أنواع وسائل الإثبات.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1438/12/16 الموافق 2017/09/07 - 08:41 ص

الحمد لله, والصَّلاة والسَّلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه, ومن والآه. أمَّا بعد:

فلقد أسلفنا في البحث السَّابق ما يتعلَّق بتعريف وسائل الإثبات لغة واصطلاحًا, وذكرنا أنّ الأصل في توثيق الحقوق وإثباتها بالوسائل المعتبرة في شريعتنا الخالدة, هو الكتاب, والسّنة, والإجماع, والقياس.

كما تطرَّقنا إلى بيان أهميّة الاعتناء بدراسة ومعرفة هذه الوسائل والطَّرق؛ ليعلم جميع أطراف الخصوم ما لهم من الحقوق, وما عليهم من الواجبات.

وفي هذا البحث نعرض جملةً من الوسائل والطرق المشهورة لدى أرباب القضاء لإثبات الحقوق وادّعائها.

وقبل أن نشرع في عرض هذه الوسائل, نشير إلى أنّ العلماء متّفقون على اعتبار ثلاث وسائل من الوسائل والطرق المعتبرة لإثبات الحقوق؛ وهذه الوسائل الثلاث هي: اليمين, والإقرار, والشهادة.

وزاد بعضهم على تلك الوسائل الثلاث: النُّكول؛ وهو الامتناع عن اليمين, والقَسَامة.

قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا على وجوب الحكم بالبينة مع يمين المشهود له وبالاقرار الذي لا يتصل به استثناء أو ما يبطله إذا كان في مجلس القاضي ولم يكن تقدمه انكار عنده.[1]

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: اتفق الفقهاء على أن الإقرار والشهادة واليمين والنكول والقسامة - على تفصيل في الكيفية أو الأثر - حجج شرعية يعتمد عليها القاضي في قضائه، ويعول عليها في حكمه[2].

واختلف العلماء – بعد اتِّفاقهم على هذه الطرق – في طرق ووسائل الإثبات؛ هل هي مقيَّدة ومقصورة على تلك الطرق والوسائل الثلاث, أو الخمس المشار إليها, أم أن وسائل الاثبات مطلقة؛ بحيث يثبت الحقُّ بكلّ ما يدلّ عليه؟!

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأوَّل: أن وسائل الإثبات محصورة في طرق معيَّنة يتقيَّد بها الخصوم؛ فلا يقبل منهم غيرها, ويتقيد بها القاضي فلا يحكم إلا بناءً عليها, وإن كانوا مختلفين في حصرها؛ فذهب بعضهم إلى أنها ثلاث, وذهب بعضهم إلى أنَّها أربع, وقيل: خمس, وقيل غير ذلك[3].

الأدلة:

الدليل الأوّل: أنّ النّصوص الشرعيَّة وردت في البيِّنة, والشهادة, واليمين, والإقرار؛ فوجب الوقوف عند ما جاءت به النّصوص, وأما الطرق الأخرى فلم تثبتها النصوص الشرعية, وقد قال الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي[4].

ونناقش هذا الاستدلال: بأن كون النصوص الشرعيَّة عدَّت البيِّنة من طرق الإثبات دليلٌ على أنّها غير محصورة؛ لأنّ البيِّنة أعمّ من الشهادة, واليمين, والإقرار؛ فهي كلّ ما يبيِّن الحق ويثبته, والله تعالى أعلم.

الدليل الثاني: أنه لو فتح باب الأدلة, ولم يتقيَّد بطائفة معيَّنة تطمئن إليها نفوس النَّاس, لأدى ذلك إلى ضياع أرواح النَّاس وأموالهم وإتلافها, ولفتح الباب أمام أصحاب الدعاوى الباطلة الذين يتلاعبون بالحقوق, وينصبون على أموال الناس[5].

ونناقش هذا الاستدلال: بأنّ هذا الذي ذكروه وارد عليهم لا لهم؛ لأنّ حصر وسائل الإثبات في طرق معيَّنة؛ هو الذي يترتَّب عليه ضياع حقوق النَّاس وأموالهم؛ لأنّ لازم ذلك أن تثبت الحقوق إلا بتلك الطرق؛ والذين أثبتوا غير ما ذكروه من الطرق, وضعوا لتلك الطرق شروط وضوابط؛ تحصن تلك الطرق من عبث العابثين, وتلاعب المجرمين.

القول الثَّاني: أن وسائل الإثبات ليست محصورة بعدد معيَّن يتقيّد به الخصوم والقاضي. وممَّن قال بهذا: شيخ الإسلام ابن تيمية, وتلميذه ابن القيم[6].

قال ابن القيم: فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة, فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له[7].

الأدلة:

الدليل الأول: قال الله تعالى: يأيّها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق فتبيَّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين[8]. وجه الدلالة: أنّ الله أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان[9].

الدليل الثَّاني: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما, من حديث وائل بن حجر، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية - وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان - قال: «بينتك» قال: ليس لي بينة، قال: «يمينه» قال: إذن يذهب بها، قال: «ليس لك إلا ذاك»، قال: فلما قام ليحلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع أرضا ظالما، لقي الله وهو عليه غضبان»[10]. الشاهد: قوله بينتك أو يمينه.

وجه الدلالة: أنّ على المدعي أن يبيّن ما يصحِّح دعواه؛ ليُحكم له, والشاهدان من البيِّنة, ولا ريب أنّ غيرها من أنواع البيّنة قد يكون أقوى منها[11].

التَّرجيح: بعد عرض ما في المسألة من الأقوال, وأدلة كل فريق, تبيَّن أنّ الراجح – والعلم عند الله – قبول كلّ ما يثبت الحقّ؛ عند توفِّر الشروط والضوابط المشترط توفّرها في ذلك المثبت.

قال ابن القيم: فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة, فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له[12].

وإنّ من مؤيِّدات هذا الترجيح: ما أخرجه البخاري في صحيحه, من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء, الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة»[13].

وبعد ذكر الخلاف في تحديد وتقصير وسائل الإثبات في طرق معيَّنة, وترجيح القول بأنّها غير محدودة ومقيَّدة بطرق معيَّنة, نعرض ونذكر فيما يلي اثنين من تلك الوسائل والطرق, ونضيف الباقي – إن شاء الله تعالى – في البحوث القادمة:

الطريق الأوَّل: الشهادة.

أوَّلاً: تعريف الشهادة لغة: قال ابن فارس: الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه. من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام. يقال شهد يشهد شهادة. والمشهد: محضر الناس[14].

ثانيًا: تعريف الشهادة اصطلاحا: عرَّفها الموصلي الحنفي بأنّها: الإخبار عن أمر حضره الشهود وشاهدوه، إما معاينة كالأفعال نحو القتل والزنا، أو سماعا كالعقود والإقرارات[15].

وعرَّفها الجرجاني بأنها: إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر[16].

ثالثًا: الأصل في اعتبارها من وسائل الإثبات: الكتاب, والسّنة, والمعقول.

أمّا الكتاب: فمنه قوله تعالى: لولا جاؤو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون[17]. وقال تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله[18].

وأمَّا السّنة: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما, أنّ النَّبي – صلّى الله عليه وسلّم – قال: «شاهداك أو يمينه»[19].

وأمَّا المعقول: لأن فيها إحياء حقوق الناس، وصون العقود عن التجاحد، وحفظ الأموال على أربابها[20].

الطريق الثَّاني: الإقرار.

أوَّلاً: تعريف الإقرار لغة: الاعتراف بالشيء[21].

ثانيًا: تعريف الإقرار اصطلاحًا: إخبار عن حق سابق على المخبر[22].

وقيل: إخبارٌ بحقٍّ لآخر عليه[23].

ثالثًا: الأصل في اعتباره من وسائل الإثبات, الكتاب, والسّنة, والإجماع, والمعقول.

أمَّا الكتاب: فمنه قول الله تعالى: بل الإنسان على نفسه بصيرة[24]. وجه الدلالة: أن الإنسان شهيد على نفسه, عالم بما فعله, حجة بينة عليها, مما يدل على قبول إقرار المرء على نفسه؛ لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة معه, حيث إن العاقل لا يكذب على نفسه, وإقرار المرء على نفسه من أقوى وسائل الإثبات الشرعية المعتبرة[25]. وقال تعالى: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا}[26], وقال تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم}[27].

وأمَّا السّنة: أنّ النَّبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام رجم ماعزًا بإقراره؛ وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما, من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت» قال: لا يا رسول الله، قال: «أنكتها». لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه[28].

وأمَّا الإجماع: قال ابن قدامة: أجمعت الأمة على صحة الإقرار وقبوله[29].

وأمَّا المعقول: لأن الإقرار إخبار على وجه ينفي عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها، ولهذا كان آكد من الشهادة[30].

المراجع

[1]  مراتب الإجماع 50.

[2]  الموسوعة الفقهية الكويتية 1/223.

[3]  الخبرة الطبية وأثرها في الاثبات 1/45.

[4]  سورة المائدة, الآية 3.

[5]  الخبرة الطبية وأثرها في الاثبات 1/46.

[6]  الطرق الحكمية 13.

[7]  المصدر السَّابق.

[8]  سورة الحجرات 6.

[9]  الطرق الحكمية 91.

[10]  صحيح البخاري 8/137 برقم 6677, صحيح مسلم 1/124 برقم 139.

[11]  الخبرة الطبية وأثرها في الاثبات 1/48.

[12]  المصدر السَّابق.

[13]  صحيح البخاري 3/169 برقم 2641.

[14]  معجم مقاييس اللغة, مادة: شهد 3/221.

[15]  الاختيار لتعليل المختار 2/139.

[16]  التعريفات 129.

[17]  سورة النور 13

[18]  سورة الطلاق 2.

[19]  صحيح البخاري 3/143 برقم 2515, صحيح مسلم 1/123 برقم 138.

[20]  الاختيار لتعليل المختار 2/139.

[21]  تهذيب اللغة 8/227.

[22]  نهاية المحتاج 5/64.

[23]  التعريفات 33.

[24]  سورة القيامة 14.

[25]  الخبرة الطبيَّة وأثرها في الإثبات 1/38.

[26]  سورة آل عمران 81.

[27]  سورة التوبة 102.

[28]  صحيح البخاري 8/167 برقم 6824, صحيح مسلم 3/1319 برقم 1692.

[29]  المغني 5/109.

[30]  المصدر السَّابق.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
العفو الدولية: مسلمو الروهيتجا يتعرضون للفصل العنصري من حكومة ميانمار
ذكرت منظمة العفو الدولية "امنستي إنترناشونال" أن مسلمي الروهينجا في ميانمار، تعرضوا -على مدار وقت طويل- لتميز، يرقى إلى حد الفصل العنصري.
علي جمعة: مدد يا رسول الله أو يا حسين لا تكفر صاحبها
أجاب علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية السابق، عن سؤال هل كلمة مدد التي يذكرها المحبون والصوفية ...
أ. د. الفنيسان: أشد الناس ندماً المضيّعون لأوقاتهم ولو دخلوا الجنة
حذر فضيلة الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض سابقا، من خطورة تضييع الأوقات، مشيرًا أن المسلم سيسأل عنها يوم القيامة، قائلا في تدوينة له على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إن أشد الناس ندماً المضيّعون لأوقاتهم، ولو دخلوا الجنة، فبين الدرجة والدرجة قراءة آية( إقرأ وارتق) وبين الدرجتين بالعلو مسيرة خمسمائة عام.!!
أصول ديَّات النَّفس عند الأئمَّة الأربعة.
فإنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الإبل أصل في الدّية؛ وأنّ الواجب في نفس الحر المسلم مائة إبل؛ وذلك للأدلة التَّالية:
التَّساؤل عن الفرق بين القرض والرّبا؛ وجوابه.
فلما ثبت - بإجماع أهل العلم – جواز القرض, وثبت أيضًا تحريم الرِّبا بنوعيه؛ الفضل, والنسيئة؛ قد يستشكل البعض وجه الفرق بين القرض, وربا النّسيئة؛ فيتساءل قائلاً: كيف يسوغ القول بجواز دفع دراهم أو دنانير ونحوهما إلى الغير قرضًا إلى أجل؛ ويحرم بيع درهم أو دينار ناجز بمثله الغائب؟ مع أنّ الصورتين متقاربتان جدًّا, إن لم تكونا متّحدتين.
حكم أخذ المصرف الأجر مقابل خدمات القروض.
فإنّ ممّا لا خلاف فيه بين العلماء هو أنّ القرض من عقود الإرفاق؛ وأن اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرض باطل, ومفسد لعقد القرض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م