(جراحة الولادة)
|
الملتقى الفقهي
أضيف فى 1438/07/13 الموافق 2017/04/10 - 08:57 ص

وهي الجراحة التي يقصد منها إخراج الجنين من بطن أمه، سواء كان ذلك بعد اكتمال خلقه، أو قبله، ولا تخلو الحاجة الداعية إلى فعلها من حالتين:
الحالة الأولى:
أن تكون ضرورية، وهي الحالة التي يخشى فيها على حياة الأم، أو جنينها، أو هما معًا، ومن أمثلتها ما يلي:
(1) جراحة الحمل المنتبذ.
(2) جراحة استخراج الجنين الحي بعد وفاة أمه.
(3) الجراحة القيصرية في حال التمزق الرحمي[1]
فهذه الحالات تعتبر فيها جراحة الولادة ضرورية، لأن المقصود منها إنقاذ حياة الأم، أو الجنين، أو هما معاً.
ففي المثال الأول: يتكون الجنين خارج الرحم في قناة المبيض، ويسمى بالحمل المهاجر، أو القنوي، وهذا الموضع الذي تكون فيه الجنين يستحيل بقاؤه فيه حيًا، وغالبًا ما ينفجر في القناة التي بداخلها، وحينئذ تصبح حياة الأم مهددة بالخطر، فيرى الأطباء
ضرورة إجراء الجراحة، واستخراجه قبل انفجاره، وذلك كله إنقاذًا لحياة الأم[2]
وفي المثال الثاني: تموت الأم بعد اكتمال خلق الجنين، وحياته، فيضطر الأطباء إلى شق بطنها لاستخراج ذلك الجنين قبل موته.
وهذه الصورة ليست بحديثة بل هي صورة كانت موجودة من القدم وهي محل خلاف بين أهل العلم -رحمهم الله- سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مباحث العمل الجراحي، وأنه لا حرج في فعل هذا النوع من الجراحة إنقاذًا لحياة الجنين.
وفي المثال الثالث: يتعرض الرحم إلى التمزق الذي يهدد حياة الأم، وجنينها وذلك بعد اكتمال خلقه، فيضطر الأطباء إلى إجراء الجراحة واستخراج الجنين. حتى لا تتعرض الأم وجنينها للهلاك.
فهذه ثلاث صور من صور جراحة الولادة الضرورية، الأولى قصد منها إنقاذ حياة الأم، والثانية قصد منها إنقاذ حياة الأثنين، والثالثة قصد منها إنقاذ حياتهما معًا.
وهذا النوع من الجراحة يعتبر مشروعًا وجائزًا، نظرًا لما يشتمل عليه من إنقاذ النفس المحرمة الذي هو من أجلِّ ما يتقرب به إلى الله عز وجل، وهو داخل في عموم قوله سبحانه: {وَمَن أحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[3]، ولأنه كما جاز استئصال الداء الموجب للهلاك من جسم المريض كذلك يجوز استخراج الجنين إذا كان بقاؤه موجبًا لهلاك أمه، بجامع دفع الضرر في كل.
وكذلك شق بطن المرأة الحامل الميتة من أجل إنقاذ جنينها الحي، فكما يجوز شق البطن للعلاج والتداوي، كذلك يجوز شقها لإنقاذ النفس المحرمة، ولأن بقاءها في البطن بدون ذلك يعتبر ضررًا محضًا، فتشرع إزالته بالجراحة اللازمة للقاعدة الشرعية التي تقول: "الضرر يزال" [4].
قال الإمام ابن حزم -رحمه الله-: "ولو ماتت امرأة حامل، والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق عن بطنها طولاً، ويخرج الولد، لقوله تعالى: {وَمَنْ أحْيَاهَا فَكَأنمَا أحْيَا الناسَ جَمِيعًا} ومن تركه عمدًا حتى يموت فهو قاتل نفس"[5] اهـ.
فاعتبر -رحمه الله- فعل هذا النوع من الجراحة فرضًا لازمًا على الطبيب إذا امتنع من فعله عمدًا كان قاتلاً، لامتناعه من فعل السبب الموجب للنجاة مع قدرته على فعله.
 ولا يشكل على القول بجواز الجراحة في الصورة الأولى ما تتضمنه من إتلاف الجنين وتعريضه للهلاك، وذلك لأن حياة الأم مهددة ببقائه، وبقاؤه في الغالب غير منته بسلامته وخروجه حيًا، ومن ثم كانت حياة الجنين موهومة، وحياة الأم متيقنة فلا يجوز تعريض الحياة المتيقنة للهلاك طلبًا لحياة موهومة، وجاز استخراج الجنين بالجراحة على هذا الوجه ارتكابًا لأخف الضررين للقاعدة الشرعية التي تقول: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما"[6].
فالضرر المترتب على بقاء الجنين في هذه الصورة يعرض الأم والجنين للهلاك، بخلاف الضرر المترتب على استخراجه فإنه مختص بالجنين فهو أخفهما.
وينبغي على الأطباء أن يتقوا الله عز وجل، وأن يبذلوا كل ما في وسعهم لعلاج هذه الحالات بالوسائل التي تنتهي بسلامة الأم وجنينها، وألا يقدموا على فعل هذا النوع من الجراحة إلا إذا تعذرت تلك الوسائل، وتحققوا من أن بقاء الجنين مفض إلى هلاكه وأمه، أو غلب على ظنهم ذلك ... والله تعالى أعلم.
 الحالة الثانية:
أن تكون حاجية: وهي الحالة التي يحتاجها الأطباء فيها إلى فعل الجراحة بسبب تعذر الولادة الطبيعية، وترتب الأضرار عليها إلى درجة لا تصل إلى مرتبة الخوف على الجنين أو أمه من الهلاك.
ومن أشهر أمثلتها: الجراحة القيصرية التي يلجأ إليها الأطباء عندخوفهم من حصول الضرر على الأم أو الجنين أو هما معًا، إذا خرج المولود بالطريقة المعتادة, وذلك بسبب وجود العوائق الموجبة لتلك الأضرار، ومن أمثلتها: ضيق عظام الحوض، أو تشوهها أو إصابتها ببعض الآفات المفصلية، بحيث يتعذر تمدد مفاصل الحوض.
أو يكون جدار الرحم ضعيفًا، ونحو ذلك من الأمور الموجبة للعدول عن الولادة الطبيعية دفعًا للضرر المترتب عليها[7]
والحكم بالحاجة في هذا النوع من الجراحة راجع إلى تقدير الأطباء، فهم الذين يحكمون بوجودها، ولا يعد طلب المرأة أو زوجها مبررًا لفعل هذا النوع من الجراحة طلبًا للتخلص من آلام الولادة الطبيعية، بل ينبغي للطبيب أن يتقيد بشرط وجود الحاجة، وأن ينظر في حال المرأة وقدرتها على تحمل مشقة الولادة الطبيعية وكذلك ينظر في الآثار المترتبة على ذلك، فإن اشتملت على أضرار زائدة عن القدر المعتاد في النساء ووصلت إلى مقام يوجب الحوج والمشقة على المرأة، أو غلب على ظنه أنها تتسبب في حصول ضرر للجنين، فإنه حينئذ يجوز له العدول إلى الجراحة وفعلها، بشرط ألا يوجد بديل يمكن بواسطته دفع تلك الأضرار وإزالتها ... والله تعالى أعلم.
المراجع
 [1] السلوك المهني للأطباء د. التكريتي ص 337، 338.
[2] ورد في الموسوعة الطبية التي أشرف على وضعها عدد من الأطباء ما نصه: "الحمل المنتبذ، أو القنوي، وهي حالة نادرة يكون فيها الجنين خارج الرحم في قناة المبيض التي تؤدي إلى الرحم، وهذا الجنين لا يمكن أن يبقى حياً، بل يموت بطريقة أو بأخرى، منفجرًا غالبًا من خلال القناة التي كان في داخلها، وعندما يقع هذا الحدث يعظم الخطر على الأم، ومن ثم فإن الحمل المنتبذ يعد تبريرًا واضح الحسم لإنهاء الحمل" اهـ.
الموسوعة الطبية الحديثة 1/ 23. ويقول الدكتور البيرم: "وجب أن تنغرس البويضة الملقحة في بطانة جدار الرحم، فإذا انغرست في أي موضع آخر، فإن الحمل يكون شاذًا، ويستوجب إنهاؤه جراحيًا، وإلا ساءت العاقبة أهم هذه المواضع الشاذة قناة فالوب" اهـ. الموسوعة الطبية العربية. البيرم ص 127.
[3] سورة المائدة (5) آية 32.
[4] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 83، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 85، وشرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 125.
[5]  المحلى لابن حزم 5/ 166.
[6] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 87، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 89، وقواعد الفقه للمجددي ص 140، وشرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 147، والأقمار المضيئة للأهدل ص 123.
[7] السلوك المهني للأطباء د. التكريتي ص 247.

من كتاب أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها - د.محمد بن محمد المختار الشنقيطي

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
أمير مكة يوجه بإخلاء صحن المطاف من المصلين حتى نهاية رمضان
وذلك بعد اطلاعه على تقارير عن تعطيل المصلين بصحن الطواف للمعتمرين أثناء الصلوات وخاصة في صلاة التراويح وبناء على ذلك سيتم توجيه المصلين لأداء الصلوات في الأروقة الداخلية والتوسعة الشمالية والأدوار العليا.
تغيير 3 آلاف سجادة بالمسجد النبوي
أكملت وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي ممثلة في قسم السجاد تغيير فرش سجاد المسجد النبوي وذلك بفرش (3) آلاف سجادة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك
الأمير تركي بن عبدالله يدشن مشروع تفطير مليون صائم
دشن صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالعزيز الرئيس التنفيذي لمؤسسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للأعمال الإنسانية، مشروع تفطير مليون صائم لعام 1438هـ، التابع لمكتب الدعوة بالصناعية الجديدة في الرياض.
تغيير 3 آلاف سجادة بالمسجد النبوي
أكملت وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي ممثلة في قسم السجاد تغيير فرش سجاد المسجد النبوي وذلك بفرش (3) آلاف سجادة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك
3 آلاف عربة لذوي الاحتياجات في المسجد النبوي استعداداً لرمضان
أطلقت وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي الاسبوع الماضي ممثلة في إدارة الأبواب (قسم العربات) حملة بعنوان (عربتك بين يديك) وهي عبارة عن تقديم خدمة توفير العربات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن وتمكين إعارتها لرواد وزائري المسجد النبوي ، وذلك بتوفير أكثر من 3000 آلاف عربة مجهزة استعداداً لشهر رمضان المبارك .
السديس يواصل درسه الأسبوعي في(تفسير آيات الصيام وشرح أحاديثه)
ألقى معالي الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس درسه الأسبوعي (تفسير آيات الصيام وشرح أحاديثه) في المسجد الحرام مساء أمس الثلاثاء الموافق 20/8/1438هـ والذي تنظمه الإدارة العامة للتوجيه والإرشاد.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م