مفهوم الأيمان والنُّذور
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/07/19 الموافق 2017/04/16 - 11:41 ص

1: مفهوم الأيمان:

الأيمانُ جمعٌ مفردُه: "يمين"، وهو: الحَلِفُ أو الحَلْف، لغتان[1]. وأصلُه في اللغة: الملازمة، وهو أن يؤكّد المرءُ موقفه أو رأيه فيجعله لازماً أي: (يلزمه الثّباتُ عليه)[2]، وذلك بأن يُعضّده بذكر معظَّمٍ عنده، فيقولُ: أحلف بهذا الشيء العظيم، أنّ موقفي أو رأيي صحيح.

وكانوا إذا حلفوا، (وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه)[3]، فمِن هنا أُطلق على الحلِفِ اسمُ "اليمين"، كما أُطلق عليه كذلك: اسمُ "القَسَم"، و(أَصْلُ ذَلِكَ مِنَ الْقَسَامَةِ، وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ إِذَا ادَّعَوْا دَمَ مَقْتُولِهِمْ عَلَى نَاسٍ اتَّهَمُوهُمْ بِهِ)[4].

ولذا فالقَسَمُ والحَلِفُ واليمينُ، ألفاظٌ مترادفة.

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيُّ، عن حدود المعنى اللُّغويّ، فعرّفه بعضهم بأنّه: (ربطُ الحلف والعَقد بالامتناع والتّرك، أو بالإقدام على فعلٍ، بمعنىً معظّم حقيقةً أو اعتقاداً)[5]. واتّكاءً على هذا التّعريف، نقولُ: هو: أن يؤكِّد المرءُ موقفه (الإيجابيّ أو السّلبيّ) من أمرٍ معيّن، بأن يقرِن هذا الموقِفَ بمعنىً معظّمٍ، حقيقةً أو اعتقاداً.

2: مفهوم النُّذور:

النّذور في اللّغة، جمع نذرٍ، وهو: أن يوجب المرء على نفسه أمراً، وقد ورد بيانُ هذه الدّلالة اللُّغويّة، بطريقينِ:

الأوّل: طريق مباشر، بتحليل لفظ "النّذر"، فذكر ابن فارس أنّه: (كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَخْوِيفٍ أَوْ تَخَوُّفٍ)، ثمّ قال: (وَمِنْهُ النَّذْرُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَخَافُ إِذَا أَخْلَفَ)[6].

الثّاني: بطريقٍ غير مباشر، عبر الاستعانة بمفهوم "النَّحب"، وذلك كما قال ابن منظور: (النَّذْرُ: النَّحْبُ، وَهُوَ ما يَنْذِرُه "يَنْذُرُه" الإِنسانُ فَيَجْعَلُهُ عَلَى نَفْسِهِ نَحْباً وَاجِبًا)[7]، ويدلّ "النّحبُ" في لسان العرب، على ثلاث دلالات:

1: (رَفْعُ الصَّوتِ بالبكاءِ)، وهذه لا علاقة لها بمعنى "النّذر".

2: دلالةٌ تشمل المعاني الآتية: (المُراهَنة وَالْفِعْلُ كَالْفِعْلِ)، و(الهِمَّة)، و(البُرْهانُ) و(الْحَاجَةُ)[8]. وقد ارتبطت هذه الدّلالة عند عرب الجاهليّة، بظاهرةٍ معروفة، وهي ظاهرة "التَّنحيب"، قال ابن فارس: (وَهُوَ كَالْمُخَاطَرَةِ، تَقُولُ: إِنْ كَانَ كَذَا فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِلَّا فَلِي عَلَيْكَ)[9]، فهاهنا يوجب المرء على نفسه شيئاً. ثمّ تأتي دلالةٌ ثالثةٌ للنّحب:

3: أنّه الموتُ، قال ابن فارس: (وَكَذَا النَّحْبُ: الْمَوْتُ، كَأَنَّهُ نَذْرٌ يَنْذُرُهُ الْإِنْسَانُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ)[10].

(وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: إِنما قِيلَ لَهُ نَذْر، لأَنه نُذِرَ فِيهِ أَي أَوجب، مِنْ قَوْلِكَ: نَذَرتُ عَلَى نَفْسِي، أَي: أَوجبْت)[11].

هذا هو معنى النّذر في اللُّغة، أمّا معناه في الشّرع، فهو: (إيجابُ امرئٍ على نفسه لله تعالى أمراً) [12].

المراجع

[1] لسان العرب (9/53).

[2] مقاييس اللغة (2/ 98).

[3] رسالة ابن أبي زيد القيرواني، بتحقيق أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، ص 118، هامش رقم (2).

[4] مقاييس اللغة (5/ 86).

[5] رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ص 118، هامش رقم (2).

[6] مقاييس اللغة (5/ 414).

[7] لسان العرب (5/ 200).

[8] لسان العرب (1/ 749).

[9] مقاييس اللغة (5/ 404).

[10] مقاييس اللغة (5/ 404).

[11] لسان العرب (5/ 200).

[12] رسالة ابن أبي زيد القيرواني، بتحقيق أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، ص 118، هامش رقم (3).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين يدعو إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء المملكة الاثنين القادم
دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء المملكة يوم الاثنين القادم الموافق 30 من شهر ربيع الأول 1439هـ حسب تقويم أم القرى.
أمير المدينة: جائزة نايف بن عبدالعزيز أبرزت محاسن الدين الإسلامي
أكد صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة أن جائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة أسهمت في دراسة الواقع المعاصر للعالم الإسلامي وحققت في ذلك الفائدة على المستوى الداخلي والخارجي , مشيرا إلى دور الجائزة الهام في إثراء البحوث العلمية المؤصلة وإبراز محاسن الدين الإسلامي الحنيف وكونه صالح لكل زمان ومكان ويخدم التقدم والرقي الحضاري للبشرية.
د الفنيسان: من يفكر في نعم الله عليه سيجد شكر الله واجبًا
أكد فضيلة الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض، سابقا، على أهمية الشكر كأحد السمات التي يجب أن يتمتع بها المسلم، مهما كانت ظروفه وأحواله، مشيرًا أنه على أي حال أفضل من غيره.
مفهوم الكمبيالة وأحكامها الأساسيّة
فإنّ النّشاط التّجاريّ بين البشر، إنّما يتمُّ عبر وسيطٍ ذي قيمةٍ مادّيّة نفعيّة، يتمّ على ضوئه تقييمُ ما لدى كلِّ فردٍ من السِّلع والمنافع، حتّى يتسنّى بناءً على ذلك تحقيقُ عمليّة المبادلة التي هي جوهرُ كلّ نشاطٍ تجاريّ.
في بيان مفهوم الوسيط التجاريِّ وتطوُّره
فهذا مبحثٌ ممّا تمسُّ إليه حاجةُ الفقيه وطالبُ الفقه، من الإلمام بواقع النشاط التجاريّ، وتطوّره عبر العصور، والإلمام بالظروف الواقعيّة التي أسهمت في هذا التّطوّر؛ وذلك كما قرّر العلامة ابن القيم أنّه: (لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ:
من فقه النوازل في أحكام المياه
فإنّ البشريّة في هذا العصر، قد شهدت ما يُسمّى بالثورة العلمية والصّناعيّة والتقنية، التي كان من آثارها إحداثُ تطوّرٍ كبير على صعيد العُمران المادِّيِّ، الأمر الذي انعكسَ على حياة النَّاس الاجتماعيّة، فجدّت أمورٌ عديدة، أثارت من الإشكالاتِ، في كلّ بابٍ من أبواب الفقه؛ ما نهزَ نخبةً من العلماء والفقهاء المعاصرين إلى التّصدي لها، وبيان حكم الشرع فيها.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م