حكم البوفيه المفتوح
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/07/19 الموافق 2017/04/16 - 05:04 م

من الأمور المستجدة في عصرنا ما تفعله بعض المطاعم, مِن وضع أصناف وأنواع كثيرة من المأكولات على مائدة، فيدخل الراغب في مثل هذه المطاعم ويدفع مبلغًا مقابل تمكينه من اختيار وأكل ما اشتهى من أنواع المأكولات المعروضة أمامه, وذلك بأن يمرّ على مائدة العَرْض وأَخْذ ما يناسبه من الأطعمة ووضعها في طبقه، ثم يجلس على طاولة مخصصة لتناولها.

وهو ما يعرف بــ: البوفيه المفتوح. فهل هو جائز أم ممنوع؟ 

بالنظر في أدلة الشرع يمكن الاستدلال على جواز البوفيه المفتوح بالأدلة الآتية:

1- أن الأصل في العقود الصحة والجواز؛ للآيات الكريمة:

قوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275].

وقوله تعالى: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ} [النساء:29].

وقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة:1].

وجه الدلالة من هذه الآيات:

أنها أصلٌ في حِلِّ جميع أنواع التصرفات الكسبية حتى يرد ما يدلّ على المنع، ولا دليل يدل على تحريم البوفيه المفتوح[1]

2- قياسُ جوازِ البوفيه المفتوح على جواز استئجار الظِّئْر -المرضعة- على رضاع الطفل وأجرتها طعامها وكسوتها, وهما مجهولان؛ إذ قد تأكل كثيرا وقد تأكل قليلا، وكذا لباسها، ولكنّ هذه الجهالة مغتفرة لأنها يسيرة, فكذلك البوفيه المفتوح يجوز مع جهالةِ قَدْرِ المأكول, بجامع الجهالة اليسيرة في كلٍّ منهما, والجهالة اليسيرة مغتفرةٌ بالإجماع[2].

قال ابن قدامة: "ثبت في الظئر بالآية, فيثبت في غيرها بالقياس عليها"[3].

3- قياسُ جوازِ البوفيه المفتوح على جواز استئجار الأجير والأجرة طعامه وكسوته، وإن لم توصف النفقة؛ لأن ذلك معروف عند الناس، فاستُغني فيه عن الوصف بالعرف[4]، ولأن الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم فعلوا ذلك, ولم ينكر أحد, فكان إجماعا[5].

قال ابن قدامة في الظئر والأجير: "ولأنه عوض منفعة، فقام العرف فيه مقام التسمية كنفقة الزوجة"[6].

4- وقياسا على إجماع العلماء على جواز دخول الحمام بالأجرة, مع اختلاف الناس في استعمال: الماء, وكمية الصابون، وقَدْرِ مُكْثِهم، والجهالةُ في كلٍّ منهما موجودة.

5- وقياسا على إجماع العلماء على جواز الشرب من السِّقَاءِ بالعوض، مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشارِبِين، بجامع الجهالة اليسيرة في كلٍّ منهما[7].

6- وقياسا على جواز بيع ما مأكوله في جوفه, كالرمان والبطيخ والبيض لأن الحاجة تدعو لذلك[8]. قال ابن قدامة :"لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الحاجة تدعو إلى بيعه"[9]

وكذلك البوفيه المفتوح يجهل المشتري مقدار ما يأكل.

7- وقياسا على جواز بيع الصُّبرة -وهي الكومة من الطعام- جزافًا[10]؛ بجامع الجهالة اليسيرة في كلٍّ منهما.

8- ولأنّ المشتري يَعرِف مقدار ما يأكله عادةً، فالجهالةُ حينئذ تكون يسيرة لا تُذْكر، والجهالة اليسيرة مغتفرة -كما تقدم-.

قال النووي: "إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر, ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة, أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع"[11].

9- ولأن الطعام الموجود معلومةٌ أوصافه وأنواعه، فلا جهالة في نوعه حينئذ.

10- ولجريان العرف بذلك, فالعادة محكّمة, وهذه أسواق المسلمين قائمة بذلك.

فإن قِيلَ:إن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الغرر, والغررُ متحققٌ في البوفيه المفتوح؛ لأن مقدار الأكل مجهول, والذي يُشْبِع ليس له ضابط في الناس محدّد.

أُجِيبَ: بأن هذا الغرر يسير ويغتفر, والغرر اليسير جائز بالإجماع[12].

أو يمكن للشخص الأكول الذي يعلم من نفسه أنه يأكل كثيرا أن يخبر القائمين على المطعم, وبذلك لا يحصل الغرر[13]

فإن قيل: هذا عقدُ بيعٍ بِشَرْطِ منعِ المشتري من التصرف فيما اشتراه؛ إذا لا يحقّ للزبون أن يحمل الطعام معه، أو يتبرع به لغيره ولوكان في نفس المطعم، وهذا شرط ينافي مقتضى العقد.

أُجِيبَ[14]:بأن هذا عقدٌ جديدٌ جائزٌ على الأصل في البيوع، وهو عقدٌ على الشِّبَع لا على أخذِ الطعام وحملِه.

والذي يتلخّص مما سبق: جواز البوفيه المفتوح, وإذا عرف الإنسان من نفسه أنه أكول فيجب أن يشترط على صاحب المطعم؛ لأن الناس يختلفون, وهو ما ذهب إليه الشيخ ابن عثيمين وغيره[15]. والله أعلم.

المراجع

[1] ينظر: الفروق الفقهية في نوازل المعاملات 1/568.

[2] ينظر: شرح النووي على مسلم 10/156.

[3] ينظر: المغني 6/77.

[4] ينظر: المدونة 3/478, والبيان والتحصيل 8/494, والإنصاف 6/11.

[5] ينظر: المغني 6/77.

[6] ينظر: المرجع السابق.

[7] ينظر: شرح النووي على مسلم 10/156, والمجموع 9/258.

[8] ينظر: الروض المربع 1/211.

[9] ينظر: المغني 4/298.

[10] ينظر: شرح النووي على مسلم 10/169.

[11] ينظر: المجموع 9/258.

[12] ينظر: زاد المعاد 5/820, والفروق للقرافي 1/277.

[13] ينظر: الفروق الفقهية في نوازل المعاملات 1/573.

[14] ينظر: المرجع السابق.

[15] ينظر: الشرح الممتع 4/322 طبعة مركز فجر, والفروق الفقهية في نوازل المعاملات 1/573.  

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
إشهار 481 شخصًا إسلامهم في بوروندي
في إطار جهودها المتواصلة في التعريف بالإسلام وسماحته، أسفرت جهود جمعية "التعليم والتنمية" الدعوية بمدينة "موينجا" البوروندية عن إشهار حوالي 481 شخصًا إسلامهم وذلك في أعقاب رعايتها لقافلتين إغاثيتين بالمحافظة.
بالفيديو‬.."مواطن تركي" يُحدّث داعية سعودياً عن حال المسلمين ويبكي ألماً
لم يتمالك شخص مسلم من الجنسية التركية نفسه، وهو يشاهد داعية سعودياً يركب إلى جواره، فانهالت دموعه على حال المسلمين في سوريا وليبيا والعراق وبقية الدول.
مكة.. 58 مسجدًا في 17 محافظة تتنافس على وسام الجامع القدوة
يتنافس نحو 58 مسجد جامع في 17 محافظة في منطقة مكة المكرمة من أصل 3000 جامع للحصول على وسام الجامع القدوة، الذي أعلن عنه فرع الشؤون الإسلامية في المنطقة، ضمن مشاركته في ملتقى مكة الثقافي تحت شعار "كيف نكون قدوة؟"، الذي أطلقه مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل.
لا يُنسب إلى ساكتٍ قول
من القواعد الفقهية التي تطرق لها الفقهاء قولهم: لا يُنسب إلى ساكتٍ قول.
هبة المريض هل تخرج من رأس ماله أو من الثلث
الأصل في هبة الإنسان إذا كان مالكًا للموهوب، صحيحَ الملك، وفي حالة الصحة، وإطلاق اليد أن تخرج هبته من رأس ماله.
حكم بيع الفضولي بحضرة المالك
إذا باع أجنبي مالَ أحدٍ فضولًا، وصاحبُ المال يشاهد البيع وهو ساكت, فهل يُعدُّ سكوتُه توكيلًا بالبيع أو إجازة، أم لا يعدّ سكوته كذلك، ومِن ثَمَّ فإنّ البيع موقوف على إجازة المالك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م