التزامُ فهمِ السَّلف - أهميتُه وحجيتُه وضوابطُه*
|
إعداد: أ. عبد الرحمن زكي حمد
أضيف فى 1438/07/07 الموافق 2017/04/04 - 06:05 م

المُقدِّمة

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ، وجاهد في الله حقَّ جهاده، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد:

فإنه لما كان مبنى الدين قائماً على النَّص الشرعي من الكتاب والسنة؛ إذ هو الأساس الذي تنبني عليه الأحكام, وتُقرر عن طريقه الفتاوى, كان فهمُه فهماً صحيحاً أمراً بالغ الأهمية, ولما كان السلف الصالح أوفقَ الناس لفهم مراد الله ورسوله من هذه النصوص, كان التعرف عليهم وعلى ضوابط فهمهم أمراً لا ينفك عن فهم النصوص نفسِها, لا سيَّما وأنَّ الرجوع إلى فهمهم الصحيح له أبلغ الأثر في صلاح الفرد المسلم والمجتمع المسلم في واقعنا المعاصر, والقضاء على الظواهر السلوكية المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة, مثل ظاهرة التطرف والعنف, ومن هنا عزمتُ على تقديم هذا البحث بعنوان: التزام فهم السلف- أهميته وحجيته وضوابطه-؛ وذلك لأهمية هذه الجزئية وعظيم خطرها, وقد سلكتُ في هذا البحث مسلك الاختصار, فاقتصرتُ فيه على ما كان مهمَّاً؛ إذ البحث في هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيلاتٍ يصعب استيعابها في مثل هذا البحث المختصر, وأسأل الله أن أكون قد وُفقت في بيان هذه القضية، وإرساء هذا الضابط الذي يعصم المسلم من الزيغ والضلال عند التعامل مع نصوص الوحي، ومحاولة فهمها على مراد الله عز وجل, ومراد رسولهصلى الله عليه وسلم.

أولًا: أهمية الموضوع:

تنبع أهمية الموضوع من خلال النقاط التالية:

1- قضية الفهم عن الله سبحانه وتعالى ورسوله  صلى الله عليه وسلم من أخطر وأهم القضايا، فهي أساس اختلاف الفرق, وذلك باستعمال الدليل الواحد للشيء ونقيضه, ولا تنضبط هذه المسألة إلا بالسير على قواعد واضحةٍ, وموازين دقيقةٍ، يُقتفى فيها أثر السلف, وطريقتهم في التعامل مع النصوص.

2- التأكيد على أهمية منهج السلف في فهم النصوص, وبيان فضله؛ لكونه الأولى بالاتباع والاقتفاء.

3- تحقيق التوازن في حياة الأمة بعيداً عن الهوى والعبث, وحفظ الفرد والجماعة من التيه والضلال من خلال ترسيخ الفهم الصحيح للنص الديني, وبيان دوره في ريادة الأمة.

ثانيًا : أسباب اختيار الموضوع:

تُعدُّ الأسباب التالية من أهم الأسباب التي دفعت الباحث لاختيار هذا الموضوع للبحث:

1- ما ذكرته سابقاً عن أهمية الموضوع هو من أهمِّ أسباب اختياره .

2- حال الأمة في واقعنا المعاصر وما تمرُّ به من فُرقةٍ وتشتتٍ واختلافٍ، وأمنيتي أن يكونَ لي بصمةٌ في جمع كلمة المسلمين قدر الإمكان.

3- ما لهذا الموضوع من أهميةٍ عظيمةٍ للأمة الإسلامية؛ لكونه يجمع المنتسبين لأهل السنة والجماعة تحت لواءٍ واحدٍ.

4- إثراءُ المكتبة الإسلامية بدراسةٍ علميةٍ تكون لها فائدةٌ عمليةٌ في واقع المسلمين وحياتهم.

ثالثاً: منهج البحث:

استخدم الباحث في هذه الدراسة المنهج الوصفيسبحانه وتعالى التحليليسبحانه وتعالىسبحانه وتعالى مع شيء من الاختصار؛ ليتناسب مع حجم البحث.

رابعاً: خطة البحث:

وضع الباحث خطةً لهذا البحث فجعله في مقدمةٍ, وثلاثة مباحث، وخاتمةٍ على النحو التالي:

المقدمة:

وتشتمل على أهمية البحث، أسباب اختياره، منهج البحث، خطة البحث.

المبحث الأول: تعريف الفهم والسلف

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: تعريف الفهم

المطلب الثاني: تعريف السلف وحقيقة الانتساب إليهم

المبحث الثاني: مكانة السلف وفهمهم

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: مكانة السلف الصالح

المطلب الثاني: أهمية فهم السلف

المبحث الثالث: ضرورة التزام فهم السلف وضوابطه

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: حجية فهم السلف.

المطلب الثاني: ضوابط التزام فهم السلف.

الخاتمة:

وفيها أبرز النتائج التي توصَّل إليها الباحث خلال هذا البحث، ثم أهم التوصيات التي تخدم غرض البحث.

وهذا الجهد المبذول في هذا البحث، يبقى جهدًا بشرياً، قاصراً عن بلوغ درجة الكمال، مهما سعيتُ لإتقانه، وكماله؛ فإنَّ الكمال المطلق لله وحده، فما كان في هذا البحث من توفيقٍ، فالفضل لله - جلا وعلا - وحده، وما كان فيه من تقصيرٍ، فمن نفسي، ومن الشيطان، وأستغفر الله على كل حال.

والله ولي التوفيق, والهادي إلى سواء السبيل, والحمد لله رب العالمين.

***

المبحث الأول

تعريف الفهم والسلف

إنَّ من المتفق عليه بين العقلاء، أنَّ بداية فهم أيَّ موضوعٍ, تبدأ بتعريفه وتصوره في الذهن، ومن ثَمَّ يُمكنُ الوقوف على تفاصيله، فالعقل لا يحيط بمفهوم أيِّ شيءٍ, إلا إذا عرف معناه ودلالته؛ ولذلك سيقوم الباحث بالتعريف بعنوان البحث، قبل الخوض في تفاصيله، حتى يستطيع القارئ تصور القضية محل البحث, وفهم ما يقصده الباحث, "فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره"3.

المطلب الأول

 تعريف الفهم

أولا: الفهم لغةً:

جاء في لسان العرب, الفهم هو: "معرفة الشيء بالقلب، وفهمتُ الشيء: عقلتُه وعرفتُه"4، وقال ابن فارس: "الفاء والهاء والميم عِلمُ الشيء"5، وجاء في تاج العروس:"فهمه فَهماً وفَهامةً وفَهاميةً بالفتح، أي عَلِمه وعَرِفه بالقلب"6, وجاء في القران الكريم قوله سبحانه وتعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ7, أي: "علمناه حقيقة القضية، وحسن الحكومة"8.

وممَّا سبق يتبين أنَّ المعاني اللغوية تتفق على أن الفهم هو العلم بالشئ ومعرفتُه بالقلب، ونُسبت المعرفة إلى القلب؛ لأنَّها هي المعرفة النافعة التي تُؤثر في حصول الشئ وتحققه، وإذا وقر الشيء في القلب صار له أثرٌ في الجوارح.

ثانيا: الفهم اصطلاحاً:

جاء في بيان المعني الاصطلاحي لكلمة الفهم, عدة تعريفاتٍ متقاربةٍ في المعنى, وتدلُّ على شئٍ واحدٍ، ومن هذه التعريفات ما يلي:

1- هو: "جودة الذهن لادراك وتصور المعنى من لفظ المخاطب"9.

2- هو: "تصوُّر المعنى من لفظ المخاطب"10.

3- هو: "جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص كلِّ ما يَرِدُ عليه من المطالب"11.

4- هو: إدراك معنى الكلام بسرعة12.

5- هو: "فطنةٌ يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قولٍ أو فعل"13.

مما سبق يتبين للباحث أنَّ الفهم في الاصطلاح هو: جودة الذهن من جهة قدرته على تصور المعنى من لفظ المخاطب, وما يقترن به من قولٍ أو فعل.

وهناك تقاربٌ كبيرٌ بين ألفاظ الفهم والعلم والفقه والتفسير14، ويجوز في الغالب أن نُعبِّر عن هذه الكلمات مكان بعضها؛ لتقاربها الشديد في المعنى؛ ولكنَّ الفهم أخصُّ من هذه الألفاظ، وأرقى منها منزلةً، "فالْفَهم فِي الْعلم منزلةٌ عظيمةٌ, ورتبةٌ ساميةٌ عن مجرد العلم بالنص"15, ولعلَّ الإمام البخاري- رحمه الله-، قد فطن لهذا المعنى وأراده، عندما عنون في كتاب العلم من صحيحه لبابين، فقال في الأول: باب العلم قبل القول والعمل16، ثم راح يسرد الآيات التي تحثُّ على العلم، وكأنَّه يقصد الخطوة الأولى لإصابة الحق، وهي أنَّه لا يُقبل قولٌ أو عملٌ إلا بدليل، والدليل يأتي بالعلم، ثم قال في الثاني: باب الفهم في العلم17، وكأنَّه يقصد الخطوة الثانية، وهي أنَّه لا بد من الفهم الصحيح للدليل؛ ولذا لا يكفي أن يُقال: هذا دليلٌ صحيح؛ بل لا بدَّ من فهمٍ صحيحٍ للدليل, ولهذا الفهم الصحيح أسبابٌ لا بدَّ من توافرها، وهناك موانع لا بدَّ من انتفائها؛ ليصل الناظر في الدليل إلى الحق, والناس يختلفون ويتفاوتون في هذا الفهم، فبعضُهم أعلى درجةً في الفهم من الآخر، ففهمُ العالم للنصوص الشرعية, ليس كفهم العامي، بل إنَّ الانسان قد تمرُّ عليه الآية من القرآن، في صفاء فكرٍ، وحضور قلبٍ، وقوة ايمانٍ، فيفهمَ منها من المعاني, ما لم يخطر له على بالٍ، مع أنه قد يكون حفظها وكرَّرها قبل ذلك مئات المرات18، بل قد يفهم العالم من النص القرآني أو الحديث النبوي معنىً لا يفهمه عالمٌ آخر, يقول ابن القيم- رحمه الله-: "وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله, لا يُحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساويةً, لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خصَّ سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكمة"19, ويقول أيضاً:" والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله أعظم تفاوت، فرُبَّ شخصٍ يفهم من النص حكماً أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائةً أو مائتين"20, وينقسم الفهم إلى نوعين هما:

أ- الفهم الصحيح: وهو "حُسن تصور المعنى المُراد من لفظ المخاطَب، وإدراك مراميه، وهو الذي يوافق ما دلَّت عليه النصوص, وجاءت به السنة ويطابُقها"21، وهو مُعلَّقٌ على وجود أشياءٍ منها: التمكن من العلوم الشرعية, وعلوم الآلة22، وقبل ذلك وبعده لجوء العبد إلى ربه أن يرزقه الفهم عنه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم .

ب- الفهم الفاسد: وهو الذي لم يُستمد من كتاب الله, ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وهو المخالف لفهم أئمة وعلماء السلف, وصاحب هذا الفهم يفسد أكثر مما يصلح, كما قال سيدنا عليٌّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه:" إنه لا خير في عبادةٍ لا علم فيها، ولا خير في علمٍ لا فهم فيه"23، ويقول ابن القيم- رحمه الله-:" سوء الفهم عن الله ورسوله, أصل كل بدعةٍ وضلالةٍ نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأٍ في الأصول والفروع"24، ويقول أيضاً في بيان أنَّ الآفة في  الذهن العليل, لا في نفس الدليل:

"وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفتُه من الفهم السقيمِ"25.

وأما كلمة التزام الواردة في عنوان البحث, فقد جاء في معنى الالتزام كما قال ابن فارس: لزم "أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ، يَدُلُّ عَلَى مُصَاحَبَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ دَائِمًا"26, ولزموه: أي لا يفارقون ماهم فيه, والالتزام: الاعتناق27, وَعليه فالالتزام "هُوَ المُلَازَمَةُ لِلشَّيْءِ والدَّوَام عَلَيْهِ28.

***

المطلب الثاني

 تعريف السلف وحقيقة الانتساب إليهم

السلف الصالح عبارةٌ تتردد كثيراً في أدبيات الخطاب الدعوي الإسلامي المعاصر, والدعوة إلى اتباع السلف والسير على طريقتهم تمثل ركناً أساسياً في منهجية أكثر التيارات الدعوية والإسلامية اليوم، ومع ذلك يظلُّ مفهوم السلف واتباع السلف بحاجةٍ إلى تحرير كثيرٍ من مسائله وضبطها, وسوف نتعرف في هذا المطلب على هذا المصطلح وما يتعلق به.

أولاً: السَّلَف لغةً:

السلف في اللغة هو التَقدُّم والسبق، قال ابن فارس:"السين واللام والفاء أصلٌ يدلُّ على تَقدُّمٍ وسبقٍ، من ذلك السلف: الذين مضوا، والقوم السُّلَّاف: المتقدِّمون، والسُّلْفة: المُعجَّل من الطعام قبل الغداء"29، والسلف من تقدَّمك من آبائك وذوي قرابتك, الذين هم فوقك في السنِّ والفضل؛ ولهذا سُمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح30.

وقد استعُملت كلمة سلف في القرآن الكريم على المعنى نفسه, في ثمانية مواضع، منها قوله سبحانه وتعالى: عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ31، أي: ما سبق وتقدم، ويدلُّ على هذا, قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة- رضي الله عنها- لما أخبرها بدنو أجله: ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعم السلف أنا لك32.

ومن خلال التعريف اللغوي لكلمة "سَلَفَ", يتبين أنها تدور في أغلب استعمالاتها حول معنى التقدُّم والمضي والسبق الزمني.

ثانياً: السَّلَف اصطلاحاً:

كلمة السلف من حيث المعنى الاصطلاحي، لها إطلاقان, كما يلي:

أ- المفهوم التاريخي للمصطلح: وهو اطلاقه على حقبةٍ زمنيةٍ مُعينةٍ، تختص بأهل القرون الفاضلة الثلاثة المتقدمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنه، فهي متضمنةٌ للمنهج والزمان، ويدلُّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم33.

واختلُف في تحديد مفهوم السلف زمنيًا على عدة أقوالٍ، كما يلي:

القول الأول: من قَصَرَه على جيل الصحابة رضي الله عنه فقط, وهو استعمال بعض التابعين34, وهذا الاستعمال صحيح في حقهم؛ لأنهم لم يسبقهم إلى طريق الحق والهداية إلا الصحابة- رضي الله عنهم- فهم سلف لهم, والتابعون سلفٌ لنا؛ ولهذا قد يكون الرجل سلفياً متبعاً لمن سبقه, ثمَّ يصبح سلفاً مُتبَعاً عند من بعده, وهذه خيرية هذه الأمة أنَّ كلَّ جيلٍ من أجيالها يوصل الخير للجيل الذي يليه35.

القول الثاني: من قَصَرَه على جيل الصحابة والتابعين رضي الله عنه، وإليه ذهب أبو حامد الغزالي في قوله: "اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر، هو مذهب السلف, أعني مذهب الصحابة والتابعين"36.

 القول الثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين رضي الله عنه, أي: القرون الثلاثة التي أثبت لها النبي صلى الله عليه وسلم  الخيرية، وإليه ذهب أكثر أهل العلم قديما وحديثا37، وعليه يدلُّ صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-، حيث يقول: "سلف الأمة وخيار قرونها" 38.

 القول الرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة الهجرية39, وشذَّ من قال بهذا الرأي، ولم يتابعه عليه أحدٌ من أهل العلم40.

والقول الذي عليه جمهور العلماء، أن السلف بالمفهوم الزمني هم أصحاب القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضي الله عنه, ومنهم من زاد فيه إلى عصر الإمام أحمد بن حنبلت241ه, قال الحافظ ابن رجب الحنبلي–رحمه الله-: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد"41, وقد أشار إلى ذلك الإمام الآجري من قبل وغيره من المتقدمين42، أمَّا لفظ الخَلَف فإنّه يُطلق على من جاء بعد هذه الفترة إذا كانوا على الإسلام والحق، أمَّا المُغيِّرون والمنحرفون فيقال لهم: الخَلْف بسكون اللام، بمعنى: خالف بسوءٍ، فالخلَفَ معهم الإيمان, ولكن هم أنقص من السلف، والخَلْف خَلَف سوءٍ, كما في قول الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا43، فالخلَف بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح, وخَلْف بالإسكان تُستعمل في الذم، وخَلَف بالفتح في المدح, ومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْفٌ, وهذا هو المستعمل المشهور44.

وينبغي التنبيه إلى أنَّنا إذا قلنا بأنَّ المراد بالسلف زمنيًا هم أهل القرون الثلاثة المفضلة، فليس معناه أنَّ كلَّ من عاش في هذه القرون يُعد سلفًا يُقتدي بهم؛ وذلك لوجود بعض أئمة أهل البدع والأهواء في تلك الحِقبة، ففيها خرجت الخوارج45 في عهد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب,

وفيها ظهر التشيع والروافض46 على يد ابن سبأ اليهودي الذي ادعى الإسلام, وزعم محبة آل البيت، وفيها نبتت فتنة القدرية47، وفيها أيضًا ظهرت بدعة الإرجاء48، وفيها ظهر التجهم49، والاعتزال50؛ وبهذا يتضح أن القرون الثلاثة عاش فيها سلفٌ صالحٌ يُقتدي به، كما عاش فيها أصحاب أهواءٍ وابتداعٍ، أدخلوا على الإسلام والمسلمين أمورًا ليست من الدين، وفتحوا عليهم أبواب شرٍ عظيمٍ، ما زالت الأمة تعاني من آثاره إلى اليوم، ولكن أصحاب هذه البدع شكَّلوا حالاتٍ فرديةً شاذةً في أغلبها، لا تُمثِّل أهل تلك الحقبة الزمنية المباركة51؛ ولذلك فإن السبق الزمني ليس كافيًا في تعيين السلف؛ بل لا بد أن يُضاف إلى هذا السبق الزمني, موافقةَ الكتاب والسنة، فمن خالف رأيُه الكتاب والسنة، فليس بسلفيٍ وإن عاش بين ظهراني الصحابة والتابعين52؛ ولذا فمن المستحسن تقييدُ هذا المصطلح إما بالجمهور؛ ليخرج منهم الشواذ، أو بوصف السلف الصالح، ليخرج الطالح من أهل الأهواء, فتقييد لفظ السلف بالمفهوم المنهجي هو الضابط الأساس في تحديد مفهوم السلف, وما تقدم من حقبة تاريخية هي في الحقيقة راجعةٌ إليه ومُقيَّدةٌ به53.

ب- المفهوم المنهجي لمصطلح السلف: وهو إطلاق التعريف على منهجٍ محددٍ، غير مرتبطٍ بزمنٍ مُعينٍ؛ بل بالطريقة التي كان عليها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان، من التمسك بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، قولاً وعملاً54.

فالسلف بالمفهوم المنهجي هو: "مـــا كان عليه الصـــحابة الكــــرام رضي الله عنه، وأعيـــــان التـــــابعين لــــهم بإحسـان، وأتــــباعهم، وأئـــــمة الـــــدين ممن شُهد له بالإمــامة، وعُـــرف عــــــــظم شــــــأنه في الدين، وتلقى الناس كــــــلامهم خلفاً عن ســــلفٍ، دون من رُمي ببدعة، أو شُهر بلقبٍ غير مــــرضيٍ، مثل: الخوارج، والروافض، والقــــــدرية، والمــــرجئة، والجــــبرية55، والجــــــهمية، والمـــعتزلة، والكرَّامية56، ونـــحو هؤلاء"57, فمن تلبس بشيءٍ من هذه الأهواء والبدع فلا يُعد من السلف المقتدى بهم, ولو عاش في تلك القرون المفضلة, ويشهد لهذا المفهوم المنهجي ما ورد في بعض روايات حديث الافتراق، عندما قال صلى الله عليه وسلم  عن الفرقة الناجية:وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملةً، كلُّهم في النار إلا ملةٌ واحدةٌ، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي58، فالنبي صلى الله عليه وسلم  لم يربط الفرقة الناجية بما كان عليه أهل فترةٍ زمنيةٍ مُحددةٍ، وإنما بمنهجٍ واضحٍ محدد المعالم، وهو ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه رضي الله عنه، وهذا يشمل كل ما كانوا عليه في الاعتقادات والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك59.

وبناءً على ذلك فمفهوم السلف مرتبطٌ بهذا المنهج، وإنْ تأخَّر به الزمان، فمن التزمه فهو سلفيٌّ، وإن كان في العصور المتأخرة، قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله-: "هل يُمكن أن تكون السلفية في وقتنا الحاضر؟ نعم يمكن، ونقول: هي سلفيةُ عقيدة، وإن لم تكن سلفيةً زمناً؛ لأن السلف سبقوا زمناً، لكن سلفية هؤلاء سلفيةُ عقيدة؛ بل عقيدةٌ وعملٌ"60.

 وقال الشيخ محمد الحسن الشنقيطي61:" السلف هم كل من سار على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصرٍ من العصور"62.

والذي يُرجِّحه الباحث أنَّ التحديد الزمني ليس شرطًا في الانتساب للسلف؛ بل الشرط هو موافقةُ الكتاب والسنَّة في العقيدة والأحكام والسلوك وفق الضوابط التي سار عليها السلف, فكلُّ من وافق الكتاب والسنة فهو من أتباع السَّلف، وإن باعد بينه وبينهم المكان والزمان، ومن خالفهم فليس منهم وإن عاش بين ظهرانيهم63, ومصطلح السلف بهذا الاعتبار يرادف مصطلح أهل السنة والجماعة وهم المجتمعون على التمسك بالكتاب والسنة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى المتبعين لهم, ومن سلك سبيلهم في القول والعمل والاعتقاد إلى يوم الدين64, وكذلك يُطلق على السلف الصالح رضي الله عنه، عدة تسمياتٍ وألقابٍ، كلُّها أُخذت من أوصافهم التي وردت على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم, وتدلُّ على حالهم, وتُطابق منهجهم، ومن هذه التسميات والألقاب: أهل السنة والجماعة, وأهل الأثر أو الأثرية، وأهل الحديث، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.