التكييف الفقهي للكِمْبيالة
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/07/15 الموافق 2017/04/12 - 08:29 ص

تعريف الكِمْبيالة:

هي ورقة تجارية تتضمن أمرًا صادرًا مِن شخصٍ يُسمّى الساحِب, إلى شخصٍ آخر يُسمّى المسحوب عليه، بأن يَدفع لإذْنِ شخصٍ ثالث هو المستفيد أو لحامل الكمبيالة إذا كانت لحاملها مبلغًا معينًا بمجرّد الاطلاع, أو في ميعادٍ معيّن, أو قابلٍ للتعيين[1].

ويجب أن تشتمل الكمبيالة على بيانات معينة حددتها التنظيمات في كل دولة، ومن ذلك ما جاء في نظام الأوراق التجارية السعودي[2], أن الكمبيالة تشتمل على البيانات الآتية:

1- كلمة "كمبيالة" مكتوبة في متن الصك, وباللغة التي كُتبت بها.

2- أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.

3- اسم من يلزمه الوفاء المسحوب عليه.

4- ميعاد الاستحقاق.

5- مكان الوفاء.

6- اسم من يجب الوفاء له أو لأمره.

7- تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة.

8- توقيع من أنشأ الكمبيالة -الساحب-.

ولا تعتبر كمبيالةً حتى تستوفي البيانات المذكورة سابقا، ويستثنى من ذلك ما يلي[3]:

أ- إذا خلت الكمبيالة من بيان ميعاد الاستحقاق, اعتُبرت مستحقة الوفاء لدى الاطلاع عليها.

ب- إذا خلت من بيان مكان الوفاء, أو من بيان موطن المسحوب عليه اعتبر المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه مكانَ وفائها وموطنا للمسحوب عليه.

ج- إذا خلت من بيان مكان إنشائها اعتُبرت مُنشأةً في المكان المبين بجانب اسم الساحب.

ويمكن إجمال خصائص الكمبيالة في ما يلي[4]:

1- الكمبيالة ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحها للتداول والقبول .

2- الغالب على الكمبيالة أن تشتمل على أطراف ثلاثة: ساحب, ومسحوب عليه, ومستفيد، إلا أنه يجوز اقتصارها على طرفين هما: ساحبٌ وهو المستفيد, ومسحوبٌ عليه، كما هو الشأن في الكمبيالة المالية.

3- لا يشترط لصحة الكمبيالة أن يكون المسحوب عليه مدينًا للساحب، وإنما يُشترط لاعتبارها قبول المسحوب عليه وتوقيعه عليها بذلك.

4- لا يلزم المسحوب عليه قبول الكمبيالة, إلا أنه متى قبلها ووقَّع عليها بذلك وسلَّمها لحاملها لزمه سدادها في وقتها المحدد له.

5- لا تعتبر الكمبيالة مُبْرِئةً إبراءً تامًّا لذمّة صاحبها، وإنما تبقى مسئوليته حتى يتم سدادها.

6- يعتبر الموقِّعون عليها بالقبول مسؤولين عن سداد قيمتها مسؤولية تضامنية.

7- لا تعتبر الكمبيالة ورقة تسقط قيمتها بفقدها ، وإنما هي سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة .

8- يَشترط كثير من الأنظمة التجارية النصَّ في سند الكمبيالة على وصول القيمة.

التكييف الفقهي للكِمْبيالة:

اختلف المعاصرون في التخريج الفقهي للكمبيالة على ثلاثة آراء[5]:

الرأي الأول: أنها تُلْحَق بالسُّفْتَجَة.

والسُّفْتَجَة: بضمّ السّين وفتح التاء على الأشهر, هي أن يدفع شخص إلى تاجر مبلغًا قرضًا ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر؛ ليستفيد به سقوط خطر الطريق[6].

والسفتجةُ بالنقود عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية, والحنابلة في رواية غير جائزة إن كانت المنفعة المقصودة منها مشروطة في العقد[7].

وذهب المالكية في رواية, والحنابلة في رواية اختارها ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم إلى أن السفتجة جائزة[8].

وقد عَلَّل أصحاب الرأي الأول قولهم بأن الكمبيالة تلحق بالسفتجة[9]:

بأنّ في الكمبيالة ثلاثة أطراف: الساحب، والمسحوب عليه، والمستفيد.

فالساحب يُـمثِّل المقترض في السُّفْتجة.

والمستفيد يُـمثِّل المقرِض فيها، -إذ يُفتَرَض وجود علاقة سابقة بين الساحب والمستفيد يكون فيها الأول مدينًا للثاني-.

والمسحوبُ عليه يُـمثِّل نائب المقترض أو مدينه، -إذ يُفْترَض وجود علاقة بين الساحب والمسحوب عليه, يكون فيها الأول دائنًا للثاني-.

ولأجل ذلك أُلْـحِقَتْ الكِمْبيالة بالسُّفتجة.

ونوقش[10]:

بأنّ تخريجَ الكمبيالة على أنها سفتجة إنما يصحّ عندما يكون إنشاءُ الكمبيالة في بلدٍ, ووفاؤها في بلدٍ آخر, أمّا الحالات التي يكون فيها إنشاء الكمبيالة في بلد, ووفاؤها في البلد نفسه فلا يصحّ تخريج الكمبيالة فيها على أنها سفتجة.

الرأي الثاني: أنها تُلْحَق بالحوالة.

والحوالة: نقل الدَّيْن وتحويله من ذمة الـمُحيل إلى ذمة الـمُحال عليه[11].

وعَلَّل أصحاب هذا الرأي قولهم[12]:

بأنّ الـمُحيل في الحوالة بمثابة الساحب في الكمبيالة، والمحال عليه بمثابة المسحوب عليه، والمحال بمثابة المستفيد, وحينئذ يُفْتَرض وجود علاقة بين الساحب والمستفيد, يكون فيها الأول مَدينًا للثاني؛ كالعلاقة بين المحيل والمحال عليه، والتي يكون فيها المحيل مَدينًا للمحال، كما يُفترَض وجود علاقة بين الساحب والمسحوب عليه, يكون فيها الأول دائنًا للثاني، والعلاقة بين المحيل والمحال عليه والتي يكون فيها المحيل دائنا للمحال عليه.

ولأجل ذلك أُلْـحِقَتْ الكِمْبيالة بالحوالة.

ونوقش[13]:

بأنّ هذا التخريج لا ينطبق على جميع صور الكمبيالة, وإنما ينطبق على بعضها, وهي الحالات التي يكون فيها المستفيدُ دائنًا للساحب، والمسحوبُ عليه مَدينًا للساحب.

بينما الكمبيالة يمكن سحبها مِن قِبَل الساحب على المسحوب عليه ولو لم يكن المسحوب عليه مدينًا للساحب، وهذا لا ينطبق على الحوالة عند جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة؛ إذ إنّ الحوالة عندهم لا تصحّ على مَن لا دَيْنَ له عليه, وإنّما يعتبر وكالة للاستقراض ممّن أحاله عليه[14].

الرأي الثالث: أنها تُلْحَق بالقرض.

وعَلَّل أصحاب هذا الرأي قولهم[15]:

بأنه يُفْتَرَض في الكمبيالة وجود علاقتين سابقتين لإصدارها:

الأُولى: بين الساحب والمسحوب عليه, يكون فيها الأول دائنا للثاني.

والثانية: بين المستفيد والساحب, يكون فيها الأول دائنا للثاني.

ففي العلاقة الأُولى بين الساحب والمسحوب عليه يُـمثِّل الساحب دَوْرَ المقرِض، والمسحوبُ عليه دَوْرَ المقترض.

وفي العلاقة الثانية بين المستفيد والساحب يُـمثِّل المستفيد دَوْرَ المقرِض, والساحب دَوْرَ المقترض.

ولأجل ذلك أُلْـحِقَتْ الكِمْبيالة بالقرض.

ونوقش[16]:

بأنّ هذا التخريج مبنيٌّ على أنّ العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه, وما بين المستفيد والساحب تُـمثِّل قرضًا، وهذا ليس بلازم؛ فإنّه قد تكون العلاقة بيعًا وشراءً، أو إجارة واستئجارًا ونحو ذلك.

الترجيح: يلاحظ على التخريجات المتقدمة القصور, وعدم الشمول.

والذي يظهر في التخريج الفقهي للكِمْبيالة أنّها عقدٌ مركَّب مِن عدّة عقود, فهي تارةً تكون بمعنى السُّفتجة، وتارةً تكون بمعنى الحوالة, وتارةً تكون بمعنى القرض.

والمعاملة المركّبة تعدُّ من المعاملات المستجدّة التي لم يَرِد فيها نصّ شرعي في الكتاب والسنة، ولا تنطوي بمجموعها المركّب تحت عقدٍ من العقود المسمَّاة، وإن كانت أجزاؤها تَقْبَل التكييف والاندراج تحت بعضها, والأصلُ في كلّ معاملة مستحدَثة الحِلُّ مالم تَنْطَوِ على تحليلِ حرام أو تحريمِ حلال.

وبناءً على هذا تكون الكمبيالة من العقود المستحدَثة، ولا محذور شَرعًا من تحريرها والتعامل بها, لكن يستثنى من ذلك ما دلّ الدليل على حرمته, فالذي يُشترط فيه التقابض من الطرفين كالصرف, أو من طرف واحد كالسَّلَم, لا يجوز أن تُحرَّر به الكمبيالة إذا كانت الكمبيالة لا تحلّ إلا بعد أجل[17]. والله تعالى أعلم.

المراجع

[1] ينظر: القانون التجاري للبارودي ص47, والمعايير الشرعية ص233, والخدمات المصرفية غير الاستثمارية ص473.

[2] ينظر: المادة الأولى من نظام الأوراق التجارية السعودي الصادر به المرسوم الملكي رقم 37 وتاريخ 11/10/1383هـ.

[3] ينظر: المادة الثانية من نظام الأوراق التجارية السعودي.

[4] ينظر في ذلك: أبحاث هيئة كبار العلماء 5/332.

[5] ينظر في ذلك: أحكام الأوراق النقدية والتجارية للجعيد ص301, وأحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي للخثلان ص107 وما بعدها.

[6] ينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام 2/310.

[7] ينظر: تبيين الحقائق 4/175, وحاشية ابن عابدين 5/166, ومواهب الجليل 4/547, والحاوي الكبير 6/467, والإنصاف للمرداوي 5/415.

[8] ينظر: الكافي لابن عبد البر ص359, والمغني 6/436, ومجموع الفتاوى 20/515, والإنصاف 5/131.

[9] ينظر في ذلك: أحكام الأوراق النقدية والتجارية ص301, وأحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي للخثلان ص316.

[10] ينظر: أحكام الأوراق النقدية والتجارية ص304.

[11] ينظر: التعريفات ص93, وفتح الباري لابن حجر 4/464.

[12] ينظر في ذلك: أحكام الأوراق النقدية والتجارية ص348, وأحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي ص120, والمعاملات المالية المعاصرة للزحيلي ص474.

[13] ينظر: أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي ص121.

[14] ينظر: بدائع الصنائع 6/17, والتهذيب في اختصار المدونة 4/45, وتحفة المحتاج 5/228, وكشاف القناع 3/384.

[15] ينظر في ذلك: المعايير الشرعية ص226, وأحكام الأوراق النقدية والتجارية ص350, وأحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي ص124, والمعاملات المالية المعاصرة للزحيلي ص474.

[16] ينظر: أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي ص124.

[17] ينظر: المرجع السابق ص127, وقضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص150. 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
تسحروا فإن في السحور بركة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَرُّوا؛ فإنَّ في السَّحُور بَرَكَة"
حال السلف مع القرآن في رمضان
قال ابن القيم رحمه الله "لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر.., لَو عَلِمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلّ ما سِواها" ا.هـ.
من فضائل الصيام
الصوم من أفضَلِ العباداتِ وأجلِّ الطاعاتِ جاءَتْ بفضلِهِ الآثار، ونُقِلَتْ فيه بينَ الناسِ الأَخبار.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م