حكم إبطاء وانكفاء الإمام في الرّكوع انتظارًا للمأموم الدَّاخل.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/02/13 الموافق 2017/11/02 - 09:41 ص

 

الحمد لله ربّ العالمين, وليّ الصَّالحين المتّقين, والصّلاة والسّلام على خير الأنبياء والمرسلين, محمّد بن عبد الله الأمين, وعلى آله وصحبه أولي البرّ والإحسان, والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. وبعد:

فإنّ هذه المسألة – تريُّث الإمام وتلكُّؤه في الرّكوع انتظارًا للمأموم الداخل – من المسائل التي يستغربها النَّاس؛ العوام منهم, وبعض من ينتسب إلى طلب العلم؛ ذلك لخفاء حكمها الفقهي عليهم؛ وربما يصل الأمر – من بعض الجهلة – إلى تبديع الإمام الذي يواظب على ذلك في بعض الأحيان؛ ولينكشف الغطاء عن هذه المسألة؛ أحببنا أن نتحدّث عنها؛ ونذكر ما فيها من وفاق وخلاف بين أهل العلم؛ وفي ذلك نقول تحريرًا لمحلّ النزاع في المسألة:

لا خلاف بين أعلام الدّين, وفقهاء الأمة في حرمة ذلك؛ إذا ترتّب على ذلك إضرارٌ بالمأمومين الذين كانوا معه؛ مستدلّين على هذا الوفاق بما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان معاذ يصلي مع النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم  ثمّ يأتي فيؤم قومه، فصلّى ليلة مع النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم – العشاء, ثمّ أتى قومه فأمّهم؛ فافتتح بسورة البقرة, فانحرف رجل فسلّم؛ ثمّ صلّى وحده, وانصرف؛ فقالوا له: أنافقت يا فلان؟!!، قال: لا. والله لآتين رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم – فلأخبرنّه, فأتى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: يا رسول الله، إنّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار, وإن معاذا صلّى معك العشاء، ثمّ أتى فافتتح بسورة البقرة, فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - على معاذ فقال: «يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا»[1].

وفي لفظ للبخاري: قال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم: «يا معاذ، أفتان أنت» أو «أفاتن» - ثلاث مرار: «فلولا صلّيت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلّي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة»[2].

واختلف الفقهاء في حكم ذلك إذا لم يترتّب على ذلك الضرر والمشقّة بمن خلفه من المأمومين على ثلاثة أقوال:

القول الأوَّل: لا يجوز الانتظار مطلقًا. وهذا هو المذهب عند الحنفيّة[3], والشَّافعيَّة[4].

قال الإمام القدوري الحنفي: سئل أبو حنيفة عن الإمام إذا سمع خفق النعال وهو راكع، أينتظر أصحابه؟، قال: لا يفعل، فإن فعل فصلاته فاسدة، وأخشى عليه[5].

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أحسّ الإمام برجل وهو راكع لم ينتظره؛ ولتكن صلاته خالصة لله تعالى[6].

الأدلة:

الدليل الأوَّل: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أنه انتهى إلى النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: «زادك الله حرصا ولا تعد»[7]. قالوا: فلو كان من عادة النبي - صلّى الله عليه وسلّم - انتظار الداخل؛ لم يسبق بالتكبير ويكثر المشي في الصلاة، ولكان النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - يعلّمه أنّ ذلك لا يحتاج إليه، فلما قال له: «زادك الله حرصا ولا تعد» دلّ ذلك على أنّه لا ينتظره[8].

الدليل الثاني: ولأنّ من حكم الصّلاة أن يفعل خالصا لله تعالى، ومتى طول الركوع ليدركه الداخل فقد أشرك مع الله غيره [9].

قال الإمام الماوردي: ولم يرد به الإشراك الذي هو الكفر، كما وَهم بعض أصحابنا وأفتى بشركه وإباحة دمه، فأخرجه عن الملة بوهمه، ولم يفهم معنى قوله: «فقد أشرك»!! وكيف يكون مشركا بالانتظار؟!! وقد استحبّه له كثير من الفقهاء[10].

الدليل الثالث: ولأنّه يسقط حقّ الحاضرين بالتّطويل عليهم ليستدرك حقّ الداخل، وهذا لا يجوز، أصله: إذا طوّل لتكثير اجتماع الناس، ولا خلاف أنّهم لو اجتمعوا في المسجد كره للإمام تأخير الصلاة انتظارا لبعض الجماعة؛ لما في ذلك من إسقاط حق الحاضرين، وهذا المعنى موجود إذا انتظر في الصلاة[11].

الدليل الرَّابع: ولأنه ركن من أركان الصلاة فلا ينتظر الداخل، كالقيام والسجود[12].

القول الثَّاني: يجوز ذلك إذا لم يشق على من خلفه. وهذا قول عند الشافعية[13],  والمذهب عند الحنابلة[14].

قال ابن قدامة في المغني: إذا أحسّ بداخل وهو في الركوع، يريد الصلاة معه، وكانت الجماعة كثيرة، كره انتظاره؛ لأنّه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، وإن كانت الجماعة يسيرة، وكان انتظاره يشقّ عليهم كره أيضا؛ لأن الذين معه أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق عليهم لنفعه، وإن لم يشق لكونه يسيرا، فقد قال أحمد: ينتظره ما لم يشق على من خلفه[15].

الأدلة:

الدّليل الأوّل: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صلّى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء»[16]. فإذا جاز التخفيف لمصلحة الذين معه من المأمومين؛ جاز الانتظار اليسير لمصلحة الداخل المتأخر.

الدليل الثاني: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي قتادة، عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه»[17].

وفي لفظ للبخاري؛ من حديث أنس بن مالك، يقول: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتمّ من النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - وإن كان ليسمع بكاء الصّبي، فيخفف مخافة أن تفتن أمه»[18].

قال الخطابي في معالم السنن: فيه دليل على أن الإمام وهو راكع؛ إذا أحسّ برجل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعا؛ ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة؛ لحاجة الإنسان في بعض أمور الدّنيا, كان له أن يزيد فيها؛ لعبادة الله؛ بل هو أحقّ بذلك وأولى[19].

الدليل الثالث: ما أخرجه النسائي في سننه بسند صحيح؛ من حديث عبد الله بن شداد، عن أبيه شداد قال: خرج علينا رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في إحدى صلاتي العشاء؛ وهو حامل حسنا أو حسينا، فتقدّم رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - فوضعه، ثم ّكبر للصّلاة فصلّى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصّبيّ على ظهر رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلمّا قضى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم – الصّلاة, قال النّاس: يا رسول الله، إنّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنّه قد حدث أمر أو أنّه يوحى إليك، قال: «كلّ ذلك لم يكن, ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته»[20].

الدليل الرابع: ما أخرجه الإمام أحمد في المسند بسند ضعيف؛ من حديث عبد الله بن أبي أوفى، «أنّ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم»[21]. قالوا: فإذا جاز إطالة القيام, جاز إطالة الركوع؛ ولا فرق.

الدليل الخامس: قال ابن قدامة: ولأنه انتظار ينفع ولا يشق فشرع، كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة[22].

الدليل السابع: ولأن الانتظار في الأصل ثابت؛ لأنّه شرع في صلاة الخوف لتدرك الطائفة الثانية الركعة[23].

القول الثَّالث: يكره الانتظار في الرّكوع إلا بشرطين:

الشرط الأوَّل: أن يخشى الإمام ضرر الداخل إذا لم يطل في الركوع.

الشرط الثّاني: أن يخشى الإمام فساد صلاة الداخل؛ لاعتداده بالركعة التي لم يدرك ركوعها معه. وهذا هو المذهب عند السادة المالكيّة[24].

قال الدردير المالكي: يكره للإمام أن يطيل الركوع لأجل داخل معه في الصلاة لإدراك الركعة إن لم يخش ضرر الداخل إذا لم يطل, أو فساد صلاته؛ لاعتداده بالركعة التي لم يدرك ركوعها معه, وأما الفذ فله أن يطيل للداخل[25].

الأدلة:

الدليل الأوَّل: لأن حقوق من وراءه من المأمومين أعظم من حقّ الداخل المتأخر.

الدليل الثَّاني: ولأنّ في الانتظار صرف نفوس المأمومين إلى انتظار الداخل؛ فيذهب بذلك إقبالهم على صلاتهم وأدبهم مع ربهم[26].

الترجيح: يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان القول الثاني القائل بجواز ذلك؛ وذلك لما يلي:

الأوَّل: قوَّة الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول وصراحتها في المسألة التي كنَّا بصددها.

الثَّاني: أنّ ذلك من باب التَّعاون على البرّ والتّقوى؛ وذلك محمود شرعًا وعقلاً؛ قال الله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[27].

ولكن يشترط لذلك الجواز ثلاثة شروط:

الشرط الأوَّل: أن يكون المسبوق داخل المسجد حين الانتظار.

الشرط الثاني: أن لا يفحش طول الانتظار.

الشرط الثالث: أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى لا التودد إلى الداخل وتمييزه.

وفي ذلك يقول الإمام النووي في المجموع: والصحيح استحباب الانتظار مطلقا بشروط أن يكون المسبوق داخل المسجد حين الانتظار وألا يفحش طول الانتظار وأن يقصد به التقرب إلى الله تعالى لا التودد إلى الداخل وتمييزه وهذا معنى قولهم لا يميز بين داخل وداخل[28].

المراجع

[1]  صحيح مسلم 1/339 برقم 465.

[2]  صحيح البخاري 1/142 برقم 705.

[3]  التجريد للقدوري 2/837.

[4]  الحاوي الكبير 2/320.

[5]  التجريد للقدوري 2/837.

[6]  الحاوي الكبير 2/320.

[7]  صحيح البخاري 1/156 برقم 783.

[8]  التجريد للقدوري 2/837.

[9]  التجريد 2/838, الحاوي الكبير 2/320.

[10]  الحاوي الكبير 2/320.

[11]  التجريد للقدوري 2/838.

[12]  المصدر السابق.

[13]  الحاوي الكبير 2/320.

[14]  المغني 2/173.

[15]  المغني 2/173.

[16]  صحيح البخاري 1/142 برقم 703, صحيح مسلم 1/341 برقم 467.

[17]  صحيح البخاري 1/143 برقم 707, صحيح مسلم 1/343 برقم 470.

[18]  صحيح البخاري 1/143 برقم 708.

[19]  معالم السنن للخطابي 1/201.

[20]  سنن النسائي 2/229 برقم 1141.

[21]  مسند الإمام أحمد 31/484 برقم 19146.

[22]  المغني 2/173.

[23]  المغني 2/174.

[24]  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/323, شرح الزُّرقاني على مختصر خليل 2/11.

[25]  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/323.

[26]  شرح الزُّرقاني على مختصر خليل 2/11.

[27]  سورة المائدة: 2.

[28]  المجموع للنووي 4/230.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
العفو الدولية: مسلمو الروهيتجا يتعرضون للفصل العنصري من حكومة ميانمار
ذكرت منظمة العفو الدولية "امنستي إنترناشونال" أن مسلمي الروهينجا في ميانمار، تعرضوا -على مدار وقت طويل- لتميز، يرقى إلى حد الفصل العنصري.
علي جمعة: مدد يا رسول الله أو يا حسين لا تكفر صاحبها
أجاب علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية السابق، عن سؤال هل كلمة مدد التي يذكرها المحبون والصوفية ...
أ. د. الفنيسان: أشد الناس ندماً المضيّعون لأوقاتهم ولو دخلوا الجنة
حذر فضيلة الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض سابقا، من خطورة تضييع الأوقات، مشيرًا أن المسلم سيسأل عنها يوم القيامة، قائلا في تدوينة له على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إن أشد الناس ندماً المضيّعون لأوقاتهم، ولو دخلوا الجنة، فبين الدرجة والدرجة قراءة آية( إقرأ وارتق) وبين الدرجتين بالعلو مسيرة خمسمائة عام.!!
أصول ديَّات النَّفس عند الأئمَّة الأربعة.
فإنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الإبل أصل في الدّية؛ وأنّ الواجب في نفس الحر المسلم مائة إبل؛ وذلك للأدلة التَّالية:
التَّساؤل عن الفرق بين القرض والرّبا؛ وجوابه.
فلما ثبت - بإجماع أهل العلم – جواز القرض, وثبت أيضًا تحريم الرِّبا بنوعيه؛ الفضل, والنسيئة؛ قد يستشكل البعض وجه الفرق بين القرض, وربا النّسيئة؛ فيتساءل قائلاً: كيف يسوغ القول بجواز دفع دراهم أو دنانير ونحوهما إلى الغير قرضًا إلى أجل؛ ويحرم بيع درهم أو دينار ناجز بمثله الغائب؟ مع أنّ الصورتين متقاربتان جدًّا, إن لم تكونا متّحدتين.
حكم أخذ المصرف الأجر مقابل خدمات القروض.
فإنّ ممّا لا خلاف فيه بين العلماء هو أنّ القرض من عقود الإرفاق؛ وأن اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرض باطل, ومفسد لعقد القرض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م