مباشرة العقود متوقّفة على ما دلّ عليه الدّليل من الكتاب, والسنة, والإجماع, فتتعذر مباشرة جملة كثيرة من العقود المعاصرة التي لم يدل على إباحتها وتحريمها دليل من الكتاب, والسنة, والإجماع.
من هم الفقهاء السّبعة؟.
فالفقهاء السّبعة: هم فقهاء الحجاز السّبعة؛ الذين عنهم انتشر فقه أهل المدينة, وعلى يدهم تخرّج من جاء بعدهم, وتعتبر مدرستهم الفقهيّة هي المدرسة الفقهية الأولى في ذلك العصر؛ وكان علمهم الفقهي أساسًا لمنهج الفقه الإسلامي في البحث والنظر.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م