تصوير المسائل نظراً وتطبيقاً
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1439/05/01 الموافق 2018/01/18 - 09:16 ص

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعدُ،

فقد وردت إلينا الاستشارة التّالية:

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

في البداية أشيد بجهدكم في هذه النافذة وفي هذا الموقع، وأنا في الحقيقة ما زلت أدرج في طريق البحث الفقهيّ، وتنقصني كثير من المهارات، وعلى رأسها تصوير المسائل، فأرجو أن تشرحوا لي طريقته، وخطواته، وما يتعلّق به عموماً، وأن تركزوا على الناحية التطبيقية والعملية.

وجزاكم الله خيراً.

أنس أحمد محمد

جامعة القرآن الكريم، أمدرمان

ونقول:

شكراً للأخ أنس، على طرقه لنافذة "استشارات الباحثين"، من موقع الملتقى الفقهيّ، آملين أن يجد فيها بإذن الله ما يرومه من عونٍ ومساعدة.

أمّا تصوير المسائل، فإنه القاعدة الأساسيّة التي يقوم عليها البحث الفقهيّ، فإذا أحسنت بناءه، ضمنتَ أن تكون ثمرةُ جهدك بإذن الله بحثاً فقهيّاً متكاملاً.

تصوير المسألة الفقهيّة، يعني أن تفهمَها فهماً واضحاً متكاملاً، وذلك يتمُّ بتحليل عناصر المسألة إلى وحداتٍ بسيطةٍ، يتمُّ فهم كلٍّ منها، وفهم العلاقات بينها، ثم صياغة ذلك الفهم في تصوُّرٍ متكامل، وذلك بدون أن نُصدر عليها حكماً بالنّفي أو الإثبات، فقط تكون غايتُنا الفهمَ الواضح الدّقيق للمسألة.

على سبيل المثال، لدينا بحثٌ يتضمّن هذه المسألةً:

"مسألة الماء الذي اعتراه الصَّدأ"،

فماذا سوف نفعل؟

بدءاً سنلحظ أنّ هذه المسألة تتكون من مفهومين بسيطين: الماء، والصّداً، تربط بينهما علاقةٌ واضحةٌ، وهي أنّ الثّاني قد اعترى الأول، فلا يبدو في هذين المفهومين ولا في العلاقة بينهما من غموض، لكن ينبغي عليك أن تقوم بعملٍ لا بدّ منه في هذه المرحلة، وهو أن تشرح هذين المفهومين وتُبيّن العلاقة بينهما، اعتماداً على نوعين من المراجع:

1/ المعاجم اللُّغويّة.

2/ المراجع المختصّة ببيان المصطلحات الفقهية في كلّ مذهبٍ من المذاهب، أو عامّة المذاهب.

وجديرٌ بالذّكر أنّ تصوير المسألة المتعلّقة بالبحث، قد يستغرق صفحةً واحدة، إذا كانت المفاهيمُ التي تتضمّنها المسألةُ بسيطةً، كما هو الحال في المسألة التَّطبيقية التي بين أيدينا، كما أنك من أجل أن تقوم بالتصوير الدقيق، قد تحتاج إلى تخصيص مبحثٍ كاملٍ، أو فصلٍ كامل، لتناول معاني المفردات التي تتضمنها المسألة في اللّغة والاصطلاح.

وستكون عناصر مسألتنا هذه على النحو التالي:

أولاً: معنى الماء في اللّغة والاصطلاح.

ثانياً: معنى الصّدأ في اللّغة والاصطلاح.

ثالثاً: العلاقة بين الماء والصدأ.

نؤكّدُ أنّ المسألة التي بين يدينا، لا تحتاج إلى هذا التّفصيل، ولكن نقوم به، حتّى يمكنك تصوُّرُ عمليّة تصوير المسائل بصورةٍ واضحة.

فيما يتعلّق بالعنصر الأول،

ولكي نبين المعنى اللغوي لمفهوم الماء، فعلينا بالذّهاب مثلاً إلى معجم "مقاييس اللّغة" للعلامة أحمد بن فارس، ونقرأ فيه ممّا يتعلّق بموضوعنا، قوله: (الْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالْهَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ يَتَفَرَّعُ كَلِمُهُ، وَهِيَ الْمَوَهُ: أَصْلُ بِنَاءِ الْمَاءِ، وَتَصْغِيرُهُ مُوَيْهٌ ; قَالُوا: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي الْمَاءِ بَدَلٌ مِنْ هَاءٍ)[1].

ومن الواضح أنّ ابن فارس لم يُعرّف الماء، لأنه عنصر طبيعيٌّ معروف، وبناءً عليه يُمكنك أن تكتفي في تعريفه بقولك: "الماء عنصر طبيعيٌّ معروف، أصله "مَوَهٌ"، (قَالُوا: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي الْمَاءِ بَدَلٌ مِنْ هَاءٍ)[2].

يُمكنك أن تكتفي بذلك، فالأمر واضح.

لكن بإمكانك كذلك أن تتوجَّه إلى معجمٍ آخر، عسى أن تجد فيه مزيداً من البيان، فإذا نظرت في "لسان العرب" مثلاً، ستجد قوله: (الماءُ والماهُ والماءةُ: مَعْرُوفٌ)[3]، وستجد بياناتٍ أخرى، يمكنك استيعابها في شرحك، لكن احذر أن تقع في  عيب الاستطراد غير المفيد، فينبغي عليك دائماً في البحث، أن لا تذكر من البيانات إلا ما فيه فائدة، على أن تقوم بترتيبه وتنسيقه وصياغته، بحيث يعطي مفهوماً واضحاً ومترابطاً.

بعد أن بيّنت معنى "الماء" في اللغة، بقي عليك أن تُبيّن معناه في الاصطلاح، دعنا الآن نقم بذلك، علماً بأنّ تحديد المعنى الاصطلاحي، إنما يكون في العادة استناداً إلى المعاجم المتخصصة في لغة الفقهاء، وها هو بين أيدينا واحدٌ منها: "القاموس الفقهيُّ لغة واصطلاحاً"، لمؤلفه الدكتور سعدي أبو جيب[4]، الذي جمعه من (أوثق مصادر اللغة)، و(أوثق مصادر الفقه الاسلامي في جميع مذاهبه)[5]، فإذا قمنا بتصفُّحه وجدناه خالياً من مادّة مستقلّةٍ باسم الماء. والسّبب واضح، لأنّ الماء في حدّ ذاته معروف.

عندئذٍ سنحتاج إلى الاستئناس بالمراجع الفقهيّة العامّة، أو بالمعلومات الفقهيّة العامة، لنبحث عن اسمٍ له تعلُّق بالماء، فإذا قمنا بمراجعة رصيدنا الفقهيّ، سيتبيّنُ لنا أنّ الماء الذي يُستعمل في الفقه، يُقال له: "الماء الطهور"، أو "الماء الطاهر"، أو "الماء المطلق"، فبحثنا تحت مادة "الماء الطهور"، فلم نجد شيئاً، ثم بحثنا تحت مادة "الماء الطاهر" فلم نجد شيئاً، فلمّا بحثنا تحت مادة "الماء المطلق"، وجدنا النتيجة التالية:

(الماء المطلق:

- عند الحنفية: هو الماء الذي بقي على أصل خِلقته، ولم تُخالطه نجاسة، ولم يغلب عليه شئٌ طاهر.

- عند الشافعية: هو ما نزل من السَّماء، أو نبع من الأرض.

- عند الحنابلة: هو الماء الذي لا يُضاف إلى اسم شيءٍ غيره)[6].

وبناءً على هذه النَّتيجة، يُمكنك أن تصوغ المعنى الاصطلاحيّ للماء، فتقول مثلاً:

[أمّا عن معنى الماء في الاصطلاح الفقهيّ، فيُقصد به الماء المطلق، أي الذي نزل من السّماء، أو نبع من الأرض، فهو باقٍ على أصل خِلْقته، مُطلقاً من كلّ قيدٍ وإضافةٍ إلى غير أصله، فهو الماءُ مطلقاً، أو ماء المطر، أو ماء البحر، أو ماء النّبع، ليس ماء الزّعفرانِ، ولا ماء الورد، ولا ماء غيرهما من المواد[7]]

ويُلحظ بأنّا لحظنا أن تعريفات الفقهاء للماء المطلق، التي وجدناها ضمن النتيجة السابقة، كلها مترادفة، بيد أنّ كلّ تعريفٍ ينبّه على أحد المعاني، فقمنا بصياغتها صياغةً كلّية.

ويمكنك بدلاً عن ذلك أن تقول:

[أمّا عن معنى الماء في الاصطلاح الفقهيّ، فيُقصد به الماء المطلق]، ثمّ تقول: [وهو عند الحنفيّة يُطلق على كذا كذا، وعند الشّافعيّة هو كذا كذا، وعند الحنابلة كذا كذا]. أو تُثبت النّص المقتبس برُمّته.

بذلك نكون قد امتلكنا القدرة على تصوّر مفهوم الماء تصوُّراً واضحاً دقيقاً.

ومن ثمّ نتوجّه إلى العنصر الثاني،

أي: بيان معنى مفهوم الصّدأ في اللّغة والاصطلاح. ونتّبع في ذلك نفس  الخطوات التي اتّبعناها فيما يتعلّق ببيان مفهوم الماء، ويُلاحظ أنّنا إذا بحثنا عن معنى الصدأ في لسان العرب، فلن نجد تعريفاً واضحاً، باعتبار أنّه كان شيئاً معروفاً بذاته، ولم يكن علمُ العناصر الكيميائيَّة، قد ظهرت معالمه مثلما ظهرت لنا اليوم، فمن أجل بيانِ دلالة الصّدأ من هذه الناحية، يُمكن النظر في بعض المعاجم المعاصرة، وبالتّالي فإذا نظرنا في "المعجم الوسيط"، سنجد ما يلي: (الصَّدأ: طبقَة هشَّة تعلو الْحَدِيد وَنَحْوه من الْمَعَادِن، وتحدُث من اتحاده بِبَعْض عناصر الْهَوَاء، وَيُسمَّى كيمياويًّا الأكسيد والكُدرة تعلو وَجه الشَّيْء)[8].

ومن ثمّ نتوجه إلى العنصر الثالث:

أي: العلاقة بين الماء والصّدأ، ونحن مقيّدون بالنظر إلى هذه العلاقة في ضوء عنوان المسألة، أي: "مسألة الماء الذي اعتراه الصَّدأ"، فالعلاقة واضحةٌ وهي أنّ الصَّدأ يؤثر في الماء بأن يعتريه، والاعتراء أصله من مادة "عرا"، فيُقال: (عَرَاهُ أَمْرٌ، إِذَا غَشِيَهُ وَأَصَابَهُ)[9].

ففي هذه العلاقة إذن يغشى الصدأ الماء، ولكن هل يغشاه مباشرةً؟ وهو سؤالٌ بدهيّ، لأنّ الماء في الأصل لا يصدأ، فالصدأ بحسب تعريفه يعلق بالحديد ونحوه من المعادن، وبالتالي فإن الصدأ إنما يغشى الماء من خلال الأوعية المعدنيّة التي يعلوها الصدأ، وبالتالي يغشى الصدأ الماء ويعروه في هذه الأوعية المعدنية، ومن ثمّ يُطرح السؤالُ:

ما حكم الماء المتغيّر بالصّدأ؟

ومن المعلوم أنّ انتشار استخدام الخزانات المعدنية لحفظ المياه، هو ظاهرة معاصرة، وبالتالي فإنّ الأمر يتعلّق بإحدى النوازل الجديدة.

خلاصة تصوير هذه المسألة:

بناءً على الجهد الذي بذلناه من أجل فهم عناصر المسألة، والعلاقة بينها، وإدراك القيود التيي فيها، صار بإمكاننا أن نفهم الإطار العام للموضوع الذي نتحرّك فيه، وصار بإمكاننا أن نصوّره بعباراتٍ دقيقةٍ فنقول:

[تتعلّق هذه المسألة، بإحدى النّوازل العصريّة، التي حدثت بسبب الطريقة التي تُستخدم في وقتنا الرَّاهن لحفظ المياه وتوصيلها، ألا وهي قنواتُ المياه أو مواسير المياه التي تقوم بإمدادها الجهة الحكومية المختصَّة، من أجل توصيل المياه للمشتركين، وكذلك الأوعية الكبيرة التي يلجأ الناس إلى حفظ المياه فيها، كالخزانات وغيرها، لاستخدامها عند انقطاع توصيل المياه، فينتج عن ذلك أنّ الماء سيمكث فترة طويلةً في هذه القناة، أو في ذلك الوعاء، وعندئذٍ يتعرّض في الغالب إلى الصَّدأ، الذي قد تتراكم طبقاتُه على جدران هذه الأوعية، وقد تؤدي إلى تغيير طعم الماء أو لونه أو رائحته، ومن هنا يُطرح السؤال: هل يجوز استخدام هذا الماء، لإزالة النَّجاسة، ورفع الحدث الأصغر أو الأكبر؟].

ختاماً،

تصوير المسائل، جهد يبذله الباحث من أجل فهم المسألة محل البحث، وذلك بتحليلها إلى  المفردات التي تتكوّن منها، ثمّ إدراك العلاقات والقيود بين هذه المفردات، فينبني على ذلك فهمٌ متكاملٌ للمسألة، يجتهد الباحثُ في صياغته صياغةً دقيقةً محكمةً.

المراجع

[1] مقاييس اللغة (5/ 286).

[2] مقاييس اللغة (5/ 286).

[3] لسان العرب (13/ 543).

[4] القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً"، لمؤلفه الدكتور سعدي أبو جيب، دار الفكر. دمشق، سورية، الطبعة: الثانية 1408 هـ = 1988م، تصوير: 1993 م، عن المكتبة الشاملة، جزى الله خيراً القائمين عليها.

[5] القاموس الفقهي (ص: 8).

[6] القاموس الفقهي (ص: 232).

[7] قارن بالقاموس الفقهيّ (ص: 232).

[8] المعجم الوسيط (1/ 509).

[9] مقاييس اللغة (4/ 295).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
أثر الجمع بين الصيام والقيام في تدبُّر القرآن
فإنّ للجمع بين الصّيام والقيام أثراً كبيراً في تدبُّر القرآن، ولكي يتبيّن لنا مبلغ هذا الأثر، نقف بدءاً عند الدّلالة الشّرعيّة لمفهومي الصّيام والقيام، ثمّ نُتبع ذلك بالنظر في العلاقة الجوهرية بينهما، وذلك من خلال الفقرات التالية:
علماء السّلف والصيام وقلّة الطعام
"قلت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟
متى ينبغي أن نعقد نيّة صيام شهر رمضان؟
فلا ريب في أنّ الإخلاص واستحضار النّية، في جميع الأٌقوال والأعمال الظاهرة والخفيّة، هو الأصل الكبير الّذي ينبغي أن تُبنى عليه عبوديّة المسلم لربّه جلّ وعلا، وذلك لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ} [البينة: 5]. وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[1]، وبناءً على هذا الأصل الكبير، اتّفق عامّة الفقهاء (عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ)[2]، ولا ريب أنّ من أرفعِ هذه العباداتِ عبادةَ صوم شهر رمضان.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م