ضابط فرض العين وفرض الكفاية.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/04/24 الموافق 2018/01/11 - 09:05 ص

 الحمد لله ربّ العالمين, والعاقبة الطيّبة للمتّقين, ولا عدوان إلا على الظَّالمين, والصَّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, محمّد بن عبد الله الأمين, وعلى آله وصحبه الميامين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين. أمَّا بعد:

أوَّلا: تعريف فرض العين وفرض الكفاية.

أمَّا فرض العين: فهو أمر مهمّ متحتّم, مقصود حصوله, منظور بالذات إلى فاعله؛ حيث قصد حصوله من عين مخصوصة كالمفروض على النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - دون أمته, أو من كلّ عين عين, أيّ واحد واحد من المكلفين.

وأمَّا فرض الكفاية: فهو أيضًا أمر مهمّ متحتّم, مقصود حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله؛ أي: يقصد حصوله في الجملة, فلا ينظر إلى فاعله إلا بالتبع للفعل؛ ذلك أنّ الفعل لا يحصل بدون فاعل؛ سواء كان دينيا كصلاة الجنازة, أو دنيويا كالصنائع المحتاج إليها[1].

ثانيًا: أوجه الشبه والاتفاق بين فرض العين وفرض الكفاية.

تشابه الفرضان في عدّة الوجوه؛ أبينها ما يلي:

الوجه الأوَّل: أنّ كلاًّ من فرض العين وفرض الكفاية واجب؛ متحتّم فعله من حيث الأصل.

الوجه الثَّاني: أن الشّرع رغّب في المبادرة إلى القيام بالفرضين؛ فالحصول عليهما مشروع ومقصد أساسي من المقاصد الشّرعية.

ثالثًا: الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية.

افترق الفرضان في أنّ فرض العين يرتبط فعله وأداؤه بذات الفاعل وعينه؛ وأمّا فرض الكفاية فلا يرتبط فعله وأداؤه بذات الفاعل؛ بل قد يحصل بغيره.

رابعًا: ضابط التمييز بين فرض العين وفرض الكفاية.

قال القرافي – رحمه الله تعالى – في معرض التفريق بينهما: الأفعال قسمان:

القسم الأوّل: ما تتكرّر مصلحته بتكرّره.

القسم الثَّاني: ما لا تتكرّر مصلحته بتكرّره.

فأمَّا الأوّل: وهو الذي تتكرر مصلحته بتكرره؛ فقد شرعه صاحب الشرع على الأعيان تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل كالصلاة؛ فإنّ مصلحتها الخضوع لله تعالى, وتعظيمه, ومناجاته, والتذلل له, والمثول بين يديه, والتفهم لخطابه, والتأدب بآدابه؛ وهذه المصالح تتكرر كلما كررت الصلاة.

وأمَّا الثَّاني: وهو الذي لا تتكرر مصلحته بتكرره؛ فقد جعله صاحب الشرع على الكفاية؛ نفيا للعبث في الأفعال؛ كإنقاذ الغريق إذا شاله إنسان؛ فالنازل بعد ذلك في البحر لا يحصِّل شيئا من المصلحة؛ وكذلك كسوة العريان, وإطعام الجيعان ونحوهما.

فبذلك يتبيّن أنّ ضابط فرض العين: أن تتكرر مصلحته بتكرره, وضابط فرض الكفاية: أن لا تتكرر مصلحته بتكرره[2].

خامسًا: مسائل تتعلق وترتبط بالفرضين ارتباط التحقيق.

المسألة الأولى: أنّ فرض الكفاية والأعيان كما يتصوّران في الواجبات, يتصوران في المندوبات.

فمن الأمثلة على المندوبات التي تتعلّق بالأعيان: الوتر, والفجر, وصيام الأيام الفاضلة, وصلاة العيدين, والطواف في غير النسك, والصدقات.

ومن الأمثلة على المندوبات التي تتعلّق بالكفاية: الآذان, والإقامة, والتّسليم, والتشميت, وما يفعل بالأموات من المندوبات.

المسألة الثَّانية: أنّه يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظنّ الفعل لا وقوعه تحقيقا.

توضيح ذلك: أنّه إذا غلب على ظنّ هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه, وإذا غلب على ظنّ تلك أنّ هذه فعلت سقط عن تلك, وإذا غلب على ظنّ كلّ واحدة منهما فعل الأخرى سقط الفعل عنهما.

فهل فرض الكفاية في الأصل واجب على الجميع ثمّ يسقط عن الباقين بأداء البعض, أم هو في الأصل واجب على البعض دون الكلّ؟ خلاف بين العلماء:

فالذي عليه الجمهور؛ واختاره الكمال بن الهمام في تحريره: هو أنّ الواجب على الكفاية واجب على الكلّ ويسقط بفعل البعض.

ومذهب الإمام الرازي واختاره السبكي أي: صاحب جمع الجوامع؛ أنّه واجب على البعض.

ثمّ اعتُرض على الذين رأوا أنّه واجب على البعض: بأنه أيّ بعض هم؟ إذ لا دليل على أنّه معين.

فقيل: من قام به؛ لسقوطه بفعله.

وقيل: معين عند الله تعالى دون الناس, يسقط الواجب بفعله وبفعل غيره؛ كما يسقط الدين عن المدين بأداء غيره عنه.

والفرق بين المذهبين يظهر عند الشّك في حصول الفعل:

فعلى رأي من قال: أنه على البعض؛ لا يجب عليه عند الشك؛ لأنه يصدق عليه أنه لم يظن أن غيره تركه.

 وعلى رأي من قال: أنه على الكل يجب عليه؛ لأنّه يصدق عليه أنّه لم يظنّ أن غيره فعله[3].

واعتُرض أيضًا على الجمهور فيما ذهبوا إليه؛ وهو وجوب فرض الكفاية في الأصل على الجميع, فقيل: إذا كان الوجوب متقررا على جميع الطوائف فكيف سقط عمن لم يفعل بفعل غيره مع أن فرض الكفاية يقع في الفعل البدني؛ والقاعدة: أن الأفعال البدنية لا يجزئ فيها فعل أحد عن أحد, وهاهنا أجزأ كصلاة الجنازة والجهاد مثلا؛ وكيف سوّى الشرع بين من فعل ومن لم يفعل؟.

أجاب القرافي عن هذا الاعتراض قائلاً:

أن السقوط هنا ليس بنيابة الغير كما ذكره المعترض في القاعدة؛ بل من قاعدة أخرى وهي؛ سقوط الوجوب عن المكلف لعدم حكمة الوجوب, لا لأنّ الغير ناب عن غيره؛ فإذا شال زيد الغريق سقط عن جميع الناس الوجوب؛ لأنّه لو بقي لبقي لغير فائدة وحكمة؛ لأنّ الحكمة حفظ حياة الغريق وقد حصلت, فلم تبق بعد ذلك حكمة يثبت الوجوب لأجلها؛ فهذا هو سبب السقوط عن غير الفاعل؛ لا النيابة والتسوية, فسبب السقوط عن الفاعل فعله, وعن غير الفاعل المعنى المذكور.

 وأمّا التسوية بين الفاعل وغير الفاعل فما ذلك إلا في معنى السقوط؛ لا في الثواب, بل الفاعل يثاب, وغير الفاعل لا ثواب له على فعل الغير البتة, نعم إن كان نوى الفعل فله ثواب نيته[4].

المسألة الثّالثة: أنّ من قواعد فروض الكفاية المعتبرة؛ هو أنّ الشّارع فيها ينقلب فرضًا متحتِّمًا عليه؛ فاللاحق بالمجاهدين, وقد كان سقط الفرض عنه, يقع فعله فرضا؛ بعدما لم يكن واجبا عليه, وكذلك من لحق بمجهز الأموات من الأحياء, وبالسّاعين في تحصيل العلم من الطلاب فإن ذلك الطالب يقع فعله واجبا؛ وعلل ذلك بأن مصلحة الوجوب لم تحصل بعد وما وقعت إلا بفعل الجميع, فوجب أن يكون فعل الجميع واجبا؛ لأن الواجب يتبع المصالح, ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم[5].

فإن قيل: هذا يتناقض مع حدّ الواجب, فالمعلوم أنّ اللاحق بالمجاهدين أو غيرهم كان له الترك إجماعا؛ من غير ذمّ, ولا لوم, ولا استحقاق عقاب, ومع ذلك فقد وصفتم فعله بالوجوب؛ فقد اجتمع الوجوب, وعدم الذم على تركه, وذلك يناقض حدود الواجب كلها.

أجاب القرافي عن هذا الاعتراض قائلاً:

الوجوب في هذه الصور مشروط بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين؛ والقاعدة تقول: الوجوب المشروط بشرط ينتفي عند انتفاء ذلك الشرط؛ فإذا كان منفردا عنهم يكون شرط الوجوب مفقودا, فيذهب الوجوب, ولا عجب أن يكون الوجوب مشروطا بشرط الاتصال, ومفقودا عند الانفصال؛ كما تقول لزيد: إن اتصلت بعصمة امرأتك أو بقرابة وجبت عليك النفقة, وإن انفصلت منها لا تجب النفقة, فإن عاودتها وجبت, وإن فارقتها سقطت, كذلك أيضا هاهنا؛ متى اجتمع مع القوم الخارجين للجهاد تقرر الوجوب, فإذا أراد أن يفارقهم قلنا لك ذلك, فإذا فارقهم بطل الوجوب, كذلك أبدا فاندفع السؤال, فتأمل ذلك, فالسؤال جيد, والجواب جيد إن شاء الله تعالى[6].

المسألة الرّابعة: قول بعضهم أنّ مقتضى ضابط قاعدة فرض الكفاية وقاعدة فرض الأعيان؛ أن لا تكون صلاة الجنازة فرض كفاية, وأن تشرع إعادتها؛ لأن مصلحتها المغفرة للميت ولم تحصل بالقطع.

أجاب القرافي عن هذا القول قائلاً:

إنّ مصلحة صلاة الجنازة؛ إمّا أن تكون المغفرة ظنّا أو قطعا, والثاني باطل – وهو كونها مغفرة قطعًا – لتعذره, فتعين الأوّل - وهو كونها مغفرة ظنًّا - وقد حصلت المغفرة ظنا بالطائفة الأولى؛ فإنّ الدعاء مظنة الإجابة, فاندرجت صلاة الجنازة في فروض الكفاية, وامتنعت الإعادة؛ لحصول المصلحة التي هي معتمد الوجوب كما قاله: مالك, ولم تبق إلا مصلحة تكثير الدعاء؛ وهي مصلحة ندبية[7].

المراجع

[1]  تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية؛ وهو حاشية الشيخ محمد بن علي بن حسين مفتى المالكية بمكة المكرمة, ينظر حاشيته على فروق القرافي 1/127.

[2]  ينظر: الفروق 1/116.

[3]  ينظر: حاشية الشيخ محمد بن علي بن حسين على الفروق 1/1/130.

[4]  الفروق 1/117.

[5]  المصدر السَّابق.

[6]  المصدر السَّابق.

[7]  ينظر: المصدر السَّابق.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
علماء يمنيون: المؤامرات على المملكة تستهدف مكانتها بالمنطقة والعالم
حذر علماء اليمن من الحملات الممنهجة ضد المملكة العربية السعودية بهدف الإساءة إليها والنيل منها، مؤكدين أنها حملات مضللة اعتمدت الأكاذيب والأخبار الملفقة، كي تنال من دور المملكة المحوري وثقلها الدولي وسمعتها العالمية التي تحظى بها.
الثبيتي: حفظ أمن الحرمين وصد السهام المغرضة عن المملكة واجب شرعي
قال إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي، في خطبة الجمعة، إن المملكة العربية السعودية قوية البنان راسخة في الوجدان.
"التعاون الإسلامي" تدعو لصياغة صكوك قانونية لمواجهة "الإسلاموفوبيا"
دعت منظمة التعاون الإسلامي إلى صياغة صكوك قانونية ملزمة دوليا للتصدي للظواهر الجديدة للإسلاموفوبيا في العالم.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م