حكم استخدام الطاقة النووية
|
الملتقى الفقهي - عماد عنان
أضيف فى 1438/07/20 الموافق 2017/04/17 - 08:42 ص

حكم إنتاج واستخدام الطاقة النووية، من المسائل العصرية التي تطرق إليها العلماء والباحثون بالدراسة والتأصيل، نظرًا لما تشتمل عليه من مخاطر وفوائد في نفس الوقت، وقد أجمع الفقهاء على مشروعية الطاقة النووية المستخدمة في الأغراض السلمية النافعة للبشر، وفق عدد من الضوابط الشرعية.

أما بخصوص الحكم الشرعي لإنتاج الطاقة النووية المستخدمة في الأغراض غير السلمية التي تهدد السلم والأمن الدولي، فضلا عن استخدامها في الاعتداء على الآخرين، فهذا ما أراد الأستاذ الدكتور عبد الحليم منصور، وكيل كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وأستاذ الفقه، أن يلقي الضوء عليه، من خلال مقاله المعنون بـ " الطاقة النووية في ميزان الفقه الإسلامي".

منصور أشار في مقاله إلى أن هذا النوع من الطاقة الذي يستخدم بهدف الإضرار بالبشر أيًا كان المبرر يحرم إنتاجه، وكذا يحرم على الدول استخدامه مثلما حدث في هيروشيما ونجازاكي في القرن الماضي، وذلك من خلال عدد من الأدلة التي نتوصل من خلالها إلى إبراز الحكم الشرعي في هذه المسألة، من خلال محورين اثنين.

أولا: تجريم الاعتداء على النفس

فهذا الاستخدام الخاطئ للطاقة النووية يؤدي إلى الاعتداء على النفوس الإنسانية، وإزهاق الأرواح بغير سبب، وكل ما كان كذلك فسبيله التحريم لا محالة ، والأدلة على ذلك:

(أ) من الكتاب ما يأتي :

1 ـ قوله تعالى } وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً{(الإسراء" 33 )، وقوله أيضا: }مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ { (المائدة:32 )

وجه الدلالة : أفادت هذه الآيات السابقة بمجموعها حرمة التعدي على النفس الإنسانية بالقتل ونحوه ، وقد توعد الحق سبحانه وتعالى مرتكب هذه الجناية بالعذاب الأليم في نار جهنم . ومن ثم فإن استخدام الطاقة النووية لقتل النفوس البشرية يكون داخلا في نطاق الآيات سالفة الذكر .

(ب) ـ من السنة بما يلي : ما روي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه " لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا" (مسلم)، كذلك ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى" (مسلم).

وجه الدلالة : دلت هذه الأحاديث بمجموعها دلالة واضحة على حرمة الاعتداء على النفس الإنسانية بالقتل ونحوه ، لما لها من حرمة عظيمة عند الخالق جل وعلا . وليس هناك شيء أضر على البشرية من الأسلحة النووية الفتاكة ، التي تلحق الدمار الشامل بالإنسان ، والحيوان ، وتؤدي إلى الخراب والدمار ، على النحو الذي حدث في هيروشيما ونجازاكي.

ثانيًا: الإضرار بالبيئة وإفسادها:

المحور الثاني الذي تطرق إليه وكيل كلية الشريعة بجامعة الأزهر لإثبات تحريم استخدام الطاقة النووية في الأغراض غير السلمية، يتعلق بكون أن الاستخدام السيء للطاقة النووية فضلا عن كونه مفضيا إلى إزهاق النفوس ، فإنه أيضا يؤدي إلى الإضرار بالإنسانية ، وإيذاء البشر ، وكل ما كان كذلك فسبيله التحريم .

وقد استدل على ذلك من خلال بعض الأدلة منها: قوله تعالى :} وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{ (الأحزاب:58 )، وقوله عليه الصلاة والسلام :" لا ضرر ولا ضرار " (الترمذي).

وأضاف أن الحفاظ على صحة الإنسان وحياته والتي هي أحد مقاصد الإسلام، تقتضي أنَّ كل تصرف سلبي في البيئة يؤثر سلباً على صحة الإنسان غير مقبول شرعاً؛ لأنه يتنافى ومقاصد الشريعة ، كما أن هذا الاستخدام السيء يعد نوعا من الإفساد في الأرض ، وكل ما كان كذلك فسبيله التحريم لا محالة . وقد دل على تحريم الإفساد في الأرض قوله تعالى :" وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ " (البقرة:205 ).

وأختتم منصور مقاله بالتأكيد على حرص الإسلام على الحفاظ على البيئة من التلوث والإتلاف والإضرار، ملفتًا النظر إلى أن المتأمل في أحكام الشريعة يجد أن كثيراً منها إنما شرع لتحقيق مقصد حفظ البيئة الطبيعية حتى لا تعمل فيها يد الإنسان بتصرفات تخل بنظامها، أو تعطل مقدراتها على أن تكون صالحة للحياة منمية لها، أو تربك توازنها الذي تقوم عليه عناصرها المختلفة، وقد جاءت تلك الأحكام متضافرة كلها على منع الإنسان من ذلك، وأمره بان يبقى على الطبيعة صالحة كما خلقها الله، وأن يمارس عليها مهمة الخلافة على ذلك الوجه من الصلاح.

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
د الخثلان: القسطرة والتحاميل لا تفسد الصيام في رمضان
قال الدكتور سعد الخثلان، رئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية ، والأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إن القسطرة التي تكون عن طريق الذكر، عندما يصاب الإنسان بانحسار البول، وتضخم بروستات، ليست بمفسدة للصيام؛ فليست من المنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، وليست بطعام، ولا شراب، ولا في معنى الطعام ولا الشراب، والأصل هو صحة الصيام .
رئيس وزراء ولاية ألمانية يدعو إلى الاعتراف بالإسلام رسميا
أعرب آرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية شمال الراين ويستفاليا، أكبر ولاية ألمانية من حيث عدد السكان، مرة أخرى عن تأييده للاعتراف بالإسلام رسميا في ألمانيا، وذكر لاشيت أمس السبت (19 مايو 2018) لوكالة الأنباء البروتستانتية الألمانية (إ ب د) أن الولايات الألمانية ستكون مسؤولة عن تنظيم هذه العلاقة.
السعودية: الشؤون الإسلامية تنفذ 189 محاضرة في رمضان
كثف فرع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بمنطقة عسير من برامجه الدعوية خلال شهر رمضان المبارك، كذلك متابعة مشروعات إفطار الصائمين وصيانة المساجد. وأوضح مدير عام الفرع بعسير الدكتور حجر بن سالم العماري في حديثه لوكالة الأنباء السعودية «واس» أن الفرع يركز في هذا الشهر الكريم على تكثيف المحاضرات والندوات في بيوت الله من خلال مراكز الدعوة والإرشاد بالمنطقة بالتعاون مع المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات التي تنظم عدة برامج يشارك فيها عدد من الدعاة لتوعية الناس بأمور دينهم وبفضائل الشهر الكريم، كما سيتم إلقاء محاضرات للجاليات بلغاتهم في الجوامع والمساجد القريبة من مساكنهم وأماكن عملهم. مشيرًا إلى أنه تمت الموافقة على عدد (189) محاضرة
لماذا يفرح المسلمون بقدوم شهر رمضان؟
أسئلة عدة تفرض نفسها بقوة مع قدوم شهر رمضان كل عام، على رأسها: لماذا كل هذه الفرحة مع اقتراب شهر الصيام؟ لماذا كان سلفنا الصالح - رحمهم الله – يجلون قدوم هذا الشهر بهذه الكيفية حتى أنه قد روي عنهم أنهم كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر كي يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى كي يتقبله منهم.
باحث: مسلمو نيجيريا يواجهون مثلث الفقر والتّشييع والتنصير
تُعدّ دولة نيجيريا واحدة من أكبر البلدان الإسلامية في قارة إفريقيا، إذ تبلغ نسبة المسلمين فيها قرابة 75% من إجمالي عدد السكان الذي يتجاوز 160 مليون نسمة، وقد وصل الإسلام إلى هذه الدولة في وقت مبكر عن طريق التجارة، ومن خلال علاقات الجوار مع دول شمال إفريقيا والسودان.
حكم قضاء رمضان حال تأخيره حتى دخول شهر رمضان التّالي
أكد الدكتور أحمد عبد الجليل، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، على اتفاق العلماء والأئمة على أنّه يجب على من كان أفطر أياما من شهر رمضان أن يقضيها قبل حلول شهر رمضان التالي، وقد أخرج الشيخان في ذلك عن عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-)، وعلّق الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله: "وَيُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان، أَنَّهُ لا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ".
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م