وجوبُ تجنُّبِ العالم والواعظِ إملال السّامعين للدّروس والمواعظ
|

أضيف فى 1438/06/24 الموافق 2017/03/23 - 05:19 م

 

إنّ طالب العلم يعلمُ أنّ العلم يدعو إلى العمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، ولذا فإنّه يُدرك أنّ من أوجب واجبات الدين: تبليغه للنّاسِ وتعليمهم أحكامه وأوامره ونواهيه، لكن يُخشى أنّ طالب العلم، في غمرة سعيه للقيام بالبلاغِ والبيان قد لا ينتبه إلى ما ينبغي عليه الانتباه إليه، من مراعاة أحوال السّامعين، فلا يُثقل عليهم بالمواعظ والدروس الطويلة المتوالية، متعجّلاً سرعة تعلُّمهم وإدراكهم، فإنّ ذلك قد يُحدث نتيجةً عكسيّة، تتمثّل في أن يغرس في نفوسهم السّآمة والتَّضجُّر من سماع دروس العلم، وأن يدفعهم دفعاً إلى الخروج من المسجد، فلا يرغبون في المكث فيه عقب الصّلوات.

وقد أخرج ابن عبد البرّ، في "جامع بيان العلم وفضله"، بسنده عن الْأَعْمَش قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنِّي لَأُخْبَرُ بِمَجْلِسِكُمْ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا))[1]، فتأمّل في حال هذا الصحابي الجليلِ، وأنّه ليس هناك من يفوقه رغبةً وحماسةً في تعليم الناس العلمَ، وقد جاء الطّلابُ ينتظرون خروجه إليهم، لكنّه أبطأ عنهم، ثمّ خرج ليُعلّمهم هذا الأدب النّبويّ الرّفيع من آداب طالب العلم.

وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: ((كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا))[2].

وهذا درسٌ آخر، من أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، يورده الخطيب البغداديّ، ضمن ما رواه بسنده، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: (أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقَالَتْ: أَعُمَيْرُ بْنُ قَتَادَةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: "أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَجْلِسُ وَيُجْلَسُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى قَالَتْ: فَإِيَّاكَ وَإِمْلَالَ النَّاسِ وَتَقْنِيطَهُمْ")[3].

وأخرج الإمام السمعانيُّ، بسنده عن أَبي الْعَبَّاسِ مُحَمَّد بْنِ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، يقول: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنَ مُزَيْدٍ الْبَيْرُوتِيُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: ((الْمُسْتَمِعُ أَسْرَعُ مَلالَةً من الْمُتَكَلّم))[4]. فهذا تنبيهٌ إلى طالب العلمِ: أنّ انكبابه في البيان والتّبليغ، وتدريس العلم الشّرعيّ، لا ينبغي أن يشغله عن مراعاة هذه الحقيقة، وهي أنّ السّامع بطبيعته أسرعُ ملالةً من المتكلّم.

كما أخرج الخطيب البغداديّ، عن معمر، قال: (سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: «إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ»)[5].

قال السمعانيّ: (فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ: مَنْ أَطَالَ الْحَدِيثَ وَأَكْثَرَ الْقَوْلَ، فَقَدْ عَرَّضَ أَصْحَابَهُ لِلْمِلالِ وَسُوءِ الاسْتِمَاعِ، وَلأَنْ يَدَعَ مِنْ حَدِيثِهِ فَضْلَةً يُعَادُ إِلَيْهَا أَصْلَحُ مِنْ أَنْ يُفَضِّلَ عَنْهُ مَا يَلْزَمُ الطَّالِبَ اسْتِمَاعَهُ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ فِيهِ وَلا نَشَاطٍ لَهُ)[6].

وكلُّ هذه المعاني، ممّا انتبه إليه التربويّون وعلماء النفس المعاصرين، ونبّهوا إليه، فلله درُّ علماء السّلف الكرام، من علماء أجلّاء، نصحوا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم، وخصُّوا طلاب العلم بالنُّصح البليغ، لأنّهم القدوات الذين يأخذ الناس عنهم أمور دينهم.

 المراجع

[1] جامع بيان العلم وفضله (1/ 435).

[2] صحيح البخاري (70).

[3] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 128).

[4] أدب الإملاء والاستملاء (ص: 67).

[5] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 128).

[6] أدب الإملاء والاستملاء (ص: 66).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين يدعو إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء المملكة الاثنين القادم
دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء المملكة يوم الاثنين القادم الموافق 30 من شهر ربيع الأول 1439هـ حسب تقويم أم القرى.
أمير المدينة: جائزة نايف بن عبدالعزيز أبرزت محاسن الدين الإسلامي
أكد صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة أن جائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة أسهمت في دراسة الواقع المعاصر للعالم الإسلامي وحققت في ذلك الفائدة على المستوى الداخلي والخارجي , مشيرا إلى دور الجائزة الهام في إثراء البحوث العلمية المؤصلة وإبراز محاسن الدين الإسلامي الحنيف وكونه صالح لكل زمان ومكان ويخدم التقدم والرقي الحضاري للبشرية.
د الفنيسان: من يفكر في نعم الله عليه سيجد شكر الله واجبًا
أكد فضيلة الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض، سابقا، على أهمية الشكر كأحد السمات التي يجب أن يتمتع بها المسلم، مهما كانت ظروفه وأحواله، مشيرًا أنه على أي حال أفضل من غيره.
أ. د. المطلق: الحدود جوابر لمن تاب، تطهره من الإثم
حذر فضيلة الأستاذ الدكتور عبدالله بن محمد المطلق، عضو هيئة كبار العلماء، من تتبع عورات الناس، ومحاولة نشر فضائحهم، مشيرًا إلى أن المولعين بنشر فضائح الناس لهم نصيب من قوله تعالى:{إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة } [النور:19].
تحديد سن المحرم للمرأة في السفر
فإن شريعة الله سبحانه وتعالى صانت المرأة في سفرها كما أعطتها حقها الأوفر في حضرها، وكان من صيانتها للمرأة في سفرها اشتراط محرم يصحبها في السفر.
من الدِّلالات الفقهيّة لأحداث الغزوة الكبرى
إنّ أحداث غزوة بدر الكبرى، حافلةٌ بشتّى الدّلالات العقديّة والفكريّة والتربويّة والفقهيّة، فيما يلي نسلط الضوء خاصّةً على بعض الدلالات الفقهيّة التي يمكن استنباطُها من سياق أحداث هذه الغزوة، وذلك على النحو التالي:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م