الإسلام والعمل (1/2)
|
الملتقى الفقهي- د.محمد إبراهيم الحمد
أضيف فى 1438/06/22 الموافق 2017/03/21 - 08:27 ص

الإسلام دين العزة، والكرامة، ودين السمو، والارتفاع، ودين الجد، والاجتهاد؛ فليس دين ذلة ومسكنة، ولا دين كسل وخمول ودعة.

ولقد تبوَّأ العملُ قيمةً حضاريةً عاليةً، ونظرة متميزة في الدين الإسلامي؛ فقد رسم له الإسلام منهجًا رائعًا متكاملًا، يقوم على مراعاة التوازن بين حقوق العمال، وحقوق أصحاب العمل على حد سواء.

ويؤكدُ سبقَ الإسلام في الدعوة إلى مراعاة حقوق الإنسان وتكريمه، والرفع من شأنه؛ ليكون عضوًا فاعلًا في هذه الحياة.

ولقد كان نظام العمل من الأمور التي أولتها الحضارة الإسلامية رعاية واهتمامًا، وذلك بمتابعة المستجدات حول هذا النظام، ومواكبتها بالأحكام والضوابط، والحرص على مراعاة احتياجات العامل وصاحب العمل.

وكان من بوادر تنظيم العمل في الإسلام نظرة التكريم للعاملين، والدعوة الصريحة إلى العمل المهني، واعتباره وسيلةً شريفةً ساميةً لكل قادر عليه، وسمةً من سمات المسلمين المنتسبين للعيش في حياة كريمة.

ولقد كانت دعوة الإسلام إلى العمل صريحة قوية، وذلك من خلال ورود تلك الدعوة في كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية.

وسيتضح من خلال ما يلي ما يؤكد ذلك.

أولًا: دعوة القرآن الكريم إلى العمل:

لقد تظاهرات الآيات القرآنية المؤكدة على مشروعية العمل، وأهميته، ومدى الحاجة إليه.

ولقد تنوعت دلالة تلك الآيات تنوعًا كثيرًا يؤكد مكانة العمل في الإسلام، وإليك طرفًا مما ورد في القرآن الكريم بشأن العمل.

1- أن تلك الدعوة جاءت بصيغة الحث على المشي في الأرض؛ والضرب فيها، والسعي والانتشار؛ ابتغاء الرزق الحلال: قال الله- تعالى-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

وقال الله- تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {9} فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة].

وقال- عز وجل-: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10].

وقال- جل وعلا-: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11].

2- أن القرآن ارتفع بالعمل، والسعي في طلب الرزق إلى مصاف العبادات الكبرى؛ حيث قرنه بالجهاد في سبيل الله، قال- عز وجل- في معرض الثناء على المؤمنين: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].

3- أن القرآن أشاد بعمل اليد، وعده نعمةً يُستوجب شكرها، قال- عز وجل-: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يس: 35].

4- أن القرآن نوَّه بشأن كثير من الصناعات الضرورية للحياة، كما في قول الله- عز وجل-: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

وقال ممتنًا على نبيه دواد- عليه السلام-: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ].

والسابغات: هي الدروع، كما في قوله- تعالى- عن داود- عليه السلام-: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80].

وقال- عز وجل- في صناعة الجلود: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل: 80].

وقال في صناعة الأكسية: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل 80].

أي: من أصواف جلود الأنعام، وأوبارها، وأشعارها.

وأشار القرآن إلى اتخاذ البيوت مساكن كما في قوله- تعالى-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

وفي بناء القصور يقول- عز وجل-: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف: 74].

وقال آمرًا نوحًا- عليه السلام- بصناعة الفلك: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37].

وقال مثنيًا على خاصة المؤمنين: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} [النور: 37].

فلم يقل إنهم لا يتاجرون، وإنما ذكر أن التجارة لم تكن تلهيهم عن ذكر الله وإقامة الصلاة.

فهذه الآيات وغيرها كثير تُعَدُّ دعوة إلى العمل، والحث عليه، وتؤكد مشروعية اتخاذ الأسباب، والاكتساب المباح عن طريق العمل على اختلاف أنواعه.

ثانيًا: الدعوة إلى العمل في السنة النبوية:

لقد جاءت السنة القولية والعملية بالدعوة إلى العمل، وإلى تغيير النظرة الخاطئة لدى العرب قبل الإسلام، سواء بالتوجيه المباشر من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بتطبيق أمور يُخالِف بها مفهومًا شائعًا عند الناس؛ حتى يرى أصحابه ذلك منه، ومن ثم يقتدون به، وينقلون ذلك عنه إلى الناس.

ولقد خَصَّصت معظم كتب السنة أبوابًا عن الكسب والعمل باليد؛ فقد أفرد الإمام البخاري قي كتابه الصحيح بابًا سماه (باب في كسب الرجال، وعمله بيده).

كما وضع ابن ماجة في سننه بابًا (في الحث على المكاسب) وبابًا (في الصناعات) ووضع الدارمي في سننه بابًا سماه (باب في الكسب، وعمل الرجل بيده).

وغيرهم كثير من أصحاب الكتب التي دونت السنة النبوية.

وقد أوردوا تحت هذه الأبواب العديد من الأحاديث التي تحث المسلمين على العمل، واكتساب المال عن طريق بعض الأعمال والحرف.

ومن الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن ما روته أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا عمال أنفسهم، وأنه كان يكون لهم أرواح؛ فقيل لهم: لو اغتسلتم. متفق عليه.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه، وأهله، وولده، وخادمه فهو صدقة». أخرجه ابن ماجة.

وفي مواضع كثيرة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العمل من أشرف وسائل الارتزاق، وفي هذا الصدد يقول: «أن خير الكسب كسب يدي عامل إذا نصح». أخرجه أحمد.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدث كثيرًا إلى أصحابه حديثًا يحبب إليهم العمل، ويحثهم عليه؛ فكان يذكِّر أصحابه بأنه كان يعمل بالرعي، وأن الأنبياء- عليهم السلام-

كانوا يحترفون لأنفسهم؛ للكسب والتعفف عن أموال الناس؛ حيث كان لكل واحد منهم حرفة يعيش بها؛ فكان آدم حراثًا وحائكًا، وكان إدريس خياطًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان أيوب زراعًا، وكان يونس وشعيب ومحمد- عليهم السلام- رعاة للغنم.

بل يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما من نبيٍّ إلا رعى الغنم، وقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة على قراريط». رواه البخاري.

يتبع الجزء الثاني.

ملحوظة

هذا الموضوع يمثل الفصل الحادي والعشرين، من مختصر الكتاب الموسوم بـ: (الإسلام: حقيقته-شرائعه- عقائده- نظمه)، للشيخ الدكتور محمد إبراهيم الحمد، وهو البحث الفائز بالمركز الأول للمسابقة العالمية (هذا هو الإسلام) التي تنظمها الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام، التابعة لرابطة العالم الإسلامي، وقد خصَّ الشيخ الملتقى الفقهي وشبكة رسالة الإسلام، بنشر هذه المادة القيمة. فجزاه الله خير الجزاء.

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"الثبيتي": للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه
تحدّث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي؛ عن قرب انتهاء شهر رمضان والسعادة لمَن صام رمضان، وأن نعمة التوفيق لصيامه وقيامه من أجلّ النعم لا تستقصى خيراته ولا تحصى نفحاته، قال الله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر شوال مساء السبت
دعت المحكمة العليا إلى تحري رؤية هلال شهر شوال لهذا العام 1438هـ، مساء يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رمضان الجاري. جاء ذلك في إعلان للمحكمة فيما يلي نصه:
معرض للإطعام الخيري بساحات المسجد الحرام
أقامت إدارة الساحات بالتعاون مع لجنة السقاية و الرفادة بإمارة منطقة مكة المكرمة معرضاً للإطعام الخيري المقدم في ساحات المسجد الحرام بحضور رئيس اللجنة التنفيذية للجنة السقاية و الرفادة بمنطقة مكة المكرمة ومنسوبي إدارات الساحات.
نماذج من رفق النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمخالفين
السيرة النبوية حافلة بنماذج كثيرة من رفق النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمخالفين من سائر الطبقات، وإليك هذين المثالين في هذا الشأن:
الإسلام والتسامح
الإسلام -كما هو معلوم- هو الدين الخاتم، وهو رسالة الله الأخيرة للبشرية، فلا غرو أن تكون تلك الرسالة شاملة عامة صالحة لكل زمان، ومكان وأمة -كما مرَّ-.
الإسلام والسَّلام
الحديث ههنا سيتناول قضايا حيَّة، يكثر حولها الجدل، ويشيعُ الجهل بموقف الإسلام منها عند كثير من النَّاس الذين لم يدرسوا حقائق الإسلام، ولم يرجعوا إلى مصادره الأصليَّة التي تُجلِّي تلك القضايا، ولا إلى تاريخه المجيد الذي كان يعطي صورة صادقة لما كان عليه المسلمون من العدل، والرحمة، والتسامح، مع ملاحظة أن تلك القضايا متقاربةٌ، داخلٌ بعضها في بعض.
1234
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م