أليس ثمّة منهجٌ شرعيٌّ للبحث العلميّ؟
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1439/01/29 الموافق 2017/10/19 - 04:53 م

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتّبع هداه،

أما بعد،

فهذه رسالةٌ قد بلغت إلينا من طالب علمٍ ذكيٍّ وباحثٍ مجتهد، يقول فيها:

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد، أشكركم لجهودكم عبر نافذتي استشارات الباحثين ومنهج البحث، وأريد عبر هذه الرسالة أن أتساءل في حضرتكم تساؤلاً تولد في نفسي شيئاً فشيئاً من خلال عملي في إعداد كلٍّ من رسالتي الماجستير والدكتوراة، وقد فرغت من الأولى بحمد الله، وهأنذا الآن على وشك الفراغ من الأخرى، وكان ممّا يسّره الله لي، أن قيّض لي مشرفاً على رسالة الماجستير مربّياً فاضلاً، ومعلّماً متخصصاً في هذه المادة، ومحِبٌّ لها، وقد استطاع هذا المعلم أن يقرّر في صدور تلاميذه محبّة البحث العلميّ، وأنّ ميدان منهج البحث، هو ميدانٌ لممارسة فضيلتي التفكر والتدبر، ومحرابٌ للعبوديّة، وكثيرا ما كان يقول لنا: إنّ منهج البحث غايتُه تحقيق معنى قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36].

عقواً للإطالة، ولكن أقول باختصار، لقد تولد في نفسي شيئاً فشيئاً التساؤل حول منهج البحث الشرعيّ، الذي يتحرّك في ظلال هذه الآية الكريمة، ويشبع حاجات الباحثين والعلماء، علماً بأني ألحظ أنّ مراجع مادة مناهج البحث، جلُّها مراجع غربيّة أو مترجمة أو تسير في ركابها على أيّة حال، فالسؤال بعبارةٍ أخرى: أليس هناك منهج شرعيٌّ للبحث العلمي؟

وجزاكم الله خيراً،

نقول: وأنت فجزاك الله خيرًا على هذه الرسالة الوضيئة، التي تطرح إشكاليّةً عميقةً، انتبه إلى وجودها بعض الباحثين المعاصرين، ولم يشعر بها كثيرون.

ولا نملك في هذه العجالة إلا أن نخط خطوطاً عريضةً، نرسم بها إطاراً عامّاً للمشكلة وحلّها، فنقول:

أولاً/ يُفترض أن يكون علمُ أصول الفقه، هو القاعدة الأساسيّة لمنهج البحث الشرعيّ، بالنظر إلى طبيعة نشأته، والغاية المرسومة له، فهو علم الأصول التي يُبنى عليها الفقه، ولكن من المعلوم أنّ هذا العلم، اكتنفته واختلطت به بعض قضايا علم المنطق.

ثانياً/ لمّا يزل الخلاف محتدماً حول شرعيّة علم المنطق، ما بين مستمسكٍ به من العلماء، ومحذّر منه. ويبدو لي أن هذه الإشكالية التي  واجهها العلماء، ما تزال تُخيّم على المشهد. والذي نراه أنّه لا بدّ من استصحاب مبادئ المنطق، بعد تصفيته من المسائل الجدليّة والسفسطيّة، وتأطيره ضمن الرؤية العقديّة الشرعيّة.

ثالثاً/ توجد محاولات معاصرة، لإعادة بناء علم أصول الفقه، استناداً إلى مذهب أهل السنة والجماعة، من أبرزها وأسبقها الدراسة التي أعدّها الدكتور محمد بن حسين الجيزاني، تحت عنوان: "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة"، غير انّها لم تواجه  الإشكاليّة المشار إليها في (ثانياً) أعلاه، بل عمد الباحث إلى حذف المباحث المنطقيّة، وإعادة ترتيب المباحث ذات الأصل الشرعيّ، من دونما تأصيلٍ كافٍ، يستصحب طبيعة نشأة علم أصول الفقه، والسياق التاريخي الذي نشأ فيه.

رابعاً/ بيد أنّ هناك مجهوداً مقدّراً بذله الشيخ فريد الأنصاريّ، من أجل بناء علم أصول الفقه، استناداً إلى الضوابط الشرعيّة، غير أنّ مجتمع الأصوليّين لمّا يتفاعل بعدُ مع هذه الرؤية.

خامساً/ هناك كذلك جهد لافت للنظر، يتمثل في المدخل المقاصدي لعلم الشريعة، والذي صار محل اهتمام كثيرٍ من الباحثين.

سادساً/ هناك مدخل عقديّ أخلاقيٌّ شرعيٌّ، ينبغي تطويره ليكون إطاراً لمنهج البحث العلمي الشرعيّ، ذلك أن النصوص الشرعية وإن كانت تحُثُّ على البحث والنظر والتفكر، لكنّها كذلك تؤكد أنّ الحقيقة في أيّ مجالٍ  من مجالات العلم، حقيقةٌ فطريّة، في المقام الأول، ولا تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ لإدراكها، وذلك خاصّة فيما يتعلق بالقيم وحقائق الحياة الكبرى، وعلى رأسها مبدأ الإيمان بالله، فالمدخل العقديّ الأخلاقيّ الشرعيُّ، هو القاعدة التي ينبغي أن يُبنى عليها منهج البحث العلميّ في الإسلام.

سابعاً/ لا ينبغي أن نتّخذ من الجهود العلمية المعاصرة، في ميدان مناهج البحث موقفاً سلبيّاً، فثمة دلائل كثير ة تُشير إلى أنّ منهج البحث العلمي المعاصر، هو ثمرة لجهود علميّة دؤوبة، ثبتت مصداقيّتها فيما أدت إليه من ثمرةٍ تتمثل في هذه التقنيات الرقمية الهائلة التي تنعم البشرية بما يسّرته من تيسيراتٍ وحققته من إنجازات وطموحات، بيد أنّها تحتاج إلى إعادة توجيهها نحو  اتجاه القِبلة.

هذه بعض المحاور والإشارات التي قد يكون التأمل فيها، سبباً لإدراك سبب العجز عن التواضع على منهجٍ شرعيٍّ للبحث العلميّ، بين الباحثين والأصوليين المسلمين.

وبالعودة إلى السؤال الجوهري الذي طرحه السائل، أي قوله:  أليس ثمّة منهجٌ شرعيٌّ للبحث العلميّ؟

فالجواب: بلى ثمّة منهجٌ شرعيٌّ للبحث العلميّ، بيد أنّه مكنونٌ في خضم النصوص الشرعيّة،  وفي سياق النشأة التاريخية لعلم أصول الفقه، لكنّه يحتاج إلى استخراج قضاياه، ونسج شبكة مفاهيمه من نوعين من الحقائق: حقائق شرعيّةٍ (تُستنبط من جملة الدلالات الشرعية الأصولية والمنهجيّة)، وأخرى واقعيّة (تُستخرج من سياق نشأة مناهج البحث)، فعند ازدواج هذين القطبين من الحقائق (فقه الشرع، وفقه الواقع) ، تتشكل الرؤية الشرعية لمنهج البحث العلميّ.

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
البحوث الإسلامية يحذر من فعل شائع وصفه رسول الله بالخيانة الكبرى
قال مجمع البحوث الإسلامية، إنه فيما ورد عن رسول الله– صلى الله عليه وسلم-، إن هناك فعلا شائعا بين الكثير من الناس، وصفه النبي– صلى الله عليه وسلم- بأنه خيانة كبرى.
السويد.. متطرفون يحرضون على حرق مساجد
طبعت مجموعة من العنصريين في السويد، أمس الأحد، عبارات عنصرية على قمصان، تحرض على إحراق المساجد.
السجن لثلاثة أشخاص خططوا لتفجير مسجد في كانساس الأمريكية
أصدر قاضٍ فدرالي أمريكي أحكاما بالسجن على 3 أشخاص، لإدانتهم بالتخطيط لتفجير مسجد في ولاية كانساس عام 2016.
أثر الجمع بين الصيام والقيام في تدبُّر القرآن
فإنّ للجمع بين الصّيام والقيام أثراً كبيراً في تدبُّر القرآن، ولكي يتبيّن لنا مبلغ هذا الأثر، نقف بدءاً عند الدّلالة الشّرعيّة لمفهومي الصّيام والقيام، ثمّ نُتبع ذلك بالنظر في العلاقة الجوهرية بينهما، وذلك من خلال الفقرات التالية:
علماء السّلف والصيام وقلّة الطعام
"قلت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟
متى ينبغي أن نعقد نيّة صيام شهر رمضان؟
فلا ريب في أنّ الإخلاص واستحضار النّية، في جميع الأٌقوال والأعمال الظاهرة والخفيّة، هو الأصل الكبير الّذي ينبغي أن تُبنى عليه عبوديّة المسلم لربّه جلّ وعلا، وذلك لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ} [البينة: 5]. وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[1]، وبناءً على هذا الأصل الكبير، اتّفق عامّة الفقهاء (عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ)[2]، ولا ريب أنّ من أرفعِ هذه العباداتِ عبادةَ صوم شهر رمضان.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م