أسباب الإرث المتَّفق عليها.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/02/25 الموافق 2017/11/14 - 09:44 ص

 

الحمد لله الحكيم العليم, تولّى قسمة المواريث بنفسه, وأعطى كلّ وارث حقّه بالعدل والإحسان, والصّلاة والسلام على رسولنا الأمين, بلّغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فإنّ أسباب الإرث نوعان: نوع اتَّفق الفقهاء على اعتباره وقبوله, ونوع اختلف الفقهاء فيه, فاعتبره من أسباب الإرث بعضهم, وردّه الآخرون.

ونحن الآن مع النّوع الأوّل؛ الذي هو الأسباب المجمع عليها؛ فنقول: اتّفق الفقهاء اتِّفاقا مجملاً على أنّ أسباب الإرث المجمع عليها ثلاثة:

السبب الأوَّل: النِّكاح.

السّبب الثَّاني: الولاء.

السَّبب الثَّالث: القرابة.

قال صاحب الرّحبيّة:

أسباب ميراث الورى ثلاثة   ***    كل يفيد ربه الوراثة

وهي نكاح وولاء ونسب *** ما بعدهن للمواريث سبب.

قوله: ما بعدهن للمواريث سبب؛ يخرَّج هذا القول على أنّ مذهبه عدم اعتبار غير هذه الأسباب الثلاثة من أسباب الإرث؛ وكيفما كان الأمر, فهناك ثمّة أسباب اختلف العلماء في اعتبارها من أسباب الإرث؛ وسيكون الكلام عنها - إن شاء الله تعالى - في غير هذا المقام.

فنتحدّث في هذا الصّدد عن السبب الأول من هذه الأسباب؛ وهو النّكاح, فعلى هذا يشتمل بحثنا على المباحث التَّالية:

المبحث الأوَّل: تعريف السبب لغة واصطلاحًا.

المبحث الثَّاني: تعريف النّكاح في اصطلاح الفرضيين؛ وجوانب الإرث به.

المبحث الثَّالث: أنواع المطلّقات من حيث إرثهن بالنكاح. فنتناول فيما يلي هذه المباحث الثلاثة, ونقول:

المبحث الأوَّل: تعريف السبب لغة واصطلاحًا.

السَّبب لغة: هو ما يتوصل به إلى غيره؛ سواء كان حسيًّا كالحبل؛ ومن ذلك قوله تعالى: {فليمدد بسبب إلى السَّماء}[1]؛ أو معنويَّا كالعلم؛ لأنّه من أسباب الخير, ومن ذلك قوله تعالى: {وآتيناه من كلّ شيء سببًا}[2] حيث فسّره بعض أهل العلم بالعلم[3].

السبب اصطلاحًا: هو ما جعل الشَّارع الحكيم وجوده علامةً على وجود الحكم الشرعيّ, وعدمه علامة على عدم الحكم الشرعي.

واشتهر تعريفه عند الفرضيّين ب: ما يلزم من وجود الوجود, ومن عدمه العدم لذاته[4].

محترزات التَّعريف:

قوله: ما يلزم من وجود الوجود؛ يخرج به الشَّرط؛ لأنّ الشرط لا يلزم من وجوده وجود, ولا عدم.

وقوله: ومن عدمه العدم: يخرج به المانع؛ لأنّه يلزم من وجوده العدم, ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.

وقوله: لذاته؛ يرجع إلى شقي التَّعريف؛ بمعنى: أنّه يلزم من وجود السبب الوجود لذاته, ويلزم من عدم وجود السبب العدم لذاته.

المبحث الثَّاني: تعريف النّكاح في اصطلاح الفرضيين؛ وجوانب الإرث به.

النكاح: هو عقد الزوجية الصحيح، وان لم يحصل بينهما اجتماع[5].

يورث بالنكاح من جانب الزوج والزوج؛ فيرث به الزوج النّصف عند عدم الفرع الوارث؛ ويرث به الرّبع عند وجود الفرع الوارث.

كما ترث به الزوجة الرّبع؛ عند عدم الفرع الوارث, وترث به الثّمن عند وجود الفرع الوارث.

والأصل في الإرث بالنّكاح قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الرّبع ممّا تركن من بعد وصيّة يوصين بها أو دين ولهنّ الرّبع ممّا تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهنّ الثّمن ممّا تركتم من بعد وصيّة توصون بها أو دين}[6].

المبحث الثَّالث: أنواع المطلّقات من حيث إرثهن بالنكاح.

سبق أن بينا أنّه لا خلاف بين العلماء في أنّ النّكاح سبب من أسباب الإرث؛ لكن إذا حصل طلاق بين الزوجين؛ فلا يخلوا إمَّا أن يكون طلاقًا بائنًا, أو رجعيًّا.

ثمّ لا يخلوا الطّلاق البائن من حالتين:

إحداهما: إمَّا أن يوقعه المطِّلق في حال الصّحة.

والثانية: وإمَّا أن يكون وقوعه في حال مرض المطلّق مرض الموت.

ثمّ إن أوقعه المطلِّق في مرض الموت؛ فلا يخلوا الأمر أيضًا من حالتين:

إحداهما؛ أن يكون المطلّق غير متّهم بقصد حرمان المطلَّقة من الميراث.

والثَّانية: أن يكون متّهمًا بقصد حرمانها من الميراث.

فلمَّا كان الحكم بالإرث من عدمه يختلف باختلاف هذه الأحوال والهيئات؛ ناسب أن نصنِّف المطلَّقات إلى خمسة أصناف:

الصّنف الأوَّل: المطلَّقة الرّجعيّة. وهي ترث باتّفاق أهل العلم؛ ما دامت في العدّة, سواءً حصل طلاقها في حال صحّة المطلّق, أو في مرضه.

الصّنف الثَّاني: المطلَّقة البائن التي حصل طلاقها في حال صحّة المطلّق. فهذه لا ترث باتّفاق أهل العلم؛ لأنّ سبب إرثها – الذي هو النّكاح – قد حُلَّ حلاًّ كاملاً؛ فإذا عدم السبب عدم المسبّب.

الصّنف الثَّالث: المطلَّقة البائن التي حصل طلاقها في حال مرض المطلّق مرضًا غير مخوف. فهذه لا ترث باتّفاق أهل العلم.

الصِّنف الرَّابع: المطلَّقة البائن التي حصل طلاقها في حال مرض المطلّق مرضًا مخوفا؛ وهو غير متهم بقصد حرمانها من الميراث. فهذه لا ترث أيضًا باتّفاق أهل العلم.

الصّنف الخامس: المطلَّقة البائن التي حصل طلاقها في حال مرض المطلّق مرضًا مخوفا؛ والمطلِّق متَّهم بقصد حرمانها من الميراث. فهذه الّتي اختلف الفقهاء في إرثها على أربعة أقوال:

القول الأوَّل: لا ترث مطلقًا. وهذا مذهب الشّافعيَّة, وداود الظَّاهري[7].

الأدلة:

الدليل الأوّل: أن عبد الله بن الزبير قال: لا ترث مبتوتة[8].

الدليل الثَّاني: ولأنها فرقة تمنع من الميراث في حال الصحة فوجب أن تمنع من الميراث في حال المرض كاللعان[9].

الدليل الثالث: ولأن كل طلاق يمنع من ميراث الزوج منع من ميراث الزوجة كالطلاق في الصحة[10].

الدليل الرابع: ولأن استحقاق الميراث فرع على ثبوت العقد، فلما ارتفع العقد بطلاق المريض كان سقوط الميراث أولى[11].

القول الثَّاني: أن لها الميراث ما لم تنقض عدتها فإن انقضت فلا ميراث لها. وهو مذهب الحنفيّة, وقول عند الشَّافعيّة[12].

الأدلة:

الدليل الأوَّل: ما أخرجه الشافعي في المسند, والبغوي في شرح السنة؛ من طريق ابن أبي مليكة، أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق المرأة فيبتها، ثم يموت وهي في عدتها، فقال عبد الله بن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية، فبتها، ثم مات وهي في عدتها، فورثها عثمان، قال ابن الزبير: وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة[13].

الدليل الثاني: أنّ العدّة بعض أحكام الزوجيّة, فترث في العدّة تشبيهًا بالرّجعيّة.

القول الثَّالث: أن لها الميراث ما لم تتزوج وإن انقضت عدتها فإن تزوجت فلا ميراث لها. وهذا مذهب الحنابلة.

القول الرابع: أن لها الميراث أبدا؛ وإن تزوجت. وهذا مذهب المالكيَّة.

أدلة القول الثَّالث والرّابع:

الدليل الأوَّل: الأثر السابق؛ الذي استدل به الحنفيّة؛ حيث لم يرد لفظ: « وهي في عدتها» في بعض الروايات؛ ومن ذلك: ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بالإسناد السابق؛ أنّ ابن أبي مليكة قال: سألت ابن الزبير، عن رجل طلق امرأته وهو مريض ثم مات، فقال: «قد ورث عثمان ابنة أصبغ الكلبية، وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة»[14].

الدليل الثَّاني: ولأنه لما كان المريض ممنوعا من التصرف فيما زاد على الثلث؛ لما فيه من إضرار الوارث, فكان أولى أن يكون ممنوعا من إسقاط الوارث.

الدليل الثالث: ولأن التهمة في الميراث تهمتان؛ تهمة في استحقاقه, وتهمة في إسقاطه, فلما كانت التهمة في استحقاقه؛ وهي تهمة القاتل رافعة لاستحقاقه الميراث, وجب أن تكون التهمة في إسقاطه بالطلاق رافعة لإسقاط الميراث[15].

الدليل الرابع: ولأنّ سبب طلاقها فراره من توريثها؛ فكان في توريثها معاملته نقيض قصده الفاسد.

المراجع

[1]  سورة الحج: 15.

[2]  سورة الكهف: 48.

[3]  التحقيقات المرضية في المباحث الفرضيَّة ص: 37.

[4]  الفرائض لعبد الكريم اللاحم ص: 16, التحقيقات المرضية في المباحث الفرضيَّة ص: 37, فقه النكاح والفرائض ص: 289.

[5]  تلخيص فقة الفرائض لابن العثيمين ص: 7, التحقيقات المرضية في المباحث الفرضيَّة ص: 38.

[6]  سورة النساء: 12.

[7]  الحاوي الكبير 8/150.

[8]  أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 4/171.

[9]  الحاوي الكبير 8/150.

[10]  المصدر السّابق.

[11]  المصدر السّابق.

[12]  الحاوي الكبير 8/149.

[13]  مسند الشافعي ص: 294, شرح السنة للبغوي 8/373.

[14]  المصنف 4/171.

[15]  الحاوي الكبير 8/150.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
السديس: الأخوة الإسلامية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء
وقال معاليه: معاشر المسلمين: عاشت الأمة الإسلامية خلال أيام موسماً عظيماً وعيدًا سعيدًا كريماً، فها هو شهر الصيام وموسم العيد السعيد قد مَرَّ كلمحة بَرْق أو غمضة عَيْن, ولقد جاءت الشريعة بالأخوة والاعتصام، والتحذير من الفُرقة والانقسام، فالأخوة الإسلامية مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء وليس لأحد من أبناء الأمة أن يَشُقَّ عَصَاه، من أجل أهواءٍ شخصية أو أطماعٍ دُنيوية، أو تعصباتٍ حِزْبية، بل الأوجب الاعتصام بالجماعة، وحُسْنَ السمع للإمام والطاعة ويبرز ذلك في فُشُوِّ ظواهر خطيرة لها أثارها البالغة في توسيع هُوَّةِ الخلاف في الأمة وتقطيع جسدها الواحد إلى أوصال متناثرة وأشلاء متنافرة.
اتحاد جامعات العالم الإسلامي يشارك في المؤتمر الدولي حول الوسطية
يشارك اتحاد جامعات العالم الإسلامي في المؤتمر الدولي حول الوسطية والاعتدال، الذي سيعقد في مدينة بغداد خلال الفترة من 25 إلى 27 يونيو 2018.
أكثر من ملیون زائر من معتمري الخارج يودعون المدينة المنورة
بدأ زوار المدينة من المعتمرين القادمين من خارج المملكة في العودة لبلادهم عبر منفذ مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة المنورة، بعد أن قضوا أیاماً روحانیة في رحاب المسجد النبوي الشريف، خلال شھر رمضان المبارك 1439هـ ، وذلك بعد أن استقبلت المملكة منذ بدء موسم العمرة لهذا العام نحو سبعة ملايين معتمر ، قدموا من جميع أنحاء العالم.
الوقف على المؤسّسات الخيريّة العصريّة الغير مُسلِمة (1).
فإنّنا في العصر الرّاهن نرى أنّ اهتمام الكفَّار بالدّعم في المؤسّسات الخيريّة لا يقلّ عن اهتمام المسلمين بالأوقاف الشّرعيّة الخيرية؛ وهذه المؤسّسات الخيرية - كما هو معلوم - منها ما تخدم الهدف الظَّاهر من نشاطها فحسب؛ بمعنى أنّها لا تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات, ومن هذه المؤسّسات ما تخدم أهدافا أخرى غير مباشرة من خلال نشاطها؛ بمعنى أنّها تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات, كأن تظهر للناس أنها مؤسَّسة أنشأت لتقديم الخدمات الاجتماعيّة, أو الصحيّة, أو السّياسيّة للنّاس؛ وهدفها الحقيقي المبطّن الدعوة إلى أديانها, أو الغزو الفكري لشعوب أخرى, أو العمل على سيادة ثقافتها في العالم, أو غير ذلك من الأهداف المبطنة المخالفة للأهداف المعلنة المظهرة, وإذا كان الأمر هكذا, فما حكم مشاركة المسلمين هذه المؤسّسات بالوقف عليها؟.
آراء الفقهاء في الحيض الزائد عن العادة.
فإنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الدّم الزّائد على أكثر الحيض استحاضة؛ غير أنّهم مختلفون في أكثر أيّام الحيض على أقوال كثيرة؛ أشهرها قولان:
المقاصد المرعية في تحريم النظّر إلى الأجنبيَّات.
فإنّ في تقديم المولى عزّ وجلّ غضّ البصر على حفظ الفرج من الفواحش والرذائل في قوله تبارك وتعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}[1] سرًّا ومقصدًا عظيمًا؛ لا يتفطّن إليه إلاَّ العالِمون, ولا يدركه إلا الموفَّقون؛ فالله جلّ في علاه قدّم غضّ البصر على حفظ الفرج؛ ليعلّمنا أن العين مرآة القلب, فإذا غضّ العبد بصره سكَّن القلب شهوته وإرادته, وإذا أطلق بصره على الفواحش والمنكرات, حرّض القلب شهوته وإرادته عليها؛ فغضُّ البصر وسيلة عظيمة لحفظ الفرج؛ وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب؛ ولذلك بدء بغض البصر وقدّمه.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م