الفروق بين التشريع الإسلامي والقانون الوضعي.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/03/19 الموافق 2017/12/07 - 09:21 ص

 

الحمد لله ربّ العالمين, والعاقبة الطّيّبة للمتّقين, ولا عدوان إلا على الظَّالمين الباغين, والصَّلاة والسّلام على البشير النّذير, والسّراج المنير, وعلى آله وصحبه الأخيار, والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أمَّا بعد:

فلقد سبق أن عرَّفنا التشريع الإسلامي بأنّه: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة, في شعبها المختلفة؛ لتنظيم علاقة الناس بخالقهم, وعلاقاتهم بعضهم ببعض, وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة[1].

وعرَّفنا القانون الوضعي بأنّه: مجموعة القواعد, والمبادئ, والأنظمة التي يضعها أهل الرأي أو السلطان في أمة من الأمم؛ لتنظيم شؤون الحياة الاجتماعية, والاقتصادية؛ استجابة لمتطلبات الجماعة؛ وسدًّا لحاجاتها[2].

كما سبق أن بيّنا بأنّ لفظ التّشريع لا يطلق إلا على التشريع السّماوي؛ وهو شرع الله على العباد؛ فاطلاقه على القانون الوضعي غير سائغ؛ وقد سبق تناول هذا بالبيان.

وفي هذه الحلقة: نذكر الفروق بين التشريع الإسلامي السماوي والقانون الوضعي؛ فنقول:

أوّلا: لا وجه للمماثلة بين تشريع ربّ العالمين, والقوانين البشرية؛ فالتّشريع السماوي قطعيّ؛ منزّه عن النّقص منه, والزيادة عليه, فالقصد عند ذكر الفروق بين التشريع السماوي والقانون الوضعي؛ هو بيان كمال تشريع ربّ العالمين, ونقص النظم البشرية.

قال صاحب التشريع الجنائي: ونستطيع بعد أن استعرضنا نشأة القانون ونشأة الشريعة أن نقول بحق: إن الشريعة لا تماثل القانون ولا تساويه، ولا يصح أن تقاس به، وإن طبيعة الشريعة تختلف تماماً عن طبيعة القانون، ولو كانت طبيعة الشريعة من طبيعة القانون الوضعي لما جاءت على الشكل الذي جاءت به، وعلى الوصف الذي أسلفنا، ولوجب أن تأتي شريعة أولية ثم تأخذ طريق القانون في التطور مع الجماعة، وما كان يمكن أن تأتي بالنظريات الحديثة التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا أخيراً، بل ما كان يمكن أن تصل إلى مثل هذه النظريات إلا بعد أن تعرفها القوانين وبعد مرور آلاف من السنين[3].

ثانيًا: الفروق بين التشريع الإسلامي والقانون الوضعي:

الفرق الأوّل: أن القانون الوضعي من صنع البشر، أمّا الشريعة فمن عند الله، وكلٌّ من الشريعة والقانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه:

فالقانون من صنع البشر, ويتمثل فيه نقص البشر, وعجزهم, وضعفهم, وقلة حيلتهم, ومن ثمَّ كان القانون عرضة للتغيير والتبديل، أو ما نسميه التطور، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة, أو وجدت حالات لم تكن منتظرة, فالقانون ناقص دائماً, ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال؛ ما دام صانعه لا يمكن أن يوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يحيط بما سيكون وإن استطاع الإلمام بما كان.

أما الشريعة: فصانعها هو رب العالمين، وتتمثل قدرة الخالق وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وما هو كائن؛ ومن ثمَّ صاغها العليم الخبير بحيث تحيط بكل شيء في الحال والاستقبال؛ حيث أحاط علمه بكل شيء، وأمر جلّ شأنه أن لا تغير ولا تبدل حيث قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ}[4]؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل؛ مهما تغيرت الأوطان والأزمان وتطور الإنسان.

الفرق الثاني: أن القانون عبارة عن قواعد مؤقتة تضعها الجماعة؛ لتنظيم شئونها وسد حاجاتها, فهي قواعد متأخرة عن الجماعة، أو هي في مستوى الجماعة اليوم، ومتخلفة عن الجماعة غداً؛ لأن القوانين لا تتغير بسرعة تطور الجماعة، وهي قواعد مؤقتة تتفق مع حال الجماعة المؤقتة، وتستوجب التغير كلما تغيرت حال الجماعة.

أما الشريعة فقواعد وضعها الله تعالى على سبيل الدوام لتنظيم شئون الجماعة، فالشريعة تتفق مع القانون في أن كليهما وضع لتنظيم الجماعة, ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أن قواعدها دائمة, ولا تقبل التغيير والتبديل.

ولذلك اتصفت قواعد الشريعة بمميزات عديدة منها:

الأولى: كانت قواعد الشريعة ونصوصها متصفة بالمرونة والعموم؛ بحيث تتسع لحاجات الجماعة مهما طالت الأزمان، وتطورت الجماعة، وتعددت الحاجات وتنوعت.

الثانية: كانت قواعد الشريعة ونصوصها متصفة بالسمو والارتفاع؛ بحيث لا يمكن أن تتأخر في وقت أو عصر ما عن مستوى الجماعة[5].

الفرق الثالث: أنّ واضعي القوانين الوضعيّة خاضعون للأهواء والنزعات، وتتغلب عليهم العواطف البشرية، فيقعون تحت تأثير هذه العوامل التي تحيد بهم عن تقدير الحق، والقيام على شئون الحياة بالقسط، ومهما ارتقى الناس في سلم المعرفة، فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا حقائق الأمور، وأن يحيطوا بها خبرًا، وبهذا تكون القوانين الوضعية عرضة للتغيير والتبديل، ولا يكون لها مقياس ثابت لحكم، فما هو حلالٌ اليوم قد يصير حرامًا غدًا، وبذلك تختلف موازين الحياة ومقاييس الخير والشر، وتتلون بتلون الإنسان وتحوُّل ميوله وعواطفه، فتظل الحياة الإنسانية في اضطراب دائم، كما نشاهده اليوم في حياة الأمم التي تحكم بغير ما أنزل الله                      .

والشريعة وحي إلهي منزه عن ذلك كله، فهي تنزيل الحكيم العليم، الذي يعلم أحوال عباده، وما يصلح لهم في معاشهم ومعادهم، وما يحقق لهم الخير في دنياهم وأخراهم {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[6]، وهو سبحانه منزه عما يعتري الخلق من القصور والنقص {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى}[7][8].

الفرق الرابع: أنّ القانون الوضعي لا يتناول سوى المعاملات المدنية، في الشئون الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم عليها سلطة الدولة إذا استثنينا ما يتصل بالعلاقات الدولية، ولا يمت بصلة إلى عقيدة التوحيد ومقتضياتها.              

والشريعة الإسلامية تتناول الإيمان بالله ورسله وعالم الغيب، وصلة العبد بربه، وسلوكه الأخلاقي، وأنظمة الحياة المختلفة في شتى مرافقها[9].

الفرق الخامس: القوانين الوضعية تهمل المسائل الأخلاقية، وتقصر المخالفة على ما فيه ضرر مباشر بالأفراد، أو إخلال بالأمن والنظام العام، وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السكر لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سكر بيِّن، فالعقاب على وجوده في حالة سكر في الطريق العام؛ لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مضر بالصحة، مذهب للعقل، متلف للمال، مفسد للأخلاق                         .

والشريعة الإسلامية شريعة أخلاقية، وليست الأخلاق في الإسلام أدبا يجمل صاحبه، ولكنها التزامات من واجبات الدين.

والأخلاق في الإسلام غاية تربوية للعبادات، والتزام أدبي في المعاملات، يجعل حياة الناس قائمة على المعروف والحسنى، وقد حث الإسلام على أمهات الفضائل الإنسانية, ودعا إلى المثل العليا، وأثنى على مكارم الأخلاق، وقال الله في نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم}[10].

الفرق السادس: تفقد القوانين الوضعية سلطتها على النفس البشرية؛ لأن سلطة العقوبة وحدها لا تكفي في ردع المجرم، ولذا فإن واضعي القانون يعملون على ترضية الجماهير وإقناعها بصلاحية النظم التي وضعوها حتي يمتثلوها، ولكن الناس يدركون أن لا سلطة للقوانين الوضعية إلا إذا وقع المرء تحت طائلة المخالفة، وضبط متلبسا بجريمته؛ إذ لا علاقة لها بالحياة الآخرة، فيكون المجال فسيحًا للخروج على القانون بوسائل الحيلة والدهاء. فلا يقف دون وصول الناس إلى أغراضهم السيئة من فساد في الأرض قانون مهما كان دقيقًا.

والشريعة الإسلامية تنبثق من فكرة الحلال والحرام، والإيمان بالدار الآخرة، وتربي الضمير الإنساني؛ ليكون رقيبا على المسلم في السر والعلن، يخشى عقاب الله الأخروي أكثر من خشيته للعقاب الدنيوي، فالفعل التعبدي، أو المدني أو الجنائي، أو الدستوري، أو الدولي، له أثره المترتب عليه في الدنيا من أداء الواجب، أو إفادة الحل والملك، أو إنشاء الحق أو زواله، أو توقيع العقوبة، أو ترتيب المسئولية، ولكن هذا الفعل الذي يترتب عليه أثره في الدنيا له أثر آخر مترتب عليه في الآخرة هو المثوبة أوالعقوبة الأخروية، ومن يتتبع آيات الأحكام يجد كثيرا منها قد رتب عليها جزاءان: جزاء دنيوي, وجزاء أخروي                                .

ففي القتل يقول تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمً}[11].

وفي قطع الطريق أو الحرابة يقول تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم}[12]                 .    

وفي إشاعة الفاحشة ورمي المحصنات يقول جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}[13][14].

الفرق السابع: أن الشرائع السماوية أديان يتعبد بها؛ فامتثالها طاعة يثاب لأجلها, ومخالفتها معصية يعاقب عليها, فالأصل في الجزاء فيها أخروي, وإن تقررت فيها عقوبات مقدرة, أو غير مقدرة؛ مما يوكل إلى أولي الأمر أن يقوموا بتنفيذه؛ ردعًا للنفوس الجامحة, التي لا يثنيها عن الغيّ إلا أن ترى العذاب رأي العين. أما القوانين الوضعية فالجزاء فيها دنيوي مادي؛ تقوم على تنفيذه السلطات التنفيذية والقضائيّة[15].

وفي الحلقة القادمة: نتكلّم – بإذن الله تعالى –  عن حكم سنّ القوانين الوضعية؛ وجعلها دستورًا يرجع إليه؛ بدلاً من تشريع ربّ العالمين.

المراجع

[1]  تاريخ التشريع الإسلامي, تأليف سعد الراشد ص: 13-14.

[2]  المصدر السابق ص: 12.

[3]  التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي 1/17.

[4]  سورة يونس: 64].

[5]  ينظر: التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي 1/17-19.

[6]  سورة الملك: 14}.

[7]  سورة طه: 52}.

[8]  ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي, تأليف مناع القطان ص: 19-20.

[9]  المصدر السابق.

[10]  سورة القلم: 4}.

[11]  سورة النساء: 93}.

[12]  سورة المائدة: 33}.

[13]  سورة النور: 20}.

[14]  ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي, تأليف مناع القطان ص: 21-23.

[15]  تاريخ الفقه الإسلامي ص: 11-12.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
منع التصوير في الحرمين الشريفين
ذكرت صحيفة “عكاظ” أن الجهات المعنية منعت التصوير في الحرمين الشريفين تعظيما لشعائر الله، واحتراما لمشاعر الحجاج والمعتمرين والزوار.
المؤسسة الخيرية للعناية بمساجد الطرق تشارك في ملتقى ألوان السعودية 2017
شاركت المؤسسة الخيرية للعناية بمساجد الطرق بجناح تعريفي بملتقى ألوان السعودية في دورته السادسة المقام في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات .
شيخ الأزهر: كل دعاوى الصهاينة في أحقيتهم للقدس باطلة
فند الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، دعاوى الصهاينة بأحقيتهم في المدينة المقدسة، قائلاً إن التاريخ يكذب هذه المزاعم التي يذيعها اليهود في إعلامهم وأدبياتهم.
ضابط التَّعامل مع المسائل الفقهيَّة.
فالمتأمّل لمصطلحات الفقهاء الفقهية يدرك أنّهم يقولون عقب بعض المسائل الفقهيَّة الخلافيَّة: الأمر في المسألة واسع, أو ما أشبه ذلك؛ فنرى أنّ كثيرًا من الناس يسيئون فهم هذه المصطلحات والألفاظ العلميَّة؛ ظانِّين جواز تتبُّع خلافات الفقهاء في المسائل الفقهيّة, واختيار الرأي الأقرب إلى ما تميل إليهم أنفسهم, أو وافق ما هم عليه من الأمور المختلف فيها؛ ولو كان ذلك الرأي واضح البطلان, عريًّا من الأدلة النّقليّة والعقليَّة الصحيحة والصريحة.
تعليق طلاق الأجنبيَّات على شرط التّزوّج.
فإنّه لا خلاف بين العلماء في الأمور التالية:
الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظيَّة والحقيقة الزمانية.
فإنّ معرفة الفرق بين التَّرتيب بالأدوات اللفظيّة والحقيقة الزمانيّة مهمّ جدًّا؛ والاخلال في التّمييز بين الأمرين ينتج الاخلال والاختلاط بين المسائل الفقهيّة المتشابهة صورة؛ والمختلفة حقيقةً.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م