الأسباب العامّة لانفساخ العقود المطلقة 2.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/04/27 الموافق 2018/01/14 - 10:36 ص

 

 الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلقد سبق أن قلنا – في الحلقة الماضية – أنّ هذا البحث يشتمل على أربعة مباحث؛ وقد سبق الكلام بنوع من التَّفصيل عن المبحثين الأوَّلين, وهما: التَّفريق بين مصطلح الفسخ والانفساخ, وبيان أنواع أسباب الانفساخ.

وفي هذه الحلقة نشرع – بعون الله وقوّته – في المبحث الثَّالث الذي هو: بيان أسباب الانفساخ الاختياريّة, وكذلك نأخذ جزءً من المبحث الرَّابع الذي هو: بيان أسباب الانفساخ غير الاختيارية, ونقول:

المبحث الثَّالث: أسباب الانفساخ الاختياريّة.

السَّبب الأوَّل: الفسخ:

والمراد بالفسخ هنا: ما يرفع به حكم العقد بإرادة أحد العاقدين أو كليهما، وهذا يكون في العقود غير اللازمة بطبيعتها، كعقدي العارية والوكالة.

وأمَّا العقود اللازمة فلا يدخلها الفسخ إلاَّ بشروط, منها:

الشَّرط الأوّل: أن يكون فيها أحد الخيارات.

الشرط الثَّاني: وجود الأعذار التي يتعذّر بها استمرار العقد.

الشّرط الثَّالث: فساد المعقود عليه.

السّبب الثَّاني: الإقالة:

والإقالة: هي رفع العقد وإزالته برضى الطرفين، وهي سبب من أسباب الانفساخ الاختيارية، وترد على العقود اللازمة فقط كالبيع والإجارة.

أمّا إذا كان العقد غير لازم كالعارية، أو لازما بطبيعته ولكن فيه أحد الخيارات فلا حاجة فيه للإقالة؛ لجواز فسخه بطريق آخر[1].

المبحث الرَّابع: أسباب الانفساخ غير الاختيارية.

السَّبب الأوَّل: تلف المعقود عليه.

اعلم – رحمك الله وبارك في علمك – أنّه ليس كلّ عقد ينفسخ بتلف المعقود عليه؛ فبعض عقود لا تنفسخ مع تلف المعقود عليه, وبعضها تنفسخ بتلف المعقود عليه؛ ولتمييز التي تنفسخ بتلف المعقود عليه, من التي لا تنفسخ؛ نقول:

العقود نوعان:

النَّوع الأوَّل: العقود الفورية: وهي التي لا يحتاج تنفيذها إلى زمن ممتدّ يشغله باستمرار، بل يتمّ تنفيذها فورا دفعة واحدة في الوقت الذي يختاره العاقدان، كالبيع المطلق والصلح والهبة وغيرها.

هل يؤثِّر تلف المعقود عليه في هذه العقود؟.

نقول: هذا النوع من العقود لا ينفسخ بتلف المعقود عليه إذا تم قبضه. فعقد البيع مثلا يتم بالإيجاب والقبول، وإذا قبض المشتري المبيع وهلك بيده لا ينفسخ العقد؛ لأن الهالك ملك المشتري، والمالك هو الذي يتحمل تبعة الهالك كما هو معروف، وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين الفقهاء[2].

النَّوع الثَّاني: العقود المستمرة: وهي التي يستغرق تنفيذها مدة من الزمن؛ وتمتدّ بامتداد الزمن حسب الشروط المتفق عليها بين الطرفين والتي تقتضيها طبيعة هذه العقود، كالإجارة والإعارة والوكالة وأمثالها.

هل يؤثِّر تلف المعقود عليه في هذه العقود؟.

نقول: هذا النوع من العقود ينفسخ بتلف المعقود عليه، سواء أكان قبل القبض أم بعده، وهذا متفق عليه بين الفقهاء في الجملة.

فمثلاً: عقد الإجارة ينفسخ بهلاك العين المستأجرة؛ فإن تلفت قبل القبض أو عقيب القبض قبل مضي مدة يتمكن المستأجر من الانتفاع بها ينفسخ العقد من أصله ويسقط الأجر. وإن تلفت العين المستأجرة بعد مضي شيء من المدة فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة، دون ما مضى، ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة أو بقدر ما مضى من المدة.

قال الماوردي: فلو انهدمت الدار في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقي, ورد من الأجرة ما قابله، وصحت الإجارة على الصحيح من المذهب فيما مضى، واستقر ملكه من الأجرة على ما قابله[3].

وقال ابن قدامة: وإن تلفت العين في يده انفسخت الإجارة، كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وإن تلفت قبل مضي شيء من المدة فلا أجرة عليه؛ لأنه لم يقبض شيئاً من المعقود عليه، وإن تلفت بعد مضي شيء منها، فعليه من الأجرة بقدر ما استوفى، ويسقط بقدر ما بقي[4].

وقد صرّح الفقهاء في إجارة الدواب: أنها إذا وقعت الإجارة على دواب بعينها لحمل المتاع، فماتت انفسخت الإجارة، بخلاف ما إذا وقعت على دواب لا بعينها وسلم الأجر إليه فماتت لا ينفسخ العقد، وعلى المؤجر أن يأتي بغير ذلك للمستأجر[5].

وجمهور العلماء من الحنفيَّة, والمالكيّة, والشَّافعيَّة في الأصحّ, والحنابلة؛ على أنّه يلحق بهذا النّوع ما يقع على العين المستأجرة فيمنع نفعها بالكلية، كما لو أصبحت الدار المستأجرة غير صالحة للسكنى؛ وذلك لزوال الاسم بفوات السكنى؛ لأن المنفعة المعقود عليها تلفت فانفسخت الإجارة، كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت, أي: مرضت مرضا مزمنا بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى.

قال في الهداية: وإذا خربت الدار أو انقطع شرب الضيعة أو انقطع الماء عن الرحى انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه قد فات، وهي المنافع المخصوصة قبل القبض فشابه فوت المبيع قبل القبض وموت العبد المستأجر[6].

 قال اللخمي: إذا انقطع ماء الرحا ولا ترجى عودته إلا بعد بُعد: فله الفسخ لعدم تسليم المنفعة, أو يرجى على القرب لم يفسخ لقلة الضرر[7].

في المجموع: إذا وجد المستأجر بالعين المستأجرة عيبا جاز له أن يرد، لأن الاجارة كالبيع، فإذا جاز رد المبيع بالعيب جاز رد المستأجر؛ والعيب الذى يرد به ما تنقص به المنفعة كتعثر الظهر في المشي, والعرج الذى يتأخر به عن القافلة, وضعف البصر والجذام والبرص في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والتغير الذى يمتنع به الشرب أو الوضوء, وغير ذلك من العيوب التي تنقص بها المنفعة[8].

قال ابن قدامة: إذا اكترى أرضاً للزرع، فانقطع ماؤها، أو داراً فانهدمت، انفسخ العقد في أحد الوجهين؛ لأنّ المنفعة المقصودة منها تعذرت، فأشبه تلف العبد[9].

وفي الحلقة القادمة نكمل حديثنا – بإذن الله تعالى - عن أسباب الانفساخ غير الاختيارية؛ وإلى ذلك الحين, نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه؛ والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع

 [1]  ينظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة 7/27.

[2]  المصدر السّابق 7/28.

[3]  الحاوي الكبير 3/319.

[4]  الكافي في فقه الإمام أحمد 2/177.

[5]  الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة 7/29.

[6]  الهداية شرح البداية 3/247.

[7]  الذخيرة للقرافي 5/533.

[8]  ينظر: المجموع للنووي 15/73.

[9]  الكافي في فقه الإمام أحمد 2/178.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"واس" تدشن أيقونتين لنقل حج 1439هـ بـ 5 لغات وأخرى لصور الحج
دشنت وكالة الأنباء السعودية "واس" أيقونتين على موقعها الإلكتروني، الأولى خصصتها للبث الإخباري متنوع القوالب بخمس لغات عن تفاصيل حج 1439هـ، وتحركات حجاج بيت الله الحرام، والثانية لبث صور فوتوغرافية احترافية تجسد دلالات المشهد لرحلة الحج العظيمة منذ لحظة وصولهم إلى المملكة عبر منافذها الجوية، والبحرية، والبرية حتى مغادرتهم سالمين بإذن الله.
د.المطلق: يجوز للمعتدة فترة الحداد الخروج لقضاء حوائجها.. بشرط
قال لا يريد الإسلام تعذيب المتوفى عنها زوجها، وإنما إبراء الرحم وإظهار حق الزوج على زوجته ومراعاة شعور أهله
السديس: نقلة نوعية للحرمين الشريفين بعد موسم الحج
أقامت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اللقاء الإعلامي السنوي، والذي يتم فيه استضافة نخبة من الإعلاميين في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وذلك بحضور الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م