سوء الفهم في تطبيق الشريعة وأثره في نشر التطرف والعنف (غزة نموذجاً)*
|
أ.عبدالقادر خليل الشطلي
أضيف فى 1438/06/21 الموافق 2017/03/20 - 08:48 ص

مقـدمـة

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الصالحين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

فقد كثر الحديث في هذه الأيام عن أهمية تطبيق الشريعة الإسلامية وضروتها, وإقامة الحدود على الجناة, ومرتكبي الجرائم, والفواحش, والمنكرات , وتعالت أصوات الغيورين على الشريعة الإسلامية مطالبة بضرورة تطبيقها, ويعتقد أولئك الغيورون على تطبيق الشريعة أنه بمجرد وصول الجماعة المسلمة _ أو بتعبير العصر " الحركة الإسلامية " إلى سدة الحكم , فعليها أن تباشر بتطبيق الأحكام الشرعية كافة , وعلى وجه الخصوص ما يسمى في شريعتنا بالحدود , دون أن تتوفر المناخات المناسبة لذلك , ودون أن يسبق ذلك خطوات تمهد لتطبيق الحدود على الجناة , وأنهم إذا لم يروا أيد تقطع , وأعناقاً تضرب , وأجساداً تجلد أو ترجم، فإن ذلك يعني عندهم أن الحركة الإسلامية مقصرة وأنها _ والعياذ بالله _ قد انحرفت عن المسار , وخرجت عن شرع الله ومنهجه , حتى أن بعضهم وصل به الأمر إلى تكفير قادة العمل الإسلامي وإخراجهم من الملة , وهذا راجع _ كما أرى _ إلى سوء فهم هؤلاء لمعنى الشريعة والفرق بينها وبين الحدود من جانب , والفرق بين الشريعة كونها كوحياً منزلاً من عند الله والتطبيق كونه فعلاً بشرياً اجتهادياً من جانب ثانٍ, وسوء فهم الواقع وما يكتنفه من معوقات, وموانع تعوق أو تمنع من تطبيق الحدود من جانب ثالث , وسوء فهم النصوص وتنزيلها على الواقع والتدرج في التطبيق من جانب رابع أخير.

لذا آثرت كتابة هذا البحث _ والمشاركة في هذا المؤتمر المبارك _ محاولة متواضعة مني للرد على الشبهات التي يثيرها هؤلاء الشباب المتحمسون لتطبيق الشريعة الإسلامية , ووضع الأمور في نصابها دون إفراط أو تفريط.

هذا.. وقد جاءت خطة هذا البحث في مقدمة, وأربعة مباحث, وخاتمة على النحو التالي:

أما المقدمة فقد تحدثت  فيها عن أهمية الموضوع وخطورته, والدوافع التي دفعتني لاختياره والكتابة فيه , وأما المباحث التي اشتمل عليها البحث فهى:

المبحث الأول: مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول : الشريعة في اللغة والاصطلاح.

المطلب الثاني: أقسام الأحكام الشرعية.

المطلب الثالث: شمول الشريعة الإسلامية.

المطلب الرابع: الفرق بين الشريعة وتطبيق الشريعة.

المبحث الثاني: مكانة الحدود في الإسلام , وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: الحدود لغة واصطلاحاً.

المطلب الثاني: أهمية تطبيق الحدود, والحكمة من تشريعها.

المطلب الثالث: العلاقة بين الشريعة والحدود.

المطلب الرابع: متى تطبق الحدود؟.

المبحث الثالث: معوقات تطبيق الشريعة وموانعها, وفيه مطلبان:

الأول: معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية.

الثاني: موانع تطبيق الشريعة.

المبحث الرابع: التدرج في التطبيق لا التدرج في التشريع, وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: مفهوم التدرج وأدلة مشروعيته.

المطلب الثاني: التدرج عند سلف الأمة وعلمائها.

المطلب الثالث: الحكمة من مشروعية التدرج.

المطلب الرابع: ضوابط التدرج.

وأما الخاتمة, فقد تحدثت فيها عن النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية

المطلب الأول: الشريعة في اللغة والاصطلاح

الشريعة لغةً: من شرع " الشريعة مشرعة الماء وهي مورد الشاربة. والشريعة أيضاً ما شرع اللهُ لعباده من الدين وقد شَرَع لهم أي سَنَّ, وبابُهُ قطع والشرعةُ الشريعة, ومنه قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"[1].

وعليه؛ فإن الشريعة في اللغة وردت بمعنيين:

أحدهما: " الطريقة المستقيمة, ومنه قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون[2].

والثاني: مورد الماء الجاري الذي يقصد للشرب، ومنه قولهم: شرعت الإبل، إذا وردت شريعة الماء.

ثم أطلق لفظ الشريعة في لسان الفقهاء على الأحكام التي سنها الله لعباده ليكونوا مؤمنين عاملين على ما يسعدهم في الدنيا والآخرة "[3].

الشريعة اصطلاحاً:ما شرع الله لعباده من الدين، أي من الأحكام المختلفة، وسُميت هذه الأحكام شريعة لاستقامتها ولشبهها بمورد الماء؛ لأنَّ بها حياة النفوس والعقول كما أنَّ في مورد الماء حياة الأبدان.

والشريعة والدين والملة بمعنى واحد، وهو ما شرعه الله لعباده من أحكام، ولكن هذه الأحكام تسمى شريعة باعتبار وضعها وبيانها واستقامتها، وتسمى ديناً باعتبار الخضوع لها وعبادة الله بها، وتُسمى ملة باعتبار إملائها على الناس.

وعلى هذا فالشريعة في الاصطلاح الشرعي هي: " الأحكام التي شرعها الله لعباده، سواء أكان تشريعها بالقرآن أم بسنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير.

فالشريعة الإسلامية إذن، في الاصطلاح ليست إلا هذه الأحكام الموجودة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية والتي هي وحي من الله إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ليبلغها إلى الناس" [4].

المطلب الثاني: أقسام الأحكام الشرعية

أولاً: من حيث التفصيل والعموم "الإجمال":

"أحكام الشريعة نوعان: الأول جاء على شكل أحكام تفصيلية، والثاني على شكل قواعد ومبادئ عامة، وكلا النوعين جاء على نحو يوافق كل مكان وزمان، ويتفق مع عموم الشريعة وبقائها، وهاك البيان بإيجاز.

النوع الأول: الأحكام التفصيلية، وهذه إما أن تتعلق بالعقيدة أو بالعبادات أو بالأخلاق أو ببعض المسائل الخاصة بعلاقات الأفراد فيما بينهم.

النوع الثاني:  جاء على شكل قواعد ومبادئ عامة لا يمكن أن تضيق بحاجات الناس،كما لا يمكن أن تتخلف عن أي مستوى عال تبلغه الجماعة، مثل مبدأ الشورى في الحكم، ومبدأ العدل والمساواة، وقاعدة " لا ضرر ولا ضرار"... إلى غير ذلك من المبادئ والقواعد العامة التي لا غنى للناس عنها " [5].

ثانياً: من حيث العقاب والجزاء:

تنقسم أحكام الشريعة الإسلامية من حيث العقاب والجزاء إلى قسمين:

الأول: العقاب والجزاء فيها أخروي، كعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف والصلاة من غير طهارة، والصيام مع الغيبة والنميمة، والحج مع الرفث والفسوق، والزكاة باختيار ردئ المال والغش، والاستغلال والظلم، والاحتكار والإضرار بالزوجة، إلى غير ذلك من المخالفات الشرعية [6].

ثم يعلق الدكتور وهبة الزحيلي بعد ذكره لتلك الأمثلة بقوله: " وعدم العقاب الدنيوي لا يعني الإباحة أو الحل، فإن العقاب الأخروي أشد وأنكى، وأخطر وأدوم.."[7].

الثاني: العقاب والجزاء فيها دنيوي، وهي كل مخالفة شرعية توجب على صاحبها حداً أو قصاصاً، أو يستحق مرتكبها التأديب فيما دون الحد كالجنايات التي يترك تقدير عقوبتها لولي الأمر ما يسمى في الفقه الإسلامي بالتعزيرات وهي العقوبات غير المقدرة شرعاً كالأكل في نهار رمضان، وترك الصلاة في رأي الجمهور، وتقبيل المرأة الأجنبية أو المفاخذة، وسرقة ما دون النصاب الشرعي, والقذف, والسب, والإيذاء بغير ألفاظ القذف "[8].

المطلب الثالث: شمول الشريعة الإسلامية

من المعروف أن الشريعة الإسلامية نظام شامل لجميع شؤون الحياة, فهي ترسم للإنسان سبيل الإيمان، وتبين له أصول العقيدة وتنظم صلته بربه، وتأمره بتزكية نفسه، وتحكم علاقاته مع غيره، وهكذا لا يخرج من حكم الشريعة أي شيء.

وعلى ضوء هذا الشمول يمكن تقسيم أحكام الشريعة إلى ثلاث مجموعات:

الأولى: الأحكام المتعلقة بالعقيدة كالإيمان بالله واليوم الآخر، وهذه هي الأحكام الاعتقادية، ومحل دراستها في علم الكلام * أو التوحيد.

الثانية: الأحكام المتعلقة بالأخلاق كوجوب الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وحرمة الكذب، والخيانة ونقض العهد، وهذه هي الأحكام الأخلاقية، ومحل دراستها في علم الأخلاق أو التصوف.

الثالثة: الأحكام المتعلقة بأقوال الإنسان وأفعاله في علاقاته مع غيره وهذه هي الأحكام العملية، وقد سميت فيما بعد  "بالفقه" ومحل دراستها علم الفقه [9].

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي وهو يتحدث عن شمولية الإسلام: " فالإسلام عقيدة تلائم الفطرة، وعبادة تغذي الروح، وخُلقٌ تزكو به النفس، وأدب تجمل به الحياة، وعمل ينفع الناس، ودعوة لهداية العالم، وجهاد في سبيل الحق والخير، وتواصٍ بالصبر والرحمة، كما أنه في الوقت نفسه – تشريع يضبط سير الحياة وينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه، وعلاقته بدولته، وعلاقة دولته به، وعلاقتها بالدول الأخرى مسالمة ومحاربة.

إن الإسلام توجيه, وتربية, وتكوين للفرد الصالح، وللمجتمع الصالح، قبل أن يكون قانوناً وعقاباً.

إن العقاب للمنحرفين من الناس، وهؤلاء ليسوا هم الأكثرين، وليسوا هم القاعدة، بل هم الشواذ عن القاعدة.

والإسلام لم يجئ لعلاج المنحرفين أساساً، بل لتوجيه الأسوياء، ووقايتهم أن ينحرفوا.

والعقوبة ليست هي العامل الأكبر في علاج الجريمة في نظر الإسلام, بل الوقاية منها بمنع أسبابها هو العامل الأكبر، فالوقاية دائماً خير من العلاج " [10].

 المطلب الرابع: الفرق بين الشريعة وتطبيق الشريعة

عند الحديث عن تطبيق الشريعة لا بد لنا من التفريق بين الشريعة التي هي كما بينا _ في المطلب الأول _: " الأحكام التي شرعها الله لعباده , سواءً أكان تشريع هذه الأحكام بالقرآن أم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير " , وبين تنزيل هذه الأحكام على الواقع , فالشريعة دين لا يجوز الاجتهاد بخلافها , وبين تنزيل هذه الأحكام على الواقع التي يجوز الاجتهاد فيها عند تنزيل النصوص الشرعية على الوقائع , " فالوحي ثابت , والواقع متغير , والفقيه وسيط بينهما , يلحق الفروع بالأصول , وينزل الأحكام على الوقائع , بناءً على قواعد الاستنباط والقياس , والعرف والمصلحة , والاستحسان ونحو ذلك " [11]. *

وعليه فما يراه البعض من تعطيل للحدود وعدم تطبيقها , وأنه يتنافى مع تطبيق الشريعة الإسلامية هو في الحقيقة تطبيق للشريعة.

فعمر - رضي الله عنه - عندما أوقف قطع يد السارق عام الرمادة , لا يعد تعطيلاً للشريعة, بل ما فعله عمر - رضي الله عنه - هو تطبيق للشريعة التي دعت إلى مراعاة ظروف الناس, ودعت إلى درء الحدود بالشبهات, وكذلك عدم إقامة الحدود في الغزو, أو السفر, وتأجيل إقامتها لا يعد تعطيلاً للشريعة مما سأتحدث عنه بشيء من التفصيل في المباحث التالية.

وعليه إذا اعترض تطبيق الحدود معوقات وموانع تمنع من تطبيقها أو تستدعي درأها أو تأجيل إقامتها؛ فإن ذلك لا يعد تعطيلاً لتطبيق الشريعة , بل هو في الحقيقة تطبيق للشريعة , ولا يصح بحال من الأحوال أن يتهم بعض الغيورين على الدين القائمين على الحكم بالقصور والتهاون في تطبيق الشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: مكانة الحدود في الإسلام

المطلب الأول: الحدود لغةً واصطلاحاً:

الحد لغةً: الحدُّ: الحاجزُ بين الشيئين، وحَدُّ الشيءِ منتهاه، والحدُّ: المنعُ، ومنه قيل للبواب " حَدَّادٌ " وللسجان أيضاً, إمَّا لأنه يمنعُ عن الخروج أو لأنه يُعالجُ الحديدَ من القيود "[12].

وسُميت العقوبات حدوداً، لكونها مانعة من ارتكاب أسبابها، وحدود الله: محارمه؛ لأنها ممنوعة،

بدليل قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون[13]".

وحدود الله أيضاً: أحكامه؛ أي ما حده وقدره، فلا يجوز أن يتعداه الإنسان، وسميت حدوداً؛ لأنها تمنع عن التخطي إلى ما وراءها، بدليل قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُالظَّالِمُون" [14].

الحد اصطلاحاً:

الحد في الشرع في اصطلاح الحنفية: "عقوبة مقدرةً واجبة حقاً لله تعالى"[15]، فلا يُسمى التعزير حداً، لأنه ليس بمقدر، ولا يُسمى القصاص أيضاً حداً؛ لأنه وإن كان مقدراً، لكنه حق العباد فيجري فيه العفو والصلح، وسميت هذه العقوبات حدوداً؛ لأنها تمنع من الوقوع في مثل الذنب.

والمراد من كونها حقاً لله تعالى: أنها شرعت لصيانة الأعراض, والأنساب, والأموال, والعقول, والأنفس من التعرض لها غير أن بعض هذه الحدود كحدي الزنى وشرب الخمر حق خالص لله تعالى، أي حق للمجتمع، وبعضها الآخر مثل حد القذف فيه حق لله، وحق للعبد، أي أنه يشترك فيه الحق الشخصي والحق العام.

والحدُّ في اصطلاح الجمهور غير الحنفية: عقوبة مقدرة شرعاً، سواءً أكانت حقاً لله أم للعبد.

وعليه فالحدود عند الحنفية خمسة وهي: حد السرقة، وحَدُّ الزنى، وحَدُّ الشرب وحَدُّ السُّكر، وحَدُّ القذف.

وعند غير الحنفية "الجمهور" فهي سبعة يُضاف إليها – غير ما ذُكر عن الحنفية – حَدُّ القصاص، وحَدُّ الردة "[16].

المطلب الثاني: أهمية تطبيق الحدود والحكمة من تشريعها

إن الحكمة من تشريع الحدود هي زجر الناس وردعهم عن اقتراف تلك الجرائم، وصيانة المجتمع عن الفساد، والتطهر من الذنوب[17].

يقول الدكتور وهبة الزحيلي رداً على الذين يتهمون الإسلام بالقسوة وأن عقوبة القطع في حدي "السرقة والحرابة " لا تتفق مع المدنية والتقدم: " ألا يتساءل هؤلاء أيهما أهون على المجتمع: أن تقطع يَدٌ أو يدان في كُلِّ عام، وتختفي السرقة، ولا تقطع يد بعد ذلك، ويعيش الناس مطمئنين على أموالهم وأنفسهم، أم يحبسُ, ويسجن, ويحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة والمؤبدة في جريمة السرقة وحدها، في أغلب الدول، عشرات الآلاف كل عام، ثم لا تنقضي السرقة؛ بل تزداد وتتنوع وتستفحل، فما زلنا نسمع عن مصارف بأسرها تسرق، وقطارات تنهب في وضح النهار، وخزائن تسلب، وجرائم على الأموال تصحبها جرائم على الأشخاص, والأعراض لا تقع تحت حصر، ولا يكاد يلاحقها علم ولا فن ولا سلطة.

ثم إن الجرائم الخطيرة لا يفلح في صدها ومقاومة أخطارها إلا عقوبات شديدة فعالة، فاسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوماً بالرخاوة والضعف، والعقاب الناجح هو ذلك الذي ينتصر على الجريمة، وليس ذلك الذي تنتصر عليه الجريمة.

وقد أثبت التاريخ أن المجتمع الإسلامي عندما طبق الحدود، عاش آمناً مطمئناً على أمواله, وأعراضه, ونظامه، حتى إنَّ المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحَدِّ عليه رغبةً في تطهير نفسه والتكفير عن ذنبه.

... ومع ذلك فلا يغرب عن البال أنَّ الإسلام حريصٌ كُلَّ الحرص على ألا يقام الحد، إلا حيث يتبين على وجه اليقين ثبوت ارتكاب الجرم، وذلك بتشدده في وسائل الإثبات. ثم إنه بعدئذٍ يدرأ الحد بالشبهات، تفادياً لتوقيع الحدود إلا في حالات استثنائية محضة، ويكفي توقيعها في هاتيك الحالات حتى يتحقق أثرها الفعال في منع الجريمة وتضييق الخناق عليها إلى أقصى حَدٍّ ممكن.

بل إن تطبيق بعض الحدود كالجلد – بأصوله الشرعية – أَحبُّ إلى كثير من العصاة من الحبس في غياهب السجون مدة من الزمن، قلت أم كثرت. وأما الرجم فهو مجرد قتل بوسيلة إعلامية زاجرة تمثل انتقام المجتمع ممن سطا على الأعراض"[18].

المطلب الثالث: العلاقة بين الشريعة والحدود

مما سبق تتضح لنا العلاقة بين الشريعة والحدود، فالحدود جزء يسير من الشريعة الإسلامية التي هى خمسة على رأي الحنفية, أو سبعة على رأي الجمهور – كما سبق بيانه – أما الشريعة الإسلامية فهي تشمل الإسلام كله الذي هو نظام شامل لجميع شؤون الحياة، يشمل العقيدة، والعبادة، والأخلاق، وكل ما يحتاجه الإنسان في علاقته مع ربه، وعلاقته مع الكون وعلاقته مع أخيه الإنسان.

وكما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " وآيات الحدود – مع القصاص – في القرآن الكريم لم تبلغ عشر آيات، في حين أن أطول آية في القرآن نزلت في شأن من شؤون القانون المدني، وهي المتعلقة بكتابة الدين " [19].

وعليه فلا يجوز لنا أن نقزم الإسلام، ونحشره – فقط – في زاوية الحدود، وكأن الإسلام هو الحدود لا غير، وأن الذي لا يطبق الحدود لا يطبق الإسلام ولا يطبق الشريعة – كما يحلو لبعض الشباب المتحمس اليوم من أبناء الإسلام الغيورين على دينهم وشريعتهم.

المطلب الرابع: متى تطبق الحدود؟

يعتقد بعض الغيورين على الإسلام، وعلى الشريعة الإسلامية من الشباب المتحمس، الذي طالما تاقت نفسه إلى العيش في ظل حكم إسلامي، يعيش الناس في أفيائه وهم ينعمون بالأمن, والأمان, والعدل, والمساواة, وتجري فيه أحكام الشريعة الإسلامية على الجميع دون تفرقة بين قوي أو ضعيف، وغنيٍ أو فقير... إلخ.

يعتقد أولئك الشباب أنه بمجرد أن تصل الجماعة المسلمة – أو بتعبير العصر _ الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم، فعليها أن تباشر بتطبيق الأحكام الشرعية كافة وعلى وجه الخصوص ما يسمى في شريعتنا بالحدود دون أن تتوفر المناخات المناسبة لذلك، ودون أن يسبق ذلك خطوات تمهد لتطبيق الحدود على الجناة، وأنهم إذا لم يروا أيديَ تقطع، وأعناقاً تضرب، وأجساداً تجلد أو ترجم؛ فإن ذلك يعني عندهم أن الحركة الإسلامية مقصرة في ذلك، وأنها قد انحرفت – والعياذ بالله – عن المسار، وخرجت عن شرع الله ودينه

وهذا ما نسمعه اليوم من بعض هؤلاء الشباب  الغيور والمتحمس لدينه ولتطبيق الشريعة الإسلامية في غزة، والذين منذ أن آلت الأمور في غزة إلى الحركة الإسلامية، وألقي بالحكومة في حجرها وهم يطالبون الحكومة في غزة بمباشرة تطبيق الحدود، ويتهمونها بالقصور ومخالفة الشرع لعدم إعلانها المباشر والعلني عن عزمها لتطبيق الحدود الإسلامية على الجناة والعصاة.

و أقول لهؤلاء الشباب: حنانيكم، لا تستعجلوا قطف الثمرة قبل نضجها، ولا تقذفوا الحركة الإسلامية بتهمة التقصير في تطبيق الشريعة الإسلامية، والانحراف عن المسار، والخروج عن الشريعة والدين – كما تزعمون – وعليكم أن ترجعوا _ أولاً _ إلى كتب الفقه الإسلامي لتعرفوا متى تطبق الحدود ؟، وما هي المناخات المناسبة لتطبيقها ؟ وهل هي متوفرة الآن في غزة أم لا ؟ وكي ألقي بعض الضوء على ذلك، ولعل الرؤية تتضح لأولئك الشباب، سأتحدث عن تطبيق الحدود والمناخات المناسبة لذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: عدم حرص الإسلام الشديد على تطبيق الحدود الشرعية:-

على الرغم من أهمية تطبيق الحدود في زجر الناس وردعهم عن ارتكاب الجريمة، وصيانة المجتمع عن الفساد، والتطهير من الذنوب، إلا أننا نجد أن الإسلام لا يحرص حرصاً شديداً على تطبيقها.

يقول الدكتور وهبة الزحيلي – مؤكداً – ما قلته: إن الأخذ بمبدأ الستر على غير المجاهر بالمعصية، ودرء الحدود بالشبهات الكثيرة يؤديان إلى ندرة العقوبة، وعدم الحرص الشديد على تطبيقها.[20]

ويقول في - موضع آخر – مبيناً الحكمة من عدم حرص الإسلام على تطبيق الحدود: "و عدم الحرص من المشرع الإسلامي على إيقاع العقوبة ليترك المجال للإنسان لإصلاح عيوب نفسه وأخطائه بنفسه، لذا أمر الشرع بالستر على المخطئ غير المجاهر، فقد جاء في الحديث الصحيح: " ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة "[21]، وفي حديث آخر: " من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه، كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته " [22]. [23]

وتأكيداً على هذا المبدأ – أيضاً – يقول الزحيلي: " وتجوز الشفاعة في الحدود قبل بلوغها إلى الحاكم، ترغيباً في الستر ومنع إشاعة الفاحشة، وتحرم الشفاعة وقبولها في حدود الله بعد أن تبلغ الحاكم؛لقوله - صلى الله عليه وسلم -: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فهو مضادٌ الله في أمره...[24] وقصة إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على أسامة بن زيد شفاعته في حد السرقة على المرأة المخزومية معروفة مشهورة[25].

و لا توقع العقوبة أو يحكم بها إلا بعد انتفاء الشبهات المقررة فقهاً وشرعاً، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث عند ابن عدي عن ابن عباس "رضي الله عنهما": ادرؤوا الحدود بالشبهات[26]. [27]

وبناء على ما سبق يتضح لنا عدم حرص الإسلام الشديد على تطبيق الحدود؛ وأن الحالة الوحيدة التي تستوجب تطبيق الحد على المجرم هي حالة المجاهرة لما فيها من تعد صارخ على حدود الله عزوجل وتحد لمشاعر المسلمين.

وفي ذلك يقول الدكتور وهبة الزحيلي: "والحالة التي لا بد فيها من العقاب: هي حالة المجاهرة بالمعصية وإشاعة الفاحشة، والإصرار على الإقرار أمام القاضي، وإعلان الردة عن الإسلام المتضمن الخروج عن نظام الجماعة، والكيد للمجتمع وحرماته، والعمل على تقويض العقيدة الإسلامية بالترويج للشكوك والشبهات، جاء في الحديث الثابت:"أيها الناس من ارتكب من هذه القاذورات، فاستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته،أقمنا عليه الحد" [28]. [29]

ثانياً: ما يسبق تطبيق الحدود:-

قبل الشروع في تطبيق الحدود على المخالفين لا بد من القيام بأمور ضرورية تسبق تطبيق الحدود ، من إيجاد لمجتمع يحيا بالإسلام وللإسلام، وتوجيه وإرشاد للناس وبيان لأهمية الالتزام بالإسلام وتعاليمه وتحذيرهم من اقتراف الجرائم والمعاصي التي حرمها الله عز وجل على الناس لما لها من أضرار كبيرة، وآثارٍ وخيمة على المجتمع بأسره، وتوفير المناخات المناسبة لتطبيق الحدود.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " ومما نبهت وأنبه عليه دائماً أن تطبيق الشريعة ليس معناه إقامة الحدود فقط، ولا مجرد تغيير القوانين الوضعية بقوانين إسلامية، فالقوانين وحدها لا تصنع المجتمعات، نحن نريد للمجتمع أن يحيا بالإسلام، ويحيا للإسلام، ونصبغ حياته كلها بصبغة الإسلام، وهذا يحتاج إلى عمل تربوي، وعمل إعلامي، وعمل فكري، وعمل اجتماعي، وعلى كل المستويات، ولا بد أن تتعاون المؤسسات والأجهزة كلها على صناعة المجتمع المنشود، وهو لا يصنع بين عشية وضحاها، كما نبهت, وأنبه دائماً: أن الإسلام كلٌ لا يتجزأ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين[30].

و يقول في كتابه في فقه الأولويات: و مما وقع فيه الخلل هنا: أن معظم العاملين في الحقل الإسلامي – وبخاصة المتحمسون منهم – أولوا عناية كبرى لقضية ما أسموه " تطبيق الشريعة الإسلامية " يعنون الجانب القانوني من الشريعة، ولاسيما في العقوبات: أي الحدود، والقصاص، والتعازير.

وهذا الجانب جزء من الإسلام ولا ريب، ولا يجوز إغفاله أو الإعراض عنه. ولكن المبالغة في المطالبة به والحديث عنه، وعده رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، كان له آثار سيئة على التفكير الإسلامي، والعمل الإسلامي، وآثار أخرى على أفكار الناس العاديين، واستغل ذلك خصوم الإسلام وشريعته ودعوته، وطالما قلت: " إن القوانين وحدها لا تصنع المجتمعات، ولا تبني الأمم، إنما تصنع المجتمعات والأمم: التربية والثقافة، ثم تأتي القوانين سياجاً وحماية "[31].

و يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه " بينات الحل الإسلامي " مؤكداً على أهمية حل مشكلات المجتمع قبل البدء في تطبيق الحدود ما نصه: فالحل الإسلامي الذي ندعو إليه، وتتبناه الصحوة الإسلامية المعاصرة، وتيارها الوسطي المستنير، هو الذي ينبه ويؤكد، قبل تطبيق الحدود على علاج مشكلة البطالة، ومشكلة الفقر، ومشكلة الجهل، ومشكلة المرض، ومشكلات الزواج، والإسكان، والغلاء والكوارث، ومشكلة التفاوت غير المعقول بين الثراء الفاحش، والفقر المدقع وغيرها ويركز كل التركيز على ضرورة إقامة عدل الإسلام الاجتماعي، وتحقيق التكافل المادي والأدبي بين أبنائه وفئاته، وإشاعة الوعي الإسلامي، وإحياء الضمير الإسلامي بين أهله، وليس همه أن يقطع يد السارق، وإن لم يعلمه المجتمع من جهل، أو يؤويه من التشرد، أو يداويه من مرض، أو يؤمنه من خوف، أو يطعمه من جوع، إن الله جل وعلا، إنما طالب قريشاً أن يعبدوه سبحانه، بعد أن هيأ لهم أسباب الكفاية والأمن، فقال تعالى: " فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف " [32].

ويقول الدكتور وهبة الزحيلي مؤكداً على أهمية تهيئة المجتمع لقبول الحل الإسلامي وتطبيق الحدود ما نصه: " وطريقة الإسلام أو أسلوبه في الإصلاح يبدأ أولاً بالتوجيه والإقناع، والبرهان والبيان، والدعوة بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، والإرشاد الهادئ غير الثائر في الداخل، المعتمد على الإقناع ومناقشة أولئك الذين ألفوا تطبيق القوانين الغربية البعيدة عن فلسفة الإسلام وتصوراته.

وبالحكمة ونشر تعاليم الإسلام في أوساط الناس يمكن تحويل المجتمع بما فيه من طاقات خيرة عن تقاليده وموروثاته الاستعمارية، وتصوراته الغربية الدنيوية، إلى عدل الإسلام ورحمته الشاملة ويسره، وإسعاد الفرد والجماعة في عالمه القائم.                                                                                                                     ولا بد أيضاً من إصلاح أنظمة الحكم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بجعل الشورى أصلاً للحكم، والعدل والإنصاف رائداً للقضاء والسياسة فعلاً، لا مجرد شعار والعمل بقدر الإمكان على تحقيق الرخاء أو الرفاه الاقتصادي للجميع، وتوزيع الثروة العامة بالعدل، ومحاولة إنهاء مشكلة الفقر والبطالة ومحو الأمية، وتغيير معالم المجتمع الجاهلية، وإصلاح مناهج التربية والتعليم ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وإزالة كل ما فيها من تناقضات وإشكالات، حتى تزول الاضطرابات الفكرية، وتستأصل العقد لدى الشباب، وتبدد الشبهات والمشكلات الطارئة في الأوساط العامة، فإذا ما توافرت القاعدة الإسلامية، واستعد المجتمع نسبياً للعمل بالإسلام، وساد الاحترام لمبادئه وأحكامه، سهل حينئذٍ البدء بتطبيق أحكام الإسلام   وشرعه المتكامل الشامل، ووضع خطة شاملة لتنفيذ جميع أحكامه فور العمل بشريعة الله عز وجل، ودون تدرج.                                                                               

أما أن تصدر قوانين الحدود شكلاً ورسماً، ويعلق أو يجمد تطبيقها فعلاً أو أن نقتصر من تطبيق الإسلام على الحدود الشرعية، وترك الناس في متاهةٍ أو جهالةٍ أو مجاعةٍ أو غليان داخلي بسبب الحاجة والفقر، فذلك ليس من شرع الله ودينه الذي يراد له الهيمنة على كل شؤون الحياة، وربما كان الاقتصار على تطبيق الحدود الشرعية فقط وسيلة لتنفير الناس من الإسلام، وإظهار فشله وعدم صلاحيته أو العمل على تجزئة أحكامه، قال الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَالْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون[33].

كما لا بد أن يسبق تطبيق الحدود سد أبواب الفساد، ومنافذ الجريمة، حتى لا يكون لأحد من المجرمين عذرٌ في ارتكابها.

و في ذلك يقول الدكتور وهبة الزحيلي: و مما يجب الانتباه له أن الإسلام قبل تشريع الحدود، شرع تشريعات واقية من الوقوع في الجريمة، فأمر بالستر والحجاب, ونهى عن الاختلاط والخلوة بالمرأة، وأمر بالتبكير في الزواج، ومنع كل وسائل الإغراء والفتنة، ووفر للإنسان حاجياته بتهيئة فرص العمل، وتكافل المجتمع عند العجز والتعطل، ورغب في العمل، وجعل التكافل سبيلاً للتوجه نحو العمل والإنتاج، لا الإبقاء في دائرة العوز والكسل والاعتماد على الآخرين " [34].

كما لا بد أن يسبق تطبيق الحدود الإنذار والتحذير من اقترافها والتعدي عليها، فلا عقاب بدون بيان وإنذار وتحذير, وفي ذلك يقول الدكتور وهبة الزحيلي: إذا أردنا التوصل إلى غاية العقوبة فيجب تقديم البيان الكافي للإقناع بسلامة المبدأ أو تنفيذ الأحكام وطاعة الشريعة، فكما لا يصلح الإيمان بالقهر والإكراه من غير استدامة عليه، وكما لا يتعين الجهاد بالقتال، وربما كان الأفيد هو الإقناع والبرهان، والدعوة والإرشاد، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، كذلك لا يلجأ إلى العقاب دائماً ويقبح العقاب ولا يسوغ بحال بدون بيان أو إنذار أو تحذير، كما أن الثواب والجزاء لا يكون قبل التكليف الشرعي القائم على توافر الأهلية من العقل الكافي والبلوغ الجسدي، وإصدار الأوامر والنواهي وتعليل الأحكام الشرعية، وبيان الحكمة التشريعية، فإن كل العقلاء يستهجنون توجيه اللوم والعقاب، وتطبيق العقوبة والعذاب، دون سبق هداية أو إنذار " [35].

مما سبق من النقولات لكبار العلماء والفقهاء المعاصرين يتضح لنا أن تطبيق الحدود لا بد وأن يسبق بعدة أمور نجملها في النقاط التالية: -

1.    العمل على إيجاد مجتمع مسلم يحيا بالإسلام وللإسلام.

2. العمل بجد وإخلاص على حل المشكلات كافة التي يعاني منها المجتمع من فقر, وبطالة, وجهل, ومرض, وإسكان, وغلاء... إلخ.

3. تهيئة المجتمع لقبول الحل الإسلامي, وتطبيق الحدود, وذلك بالوعظ والإرشاد واستخدام الأساليب كافة التي تساعد على ذلك من تربية وتثقيف وإعلام.

4. سد أبواب الفساد, ومنافذ الجريمة وذلك بمنع التبرج والاختلاط في المجتمع، والتحذير من الخلوة بالمرأة وتشجيع الشباب على الزواج المبكر وتيسير سبله ومنع كل وسائل الإغراء والفتنة وتوفير الحاجات الأساسية للإنسان من مأكل, ومشرب, ومسكن... إلخ.

5. الإنذار السابق وتحذير العصاة والمذنبين من مغبة اقتراف جرائم الحدود, وأن من يبدى صفحته للناس ويجاهر بالمعصية سيقع تحت طائلة العقاب.

ثالثاً: مراعاة ظروف الناس:-

قلت أنفاً: إن تطبيق الحدود لا بد أن يسبق بحل مشكلات المجتمع من فقر, وبطالة, ومرض, وجهل, وإسكان, وغلاء، وألا يترك الناس - على حد تعبير الدكتور وهبة الزحيلي – في متاهةٍ أو جهالة أو مجاعة أو غليان داخلي بسبب الحاجة والفقر، فذلك ليس من شرع الله ودينه... وهذا ما أدركه الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وهاك مثالين على ذلك:-

المثال الأول – إيقاف قطع يد السارق عام الرمادة:-

إن أمير المؤمنين أوقف قطع يد السارق عام الرمادة رغم وجود الآية: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم [36]                                                                                          وعلق الدكتور إسماعيل كوكسال على ذلك بقوله: و ليس ذلك إلا لظروف صاحبت السرقة وجعلت الحكمة من تشريع القطع غير متحققة، وهو الجوع. وقد حدثت هذه الواقعة عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة وثبتت هذه السرقة, وكاد عمر يقطع أيديهم لولا أنه عرف أن سيدهم كان يجيعهم " [37].

ومما هو جدير بالذكر أن عام المجاعة ، ظرف زماني يغلب فيه وجود أفراد مضطرين على هذا النحو، فهو مظنة لوجوب الحق لهم على المجتمع، ولا ينظر في هذا لتحقق الضرورة فعلاً بالنسبة للشخص السارق، أو عدم تحققها حتى يقطع أو لا يقطع، فإن هذا موطن من مواطن الحدود، والحدود تدرأ بالشبهات، فيكفي أن يقول الحاكم: لعل هذا إنما سرق لضرورة ألجأته للسرقة، فتكون هذه شبهة قوية تدرأ عنه الحد.

أما لو كان العام ليس سنة مجاعة، وإنما هو عام يسر ورخاء، فإن هذه الشبهة لا تكون قوية، ولا يجوز درء الحد بها، لأن العبرة في الشبهة التي تدرأ بها الحدود إنما هي بقوتها، وتأييد الظروف لها " [38].

المثال الثاني: ارتكاب ما يوجب الحد لضرورة:

ومما يؤيد ما ذهبتُ إليه من مراعاة الصحابة الكرام لظروف الجناة، عدم إقامة الحد على من ارتكب ما يوجبه لضرورة، ومثال ذلك ما ذكره ابن القيم أن عمر - رضي الله عنه - أُتي بامرأة جهدها العطش فمرت على راعٍ فاستقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي رضي الله عنه: هذه مضطرة أرى أن يخلى سبيلها:  فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم[39]، فخلى عمر سبيلها.

ويعلق الدكتور وهبة الزحيلي على هذه الحادثة بقوله: " وهذا يتفق أيضاً مع مبدأ انتفاء القصد الجنائي، وتطبيق قاعدة رفع الحرج، ودرء الحدود بالشبهات " [40].

مما سبق يتضح لنا أن الصحابة الكرام كانوا يراعون ظروف الجناة, ولا يتعجلون في تطبيق الحدود، بل كانوا أحرص الناس على درئها بالشبهات.

 المبحث الثالث: معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية وموانعه

المطلب الأول

معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية

إن معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية تنقسم إلى قسمين، معوقات عامة تشترك فيها جميع بلدان العالم الإسلامي، ومعوقات خاصة تنطبق على واقع المجتمع الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص قطاع غزة الحبيب.

 القسم الأول:  المعوقات العامة: وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1. معوقات نفسية.    2. معوقات فكرية.     3. معوقات مادية.

أولاً: المعوقات النفسية:

لهذا النوع أسباب أذكرها في خمس نقاط على النحو التالي:ـ

أ. ضعف الإيمان عند بعض المسلمين، فتسليمهم للأمر الواقع، ثم تخليهم عن دورهم في الدعوة إلى الله وإقامة شرعه [41].

ب ـ التعصب المذهبي والفكري، وخصوصاً ما يكون بين المسلمين خارج الدول الإسلامية[42].

ج ـ الانتكاسات والهزائم التي تعرض لها المسلمون في الآونة الأخيرة أدت إلى شعورهم بالهوان, وعدم تمكنهم من مسايرة ركب التقدم والحضارة [43].

د ـ الخوف الذي يسيطر على المسلمين؛ بسبب تقدم أعدائهم عسكرياً،  وما يملكونه من القوة التدميرية الهائلة [44].

هـ ـ عقدة إعجاب المهزوم بالمنتصر، والتوهم أن انتصاره نابع من سلامة عقيدته وفكره.

ثانياً: المعوقات الفكرية:

إن أهم تلك المعوقات تأتي في سبع نقاط كما يلي:-

أ ـ تلقي كثير من المسلمين علومهم عن الغرب النصراني مع خلفية جهلهم بالإسلام. [45]

ب ـ التأثر بفكرة فصل الدين عن الدولة النابعة من العلمانية، والاعتقاد بأن الدين مصدر التخلف [46].

ج ـ التأثر بفكر بعض دعاة حقوق الإنسان الذين يتهمون تشريعات الحدود في الإسلام بالقسوة, وعدم تناسبها مع العصر الحاضر.

د ـ عدم الفهم الصحيح لحقيقة نظام العقوبات في التشريع الإسلامي, والتأثر بالفكر القائل: إن تلك العقوبات لا تتناسب مع المجتمع المتمدين، كما كانت تتناسب مع المجتمع الجاهلي القبلي، ويصح أن نقول الأمية الدينية[47].

هـ ـ بعض الأحكام الشرعية لا تنسجم مع مبدأ المساواة التي تقره التشريعات الوضعية كتعدد الزوجات مثلاً أو نصيب الذكر والأنثى في الميراث.

و. جهل الناس بحقيقة الشريعة بشكل عام، واعتقادهم بعجزها عن مواكبة التطور الحضاري، ومسايرة المتغيرات المستجدة.

ز. قصور المسلمين عن تقديم الإسلام لغير المسلمين بشكله الصحيح، وعجزهم عن رسم صورة حقيقية واضحة عنه؛ ما يفقد الناس الثقة في تشريعاته، وخصوصاً التشريعات التي تتعلق بعلاقة المسلمين مع غيرهم.

ثالثاً: المعوقات المادية:-

إن أهم تلك المعوقات في هذه النقاط الأربع:-

أـ الممارسة الخطأ التي تصدر عن بعض المسلمين جرّاء قيامهم بتنفيذ أحكام الشرع على أنفسهم وعلى غيرهم.

ب ـ الطريقة الخطأ التي يمارسها بعض الدعاة في تطبيق أحكام الشرع في دعوتهم للناس بإقامة شرع الله تعالى.

ج ـ تخلف المسلمين في مجال العلوم التطبيقية والتقنيات الحديثة, وكذلك في مجال الصناعات على اختلافها؛ فإنه يدفع بعض الناس إلى إرجاع ذلك إلى جمود التشريعات التي يعتنقونها [48].

د-  الاحتلال السياسي وقيام الدول غير المسلمة بمحاولة حصر الإسلام في نظام العبادات فقط؛ من أجل تعطيل سائر أحكامه الأخرى, وخصوصاً تلك الأحكام التي قد تؤدي إلى نهوض نظام حكم إسلامي قوى، تتوحد من خلاله الدول الإسلامية المتفرقة، فتفسد على أولئك استغلالهم لخيرات بلادنا، وجعلها سوقاً استهلاكية لمنتجاتهم.

القسم الثاني: المعوقات الخاصة بالمجتمع الفلسطيني:

إضافةً إلى المعوقات العامة التي تقف في وجه تطبيق الشريعة الإسلامية في بلدان العالم الإسلامي؛ فإن المجتمع الفلسطيني يعاني من معوقات أخرى خاصة به تتمثل في النقاط الخمسة التالية:-

1. الاحتلال والتشريد من الوطن، ما أدى إلى عدم وجود دولة كاملة السيادة تقوم بتطبيق أحكام الله بيننا.

2. الحصار المضروب على ما تبقى من أرضنا، حيث أدى إلى إرباك الحكومة الموجودة حالياً في غزة, ومنها عدم الإعلان عن الشروع في تطبيق أحكام الإسلام؛ خوفاً من أن ترمى بالإرهاب أو الأصولية بالمفهوم الغربي.

3. التجاذبات السياسية والتنظيمية التي يعيشها أبناء هذا الشعب، وما أدت إليه من التشكيك في نوايا كل فريق، وكذلك التشكيك في فكره، وعقيدته، وما يدعو إليه.

4. وصول حركة حماس إلى الحكم باختيار الشعب، وانتهاجها الإسلام في الحكم؛ ما أدى إلى محاربتها من كل القوى الكبرى؛ كي لا تنجح في نهجها هذا فتكون قدوة لسائر الحركات الإسلامية الأخرى، فتنقلب على حكوماتها، فتخسر الدول الكبرى ولاء تلك الحكومات لها.

5. فهل يُعقل بعد ذلك أن يُقال لإنسان هذا حاله؛ لماذا لا تطبق الشريعة؟ وغزة اليوم تفقد أعظم مقومات تطبيق الشريعة، فضلا أننا نعيش مرحلة مشروع تحرري لتوفير الأمن الذي نطبق في أجوائه الشريعة.

 المطلب الثاني

موانع تطبيق الشريعة الإسلامية

قد يعترض تطبيق الشريعة الإسلامية بعض الموانع التي تستدعي درءها، أو تأجيل إقامتها، منها:

أولاً: درء الحدود بالشبهات:

أعلنت الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات، وهي قاعدة فقهية أجمع على الأخذ بها جماهير الأمة والفقهاء  وهي -قبل أن تكون قاعدة فقهية-، حديث مروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورد بصيغ متقاربة، مرفوعاً وموقوفاً. والصيغة الموقوفة مروية عن عائشة -رضي الله عنها- بلفظ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ[49].

ومعنى القاعدة أو الحديث: أن أي احتمال لعدم تكامل شروط إقامة الحد يَحتَفُ بالمتهم أو بالظرف الذي تمت فيه الجريمة، يُسقط الحد ويُلغي ثبوته، وعلى الحاكم أن يستعيض عنه بما يراه من أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى.

وأسوق هنا مثالين لتطبيق هذه القاعدة

الأول: إيقاف قطع يد السارق عام الرمادة:-

إن أمير المؤمنين عمر الفاروق - رضي الله عنه -  أوقف قطع يد السارق عام الرمادة رغم وجود الآية: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم[50]وقد علق الدكتور إسماعيل كوكسال على ذلك بقوله: و ليس ذلك إلا لظروف صاحبت السرقة، وجعلت الحكمة من تشريع القطع غير متحققة، وهو الجوع, وقد حدثت هذه الواقعة عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة ناقة ونحروها، وثبتت هذه السرقة. وكاد عمر يقطع أيديهم لولا أنه عرف أن سيدهم كان يجيعهم "[51].

و مما هو جدير بالذكر أن عام المجاعة ظرف زماني يغلب فيه وجود أفراد مضطرين على هذا النحو، فهو مظنة لوجوب الحق لهم على المجتمع، ولا ينظر في هذا لتحقق الضرورة فعلاً بالنسبة للشخص السارق، أو عدم تحققها حتى يقطع أو لا يقطع، فإن هذا موطن من مواطن الحدود، والحدود تدرأ بالشبهات، فيكفي أن يقول الحاكم: لعل هذا إنما سرق لضرورة ألجأته للسرقة، فتكون هذه شبهة قوية تدرأ عنه الحد. أما لو كان العام ليس سنة مجاعة، وإنما هو عام يسر ورخاء؛ فإن هذه الشبهة لا تكون قوية، ولا يجوز درء الحد بها؛ لأن العبرة في الشبهة التي تدرأ بها الحدود إنما هي بقوتها، وتأييد الظروف لها " [52].

الآخر: ارتكاب ما يوجب الحد لضرورة

ومثال ذلك ما ذكره ابن القيم أن عمر - رضي الله عنه -أتى بامرأة جهدها العطش فمرت على راعٍ فاستقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي رضي الله عنه: هذه مضطرة أرى أن يخلى سبيلها وكأنه قد استند إلى قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم[53], فخلى عمر سبيلها.

وقد عقب وهبة الزحيلي على هذه الحادثة بقوله: " وهذا يتفق أيضاً مع مبدأ انتفاء القصد الجنائي، وتطبيق قاعدة رفع الحرج، ودرء الحدود بالشبهات " [54].

مما سبق يتضح لنا أن الصحابة الكرام كانوا يراعون ظروف الجناة ولا يتعجلون في تطبيق الحدود، بل كانوا أحرص الناس على درئها بالشبهات.

ثانياً – تأجيل إقامة الحدود:-

قد يضطر الإمام أو من ينوب عنه إلى تأجيل إقامة الحدود لأسباب شرعية نذكر منها هذه الثلاثة:

1. عدم إقامة الحدود في الغزو أو السفر, وتأجيل إقامتها:

نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إقامة الحدود في أراضي السفر أو الغزو؛ وذلك لأنه يخشى على من يقام عليه الحد في السفر أو الغزو أن تأخذه الحمية فيلحق بالكفار؛ فيكون قد ارتد عن دينه، لذلك نهى الشرع أن تقام الحدود في السفر أو الغزو.

فعَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ فِي الْبَحْرِ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ، يُقَالُ لَهُ: مِصْدَرٌ قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:" لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَطَعْتُهُ" [55].

والمقصود بقوله - صلى الله عليه وسلم - " لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ" إذا كان الغزو سفرًا، أو كان المسلمون ذاهبين في سفر لا غزو فيه, ولكن بالقرب من ديار الكفار، فالعلة التي كان النهي من أجلها حاضرة.

فعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:" لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ"[56].

قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- عقب هذا الحديث: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لَا يَرَوْنَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ فِي الْغَزْوِ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْعَدُوِّ؛ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ وَرَجَعَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ؛ كَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى " هذا حد من حدود الله تعالى, وقد نُهي عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا " [57].

2. تأجيل تطبيق الحدود الشرعية لعدم وجود القدرة والقوة والمنعة على تطبيقها:

 إقامة الحدود الشرعية لا تتم إلا بالقوة والمنعة، وهذا لا يكون إلا بوجود أمير مطاع، تجتمع عليه الكلمة وتطبق أحكام الشرع من خلاله. هذا وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أهمية وجود الإمام فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ؛ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ" [58].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- "الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هو وحده لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هو وهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولا يوفيها، ولا يجاهد عدوًا إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن يصلي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به إلا بقواهم، وإرادتهم، فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة لا ينفرد عنهم بذلك " [59].

وقال أيضاً " يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس " [60].

إن حاجة الشريعة الإسلامية إلى القدرة, والقوة, والمنعة, والإمارة مسألة لم تكن غائبة عن ذهن سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم، ومن هنا كان قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما يزع الله بسلطان أعظم مما يزع بالقرآن [61].

وقول علي بن أبي طالب: لا يصلح الناس إلا أمير بر أو فاجر، قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا البر فكيف بالفاجر؟ قال: إن الفاجر يؤمن الله عز وجل به السبل، ويجاهد به العدو، ويجبي به الفيء، وتقام به الحدود، ويحج به البيت، ويعبد الله فيه المسلم آمنا حتى يأتيه أجله [62].

كما أن وجود القوة والمنعة أبلغ من وجود الخليفة، من جهة تطبيق الحدود الشرعية، وإن كان الخليفة هو المخاطب الأول بتنفيذ أحكام الله تعالى وشرعه في الأرض ومنها الحدود الشرعية, إلا أن غيابه وعدم وجوده لا يسقط إقامة الحدود، فليس من شروط إقامة الحدود وجود الخليفة، ولكن من شروط إقامتها وجود القوة والمنعة، التي تمنع ترتب المفاسد والمنكرات عليها، لذلك إذا وُجد الخليفة في الأمة, ولم يكن ذا قوة ومنعة لم يكلف بما لم يستطع، ولكن إن كان ذا قوة ومنعة؛ فهو المطالب بإقامة الحدود الشرعية على الناس وتطبيقها، فإن لم يكن موجودًا, وإنما كان هناك أمراء في الأمصار ذوو قوة ومنعة فإنها لا تسقط؛ فكل أمير مطالب بإقامة الحدود الشرعية في مصره ما لم يكن فاقدًا للقوة والمنعة، وإن لم يكن على الأمصار أمراء، ووجدت جماعات أو أحزاب إسلامية ذات قوة ومنعة داخل المصر أو الأمصار تسد مكان الأمير وتقوم مقامه؛ فهي المطالبة بإقامة الحدود الشرعية داخل مصرها ما لم يترتب على إقامتها للحدود الشرعية فتنة عظيمة ومفسدة كبيرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى: " لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك؛ لكان ذلك الفرض على القادر عليه "[63].

وقال أيضًا: " السنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق" [64].

3. تعليق إقامة الحد أو تأجيله بسبب فتنة، أو حاجة، أو ضرورة:

يجوز تعليق تطبيق الحد أو تأجيله إن أدى تطبيقه إلى فتنة، أو كانت هناك حاجة تمنع من تطبيقه ومن أمثلة ذلك:

الأول: ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إقامة الحد على رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، حيث إن هذا الخبيث مواقفه المنكرة معروفة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ترك إقامة حد القتل عليه لأسباب كثيرة منها:  أنه كان له أنصار, وأتباع كثر, وإقامة الحد عليه كانت تفضي إلى فتنة كبيرة ومفسدة عظيمة، وهو الذي كان مقرراً قبيل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أميراً على المدينة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:" إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع من الكفار والمنافقين في أول الإسلام أذىً كثيرًا، وكان يصبر عليه، امتثالًا لقوله تعالى: وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً[65].

لأن إقامة الحدود عليهم كانت تفضي إلى فتنة عظيمة، ومفسدة أعظم من مفسدة الصبر على كلماتهم " [66].

الثاني: تأجيل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إقامة الحد على قتلة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لأن إقامة الحد على قتلة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كانت تفضي إلى فتنة كبيرة ومفسدة عظيمة.

حيث إن قتلة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -كانت لهم في المدينة شوكة ليس من السهل اقتلاعها, أو إقامة الحد عليهم، ولو أقام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الحد عليهم منذ تولى الخلافة لزهقت أنفس كثيرة من المسلمين، ووقع في فتنة كبيرة ومفسدة عظيمة؛ فكان اجتهاده رضي الله تعالى عنه من أجل أن تحفظ هذه الأنفس من القتل والزهوق, وما شابهه أن يؤجل إقامة الحد عليهم إلى حين  تصبح قدرة المسلمين كاملة, أو شبه كاملة دون أن يفضي ذلك إلى فتنة كبيرة ومفسدة عظيمة.

لذلك لما قال القعقاع بن عمرو لعائشة رضي الله عنها: أماه ما أقدمك على هذه البلاد؟ ما الذي أخرجك من مكة إلى البصرة؟ فقالت: أي بني، ما أقدمني إلا الإصلاح بين الناس.

فقال لها القعقاع: فهلَّا بعثت إلى طلحة والزبير؟ فأرسلت عاثشة -رضي الله عنها- إليهما، فأقبل طلحة والزبير، فقال لهما القعقاع: إني سألت أم المؤمنين عائشة ما الذي أقدمك إلى هذه البلاد؟ فقالت: إنها جاءت للإصلاح بين الناس.

فقال طلحة والزبير: ونحن والله ما جئنا إلا لذلك, فقال القعقاع: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن, ولئن أنكرناه لا نصطلح, فقال طلحة والزبير: أن يقتل عليٌ قتلةَ عثمان، فإن ترك عليٌ هذا الأمر كان تاركًا للقرآن.

فقال القعقاع: يا طلحة، يا زبير، لقد تحمستما وقتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، فغضب لهؤلاء الذين قتلوا ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تزعمون أن عليًا قد وقع فيه! وإن قاتلتموهم وقعت مفسدة هي أربى من الأولى [67].

قال الشيخ محمد حسان حفظه الله تعالى:" تصور حينما يقيمون الحد على ستة آلاف في البصرة كيف تكون برك الدماء ؟! وإنما أخر عليٌّ قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم؛ فإن الكلمة الآن في جميع الأمصار مختلفة" [68].

وهذا من الأسباب التي جعلت كثيرًا من أهل العلم يذهبون إلى أن علياً بن طالب رضي الله تعالى عنه أقرب إلى الحق من غيره وأعلم، وأنه أرجأ الحد وأجله، ولم يسقطه بمعنى أنه لم يرد إقامته البتة على مستحقيه.

 المبحث الرابع

التدرج في التطبيق لا التدرج في التشريع

المطلب الأول

مفهوم التدرج وأدلة مشروعيته

أولاً: مفهوم التدرج:

أ- التدرج في اللغة: من درج , وتدرج إليه: تقدم شيئاً فشيئاً [69]. ومنه الاستدراج , واستدرجه , أي قربه وأدناه منه على التدريج , ومنه قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُون[70].

قال صاحب اللسان: قال بعضهم معناه: سنأخذهم قليلاً قليلاً ولا نباغتهم [71].

وعليه؛ فإن التدرج في الدين , يعني: الدخول فيه شيئاً فشيئاً , رويداً رويداً , واستدراج الناس إليه درجة درجة.

ب- التدرج في الاصطلاح: التدرج في التشريع الإسلامي يراد بهنزول الشرائع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - متدرجة متفرقة , ومما هو جدير بالذكر أن التدرج لا يقتصر على هذا المعنى فقط _ مجال التشريع ونزول الأحكام _ بل يشمل تطبيق الأحكام بعد اكتمال التشريع , وقد قامت الأدلة على ذلك _ كما سنبينه بإذن الله _ في هذا البحث.

ثانياً: أدلة مشروعيته:

دلت الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية التدرج , وسنذكر بعضاً منها على سبيل الإيجاز لا الحصر, وذلك على النحو التالي:

الدليل الأول: التدرج في تشريع الأحكام الشرعية:

إن الله سبحانه وتعالى _ مراعاة منه لظروف الناس وظروف الجماعة المسلمة _ تدرج في إنزال الشرائع والأحكام الشرعية ومن ذلك التدرج في تحريم الخمر , والربا , وكذلك التدرج في فرض الصلاة, والزكاة, والصوم, والجهاد في سبيل الله عز وجل , وغيرها من الأحكام الشرعية , وفي ذلك إشارة لنا كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " أنه إذا تجددت ظروف مماثلة لظروف قيام المجتمع الأول , أو قريبة منها , نستطيع الأخذ بهذه السنة الإلهية , " سنة التدرج " إلى أن يأتي الأوان المناسب للحسم والقطع , وهو تدرج في " التنفيذ وليس تدرجاً في التشريع " , فإن التشريع قد تم واكتمل بإكمال الدين , وإتمام النعمة , وانقطاع الوحي"[72].

الدليل الثاني: ما ورد من نصوص عامة تحث على التؤدة والرفق منها:

1- قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق , ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله , فإن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " [73].

2- قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لن ينجي أحداً منكم عمله , قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا , إلا أن يتغمدني الله برحمة , سددوا وقاربوا , واغدوا وروحوا , وشيء من الدلجة , والقصد القصد تبلغوا"[74].

فهذه النصوص تدعو إلى التؤدة والرفق والتمهل في الأمور؛ لأن ذلك سيؤدي إلى الوصول إلى المطلوب من التطبيق الكامل لشرع الله عز وجل.

الدليل الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - لما بعثه لليمن: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى , فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم , فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم , فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس [75].

وواضح من هذا الحديث أن هذا كان بعد نزول الأحكام وفرض الفرائض , ومع ذلك تدرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوة أهل الكتاب في اليمن رفقاً بهم وتثبيتاً للإيمان في نفوسهم , وهذا دليل واضح وصريح في الدلالة على جواز التدرج , من حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين لمعاذ رضي الله عنه أن لا ينتقل إلى الركن أو الفريضة التالية إلا بعد تقرير الفريضة السابقة , وهذا هو التدرج الذي نحن بصدد الحديث عنه , أن يبدأ بالأهم الذي ينبني عليه غيره , ثم ينتقل بعده إلى المهم الذي تكتمل به الصورة , ويتكامل به التطبيق.

الدليل الرابع: ما رواه الإمام أحمد وأبو داوود بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بايع ثقيفاً على الإسلام اشترطوا عليه أن لا صدقة عليهم ولا جهاد , فقبل منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - , وقال بعد أن بايعهم: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " [76].

" فها هو - صلى الله عليه وسلم - يقبل شرط ثقيف ألا يتصدقوا ولا يجاهدوا , وذلك لعلمه - صلى الله عليه وسلم - أنهم إذا أسلموا وتمكن الإيمان من قلوبهم ستطيب أنفسهم بذلك , فهو صورة من صور التدرج في الدعوة وفي امتثال أحكام الشريعة الإسلامية.

ويلاحظ أن هذا التدرج وقع حال عز الإسلام وعلو كلمته وقوة سلطانه , فالحاجة إلى التدرج حال الاستضعاف من باب أولى " [77].

الدليل الخامس: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة من شهر رمضان , وترك المشركين على عبادتهم وطوافهم بالكعبة يؤدون طقوسهم الشركية , ويطوفون عراة ما يزيد عن عام وبضعة أشهر إلى ما بعد غزوة تبوك , ونزول سورة براءة , فأرسل أبا بكر وعلياً فنادوا في الناس بأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: _ ألا يحج بعد هذا العام مشرك , ولا يطوف بالبيت عريان وكان ذلك في شهر ذي الحجة من العام التاسع للهجرة.

فهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم -عاجزاً عن الأمر بتطبيق الشريعة الإسلامية من لحظة فتح مكة؟, لا, لكنها السنة الإلهية في معالجة النفوس البشرية وتغييرها بالتدرج , لأن ذلك هو الأسلم.

أكتفي بهذا القدر من الأدلة الدالة على جواز اتباع سنة التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية.

 المطلب الثاني

التدرج عند سلف الأمة وعلمائها

   لقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، الذي يعده علماء المسلمين " خامس الخلفاء الراشدين " لأنه سار على نهج جده الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - نموذجاً حياً للتدرج في تطبيق الأحكام الشرعية بعد أن تولى الخلافة, وقد ورث تركة محملة بالكثير من المظالم والفساد من الخلفاء الذين سبقوه.

فعندما أراد ابنه عبد الملك أن يقوم بالقضاء على المظالم, وآثار الفساد دفعة واحدة دون تريث ولا أناة، وليكن بعد ذلك ما يكون " حيث دخل على أبيه يوماً قائلاً له: مالك لا تنفذ الأمور؟! فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق ! ".

فما كان من الأب الصالح, والخليفة الراشد، والفقيه المجتهد إلا أن قال: " لا تعجل يا بنيَّ، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة, وإني أخاف أن أحمل الحقَّ على الناس جملة فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة " [78].

ويعلق الدكتور يوسف القرضاوي على ذلك بقوله: " يريد الخليفة الراشد أن يُعالج الأمور بحكمة وتدرج، مهتدياً بمنهج الله تعالى الذي حرم الخمر على عباده بالتدريج، وانظر إلى تعليله المصلحي الرصين، الذي يدل على مدى عمقه في فقه السياسة الشرعية: إني أخاف أن أحمل الحقَّ على الناس جملة، فيدفعوه جملة ! ويكون من ذا فتنة [79].

" ومرة أخرى يدخل عليه ابنه المؤمن المتوقد حماسة وغيرة، ويقول عاتباً أو غاضباً: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها ؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولدٍ خيراً ! يا بني، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليَّ فتقاً يكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يراق في سببي مجحمة من دم ! أو ما ترضى أن يأتي على أبيك يومٌ من أيام الدنيا، إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة ؟

ويعلق الدكتور يوسف القرضاوي على هذا الموقف بقوله: " بهذه النظرة الواقعية العميقة كان يسوس عمر الأمور، وبهذا الأسلوب المتدرج العاقل كان يُعالج الأمور الصعبة المعقدة، وبهذا المنطق القوي الرصين، أقنع الأب الراشد ابنه المتوثب المتحمس [80].

فهذا نموذج حي من تاريخ سلفنا الصالح يؤكد على أهمية اتباع سنة التدرج في التغيير والإصلاح، ومحاربة الفساد ورد المظالم إلى أصحابها، وموقف ابن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المؤمن والمتوقد حماسة للتغيير يشبه إلى حد كبير موقف شبابنا المتحمس لتطبيق الحدود في غزة، هؤلاء الشباب الذين لا نتهمهم في دينهم وتقواهم لله عز وجل، بل على العكس من ذلك نُكبر فيهم حماسهم هذا وغيرتهم على دينهم، إلا أننا نقول لهم: إن الحماسة لتطبيق الحدود, والغيرة على الدين, والرغبة في تطبيق الحدود الشرعية شيء، ومراعاة ظروف الناس, ومراعاة سنة التدرج شيء آخر, وعليهم أن يستمعوا إلى كلام العقلاء من علماء الشريعة الذين يطالبونهم بالتريث, وعدم التعجل, كما اقتنع ابن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بكلام أبيه.

 

المطلب الثالث

الحكمة من مشروعية التدرج

إن للتدرج _ سواء أكان في التشريع أم في التطبيق _ حكماً كثيرة نجملها في الآتي:

1- التدرج يسهل الانصياع لأحكام الشرع.

2- نزول الأحكام جملة واحدة يؤدي إلى النفرة وعدم الاستطاعة , وكذلك تطبيقها اليوم في مجتمع ابتعد كثيراً عن الدين في أكثر مجالات الحياة.

3- التدرج وسيلة ناجحة لعلاج العادات السيئة المستحكمة في المجتمع.

4- التدرج يتوافق مع الفطرة السليمة وهو سنة كونية.

5- الإنسان يكلف بما يستطيع , ولما كانت طبيعة الناس لا تتحمل هذه الشرائع جملة , اقتضت الحكمة أن يتدرج الداعية والمصلح في تطبيقها حتى تؤتي دعوته ثمارها , فيعم الصلاح في المجتمع.

6- التدرج يتضمن تقديم الأهم والأيسر.

7- التدرج يجمع بين الواقعية والمثالية.

8- التدرج مظهر من مظاهر الرفق والتأني والتؤدة.

9- الأحكام معللة بالمصالح , واتباع سنة التدرج إنما لتحقيق مصالح العباد , فإذا كان تأخير الحكم يرجى معه تحقيق المصلحة المرجوة أو انتفاء المفسدة التي تناقضه كان التأخير مطلوباً شرعاً , وهذا هو الأساس لمبدأ التدرج.

هذه بعض الحكم من مشروعية التدرج ذكرتها بإيجاز تمشياً مع ما يقتضيه هذا البحث من الإيجاز والاختصار.

 المطلب الرابع

ضوابط التدرج

للتدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية ضوابط لا بد من مراعاتها وهي على النحو التالي:

1- لا يدخل التدرج في قواعد ومباني الإيمان , وما يتعلق بها من أحكام؛ لأنها هي التي تحدد المنهج, وترسم هوية المجتمع, فلا يجوز التهاون فيها على الإطلاق.

2- يستثنى من التدرج المعلوم من الدين بالضرورة , وقواعد الشريعة ومقاصدها العامة؛ لأنها تحدد شخصية المجتمع والمنهج القويم لفهم الدين.

3- الاعتقاد الحازم بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة عند القدرة على ذلك.

4- تهيئة الظروف الملائمة والمناسبة لتطبيق الأحكام الشرعية في الأوقات, والأماكن المناسبة, كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كما مر بنا عند الحديث عن التدرج عند سلف الأمة.

5- شمول تطبيق الأحكام الشرعية على الجميع, بحيث لا يفرق بين شخص وآخر عند التطبيق.

6- تقديم الأهم على المهم, والبدء بالأيسر فالأيسر , وهذا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - كما روت عنه السيدة عائشة _ رضي الله عنها _ حيث قالت: " ما خير النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً , فإن كان إثماً , كان أبعد الناس منه "[81].

7- التدرج يستلزم وجود رؤية واضحة نحو الأهداف والغايات مع مراعاة المرحلة المعيشة, واتخاذ الوسائل والتدابير اللازمة نحو تحقيق الهدف المنشود.

وهذا ما أشار إليه القرضاوي _ عند حديثة عن التدرج _ بقوله: " ولا نعني بالتدرج هنا: مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ , واتخاذ كلمة التدرج " تكأة " لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله , وتطبيق شرعه؛ بل نعني بها تعيين الهدف, ووضع الخطة , وتحديد المراحل, بوعي وصدق , بحيث تسلم كل مرحلة لما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم, حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها الإسلام.... كل الإسلام " [82].

هذه هي مجمل ضوابط التدرج التي ينبغي علينا مراعاتها عند تطبيق الشريعة الإسلامية.

 مراجع البحث

1- الرازي , محمد بن بكر بن عبد القادر , مختار الصحاح , المكتبة العصرية للطباعة والنشر , صيدا – بيروت , ط4 – 1418 هـ - 1998 م.

2- البيهقي , أحمد بن حسين أبي بكر , السنن الكبرى , تحقيق: محمد عبد القادر عطا , دار الباز , مكة المكرمة -1414هـ.

3- الأصبحي , مالك بن أنس أبو عبد الله , موطأ الإمام مالك , تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي , دار إحياء التراث العربي , مصر.

4- القرضاوي , د. يوسف , لقاءات ومحاورات حول قضايا الإسلام والعصر , مؤسسة الرسالة , بيروت – لبنان , ط11 – 1421هـ - 2001م.

5- القرضاوي , د. يوسف , في فقه الأولويات – دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة , المكتب الإسلامي , بيروت , ط1 – 1420هـ - 1999م.

6- كوكسال , د. اسماعيل , تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية , مؤسسة الرسالة , بيروت – لبنان , ط1 – 1421هـ - 2000م.

7- القرضاوي , د. يوسف , السياسة الشرعية – في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها , مكتبة وهبة , القاهرة , ط1 – 1419هـ - 1998م.

8- البيانوني , د. محمد أبو الفتح , معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية , اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية , سورية , طبعة خاصة باللجنة الاستشارية العليا – 1417هـ - 1996م.

9- القطان , مناع , معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية , الناشر مكتبة وهبة , القاهرة.

10- السلمي , أبو عيسى محمد بن عيسى , سنن الترمذي , تحقيق: أحمد محدث شاكر وآخرون , دار إحياء التراث العربي , بيروت.

11- ابن القيم الجوزية , شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر , أعلام الموقعين عن رب العالمين , ترتيب وتخريج وضبط: محمد عبد السلام إبراهيم , دار الكتب العلمية , بيروت – لبنان , ج3.

12- السايس , محمد علي , تاريخ الفقه الإسلامي ,دار الكتب العلمية , بيروت – لبنان.

13- ابن تيمية ,شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام , منهاج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة والقدرية , تخريج: محمد أيمن الشبراوي , دار الحديث , القاهرة , ج6.

14- ابن تيمية , شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام , السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية , دار المعرفة للطباعة والنشر , ط1969م.

15- الهندي , كنز العمال , تحقيق: بكر الحياني , الناشر الرسالة ,ج5.

16- ابن تيمية , شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام , مجموع الفتاوى , تحقيق: عبد الرحمن النجدي ,  ج 9.

17- ابن تيمية , شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام , الصارم المسلول على شاتم الرسول , تحقيق: عصام فارس , المكتب الإسلامي.

18- الطبري , تاريخ الطبري , ج3.

19- حسان , الشيخ محمد , الفتنة بين الصحابة " قراءة جديدة لاستخراج الحق من بين ركام الباطل " , ط مكتبة فياض للتجارة والتوزيع.

20- مصطفى , إبراهيم وآخرون , المعجم الوسيط , دار إحياء التراث الإسلامي , ج12.

21- ابن منظور , لسان العرب , دار صادر , بيروت , ج2.

22- البخاري , محمد بن اسماعيل , الجامع الصحيح المختصر , تحقيق: د. مصطفى ديب البغا , دار ابن كثير , اليمامة – بيروت , ط3 – 1407هـ.

23- زيدان , د. عبد الكريم , المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية , مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع , ط16 – 1423 هـ - 2002 م.

24- السويلم , سامي بن إبراهيم , فقه التدرج في تطبيق الاقتصاد الإسلامي , ط 1428هـ -2007م.

25- القرضاوي , د. يوسف , فتاوى معاصرة , دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع , المنصورة , ط3 – 1415هـ - 1994م.

26- الزحيلي , د. وهبة , الفقه الإسلامي وأدلته , دار الفكر للطباعة والنشر , سوريا , ط4 – 1418هـ - 1997م , ج7.

27- القرضاوي , د. يوسف , بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين , الناشر مكتبة وهبة , القاهرة , ط3 – 1424هـ - 2003م.

28- المالكي , عبد الله , سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة – نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام , الشبكة العربية للأبحاث والنشر , بيروت – لبنان , ط1 – 2012م.

29- القشيري , , مسلم بن الحجاج ,261هـ ,  صحيح مسلم , تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي , دار إحياء التراث العربي.

30- القزويني , محمد بن يزيد أبو عبد الله , سنن ابن ماجة , تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي , دار الفكر , بيروت.

31-  أبو داوود , سليمان بن الأشعث , سنن أبي داوود , تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد , دار الفكر , بيروت.

 

 

 الخاتمة

الحمد لله الذي أعانني على كتابة هذا البحث المتواضع، والذي أسأله سبحانه أن ينفع به من قرأه، كما أسأله سبحانه أن يجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة، وبعد:

من خلال كتابتي لهذا البحث – المتواضع – وتجوالي في بعض ما توفر لي من كتب الفقه، والسياسة الشرعية، والثقافة الإسلامية، خلصت إلي النتائج التالية:

أولاً – أن الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية – في غزة – عليهم أن يفرقوا بين الشريعة بمفهومها الشامل للإسلام كله، والتي تقوم الحركة الإسلامية – خاصة الحكومة في غزة – بالعديد من جوانب الشريعة الإسلامية، وبين الحدود والتي تمثل جزءاً بسيطاً من الشريعة الإسلامية بمفهومها الواسع.

ثانياً – إن جنوح بعض الشباب الغيورين على الإسلام إلى الغلو والتطرف راجع إلى عدم تفريقهم بين الشريعة كوحي منزل من عند الله وبين التطبيق كفعل بشري اجتهادي من جانب آخر , وسوء فهمهم للواقع وما يكتنفه من معوقات وموانع تعيق أو تمنع من تطبيق الحدود , وسوء فهم النصوص وتنزيلها على الواقع.

ثالثاً – إن الحكمة من تشريع الحدود هي زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم، وصيانة المجتمع عن الفساد والتطهر من الذنوب، وأنها السبيل الأنجح في القضاء على الجريمة وقطع دابرها.

رابعاً -  على الرغم من أهمية تطبيق الحدود في زجر الناس وردعهم عن ارتكاب الجريمة، وصيانة المجتمع عن الفساد، إلا أن الإسلام لا يحرص حرصاً شديداً على تطبيقها، وأن منهج الإسلام قائم على مبدأً الستر على غير المجاهر بالمعصية ودرء الحدود بالشبهات الكثيرة اللذان يؤديان إلى ندرة العقوبة، وأن الحالة الوحيدة التي تستوجب تطبيق الحد على المجرم هي حالة المجاهرة لما فيها من تعدٍّ صارخ على حدود الله عزوجل، وتحدِّ لمشاعر المسلمين.

خامساً– إن تطبيق الحدود – في ظروف مثل ظروف الحكومة في غزة – لا بد أن تسبق بخطوات ومراحل قبل الإعلان عن تطبيق الحدود ومباشرتها فعلاً على الجناة، من العمل على إيجاد مجتمع يحيا بالإسلام وللإسلام، والعمل الجاد على حل كآفة المشكلات التي يعاني منها المجتمع من فقر وبطالة، وجهل ومرض وإسكان وغلاء... إلخ، وتهيئة المجتمع لقبول الحل الإسلامي، وتطبيق الحدود وذلك من خلال الوعظ والإرشاد واستخدام كآفة الأساليب التي تساعد على ذلك من تربية وتثقيف وإعلام، وسد لأبواب الفساد ومنافذ الجريمة، ومن ثم الإنذار المسبق وتحذير العصاة والجناة من مغبة اقتراف جرائم الحدود، وأن من يبدي صفحته للناس ويجاهر بالمعصية سيقع تحت طائلة العقاب.

سادساً – عند اتباع سنة التدرج في التطبيق لا التشريع لا بد من وضع خطة شاملة ومتكاملة، وواضحة المعالم وبينة الخطوات، كل خطوة منها تسلم للأخرى حتى تصل الحكومة في نهاية المطاف إلى آخر هذه الخطوات وهي تطبيق الحدود على الجناة، لا أن نتخذ من كلمة التدرج تكأة لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله، وتطبيق شرعه.

سابعاً– إن اتباع سنة التدرج في تطبيق الحدود، والأحكام الشرعية لا يعني ترك الناس فوضى بلا قانون، وأن الاستمرار في تطبيق القوانين الوضعية – والتي هي من قبيل العقوبات التعزيرية التي لا تختلف كثيراً عن العقوبات التعزيرية في الإسلام – إنما هو من قبيل اتباع قاعدة: أهون الشرين، وأخف الضررين، لأنه إما أن يترك الناس بلا قانون، وإما أن نستمر على ما ورثناه من قانون وضعي لم نشارك أساساً في سنه ووضعه، وأظنُّ أنه لا يقول عاقل أن نترك الناس بلا قانون يحكم حياتهم وتصرفاتهم، إلى أن تسنح الفرصة إلى تغيير هذه القوانين، وصبغها بالصبغة الإسلامية.

هذه هي أهم النتائج التي خلُصت إليها من خلال كتابتي لهذا البحث المتواضع، وفي الختام أسأل الله عز وجل أن أكون قد وفقت فيما كتبت، وفيما خلصت إليه من نتائج، وأن ينفع الله بها كُلَّ من قرأ هذا البحث، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتي يوم القيامة، فهو سبحانه على كُلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير. اللهم آمين

التوصيات:

1- أدعو القائمين على الحكم إلى وضع خطة واضحة المعالم للتدرج وأن لا تكون الدعوة إلى التدرج على حد تعبير الدكتور القرضاوي تكئة لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة لإقامة حكم الله وتطبيق شرعه.

2- أدعو الدعاة إلى الله وكذلك العلماء إلى القيام بواجبهم تجاه شباب الصحوة الإسلامية , والعمل على توعيتهم وتبصيرهم بالأمور , وإقناعهم بتبني الفكر الوسطي والابتعاد عن الغلو والتطرف.

3- أدعو الشباب الغيورين على دينهم والداعين إلى تطبيق الشريعة الإسلامية إلى سعة الاطلاع , والعمق في فهم النصوص الشرعية عند تنزيلها على الواقع والبعد عن السطحية في فهم النصوص.

4- أدعو المؤسسات العلمية كالجامعات والكليات الشرعية إلى الاهتمام بموضوع الغلو والتطرف , وتحذير طلبة العلم من الجنوح إليه , وتبصيرهم بالمخاطر المترتبة على ذلك.

5- أدعو وسائل الإعلام بكافة أنواعها المسموعة والمرئية والمكتوبة للقيام بواجبها تجاه أبناء الصحوة الإسلامية , والابتعاد عن نشر ما من شأنه أن يستفز مشاعر المسلمين.

* بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الدولي

أزمةُ الفهم وعلاقتُها بظَاهرة التطرف والعُنْف

 المراجع

[1] [المائدة:48]. الرازي ,محمد بن بكر بن عبد القادر ,مختار الصحاح ص:163 - 164.

[2] [الجاثية:18].

[3] السايس , محمد علي ,تاريخ الفقه الإسلامي , ص:7.

[4] زيدان ,د. عبد الكريم ,المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية , ص:34- 35.

[5] المرجع السابق, ص: 43 – 49 بتصرف.

[6] الزحيلي, د. وهبة , الفقه الإسلامي وأدلته , 7/5293- 5294 بتصرف.

[7] المرجع السابق, 7/5294.

[8] المرجع السابق, 7/5298 - 5301 بتصرف.

[9] زيدان ,د. عبد الكريم ,المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ,ص: 49 – 50.

* الأولى أن نقول في علم العقيدة أو التوحيد بدل "علم الكلام ".

[10] القرضاوي , د. يوسف , بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين , ص: 181

[11] المالكي ,عبد الله , سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة , ص: 59.

* العرف: هو ما ألفه المجتمع واعتاده وسار عليه في حياته من قول أو فعل , ويؤخذ به ما لم يخالف نصاً من نصوص الشريعة , ولا يفوت مصلحة معتبرة , ولا يجلب مفسدة راجحة.

المصلحة: هي جلب المنفعة ودفع المضرة , أي المفسدة والمصلحة المرسلة هي التي لم ينص الشارع على إلغائها ولا اعتبارها.

الاستحسان: هو رد العدول عن قياس جلي إلى قياس خفي , أو استثناء مسألة جزئية من أصل كلي , لدليل تطمئن إليه نفس المجتهد يقتضي هذا الاستثناء أو ذاك العدول.

[12] الرازي ,مختار الصحاح ,مادة حدد , ص:68.

[13] [البقرة:187].

[14] [البقرة:229]. الزحيلي , د. وهبة , الفقه الإسلامي وأدلته,7/5274.

[15] السرخسي , المبسوط , 9 / 36.

[16] المرجع السابق ,7/5274 – 5275.

[17] المرجع السابق ,7/5276.

[18] الزحيلي , د. وهبة , الفقه الإسلامي وأدلته,7/5278 – 5280 بتصرف.

[19] القرضاوي , بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين, ص: 180.

[20] الزحيلي , د. وهبة , الفقه الإسلامي وأدلته, 7/5340 – 5341.

[21] أخرجه مسلم في صحيحه, 4/2074,رقم 2699.

[22] أخرجه ابن ماجة في سننه , 2/850 , رقم 2546 ,قال الألباني:صحيح ,سلسلة الأحاديث الصحيحة, 5/451.

[23] المرجع السابق , 7/5319.

[24] أخرجه أبو داوود في سننه ,3/305 , رقم 3597 ,قال الألبانيي صحيح , انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها 1/ 798, برقم 437.

[25] والقصة كما جاءت في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا:من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ , فقالو: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ , فكلمه أسامة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتشفع في حد من حدود الله تعالى ؟. ثم قام , فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد , وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. متفق عليه أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - , وأحاديث الأنبياء , والحدود: باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان , برقم 6406.

[26] أخرجه البيهقي السنن الكبرى ,8/57 , رقم 15922 , قال الشيخ بن باز رحمه الله في فتاويه 25 / 263: الحديث له طرق فيها ضعف لكن مجموعها يشد بعضه بعضاً , ويكون من باب الحسن لغيره.

[27] الزحيلي , د. وهبة , الفقه الإسلامي وأدلته, 7/5319.

[28] أخرجه مالك في الموطأ , 2/825 , رقم 12 , قال الألباني: صحيح لغيره، انظر: صحيح الترغيب والترهيب 2/ 613.

[29] الزحيلي , مرجع سبق ذكره , 7/5320.

[30] [البقرة:208]. القرضاوي ,د.يوسف ,لقاءات ومحاورات حول قضايا الإسلام والعصر ,ص:176.

[31] القرضاوي ,د.يوسف ,في فقه الأولويات – دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة ,ص:195.

[32] القرضاوي , بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين, ص: 185.

[33] [البقرة:85]. الزحيلي ,الفقه الإسلامي وأدلته ,7/5322 – 5323.

[34] المرجع السابق , 7/ 5280 -281 5.

[35] المرجع السابق , 7/5302 – 5303.

[36] [المائدة:38].

[37] كوكسال , د. اسماعيل , تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية , ص: 194.

[38] القرضاوي , د. يوسف , السياسة الشرعية – في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها , ص: 203.

[39] [البقرة:173].

[40] الزحيلي , الفقه الإسلامي وأدلته , 7/5340.

[41] البيانوني , محمد أبو الفتح , معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية , ص: 19.

[42] القطان , مناع , معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية , ص: 110.

[43] البيانوني , مرجع سبق ذكره , ص: 25.

[44] المرجع السابق , ص: 27.

[45] القطان , مناع , معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية, ص: 61.

[46] المرجع السابق , ص: 61.

[47] المرجع السابق , ص: 61.

[48] المرجع السابق , ص: 40.

[49]أخرجه الترمذي في سننه ,4/33, رقم 1424 , وقال الإمام الشوكاني: وأخرج ابن ماجة من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعوقد روي من حديث علي - رضي الله عنه - مرفوعاً " ادرءوا الحدود بالشبهات " , وروي نحوه عن عمر وابن مسعود بإسناد صحيح وفي الباب من الروايات ما يعضد بعضه بعضاً ويقويه ومما يؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها , يعني امرأة العجلاني كما في الصحيحين من حديث ابن عباس , انظر الدراري المضية , شرح الدرر البهية , 1 / 428.

[50] [المائدة:38].

[51] كوكسال , د. اسماعيل , تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية, ص: 194.

[52] القرضاوي  , السياسة الشرعية – في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها , ص: 203 -204.

[53] [الأنعام:145].

[54] الزحيلي , الفقه الإسلامي وأدلته , 7/ 5340.

[55] أخرجه أبو داوود في سننه ,, 4 / 142 , رقم 4408 , وقال الألباني: صحيح , انظر سنن النسائي , 8/ 91 , رقم 4979.

[56] أخرجه الترمذي في سننه , 4/ 53 , رقم 1450 , قال الألباني: صحيح , انظر سنن الترمذي , 4/53 , رقم 1450.

[57] ابن قيم الجوزية , شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر , أعلام الموقعين عن رب العالمين , 3/ 13.

[58] أخرجه مسلم في صحيحه , , 1 / 310 , رقم 416, و3/ 1471 , رقم 1841.

[59] ابن تيمية , شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام , منهاج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة والقدرية , 6/ 218.

[60] ابن تيمية , السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية , ص: 161.

[61] الهندي , كنز العمال , 5/ 751.

[62] المرجع السابق , 5 / 751.

[63] ابن تيمية , مجموع الفتاوى , 34 / 176.

[64] المرجع السابق , 34 / 175 – 176.

[65] [الأحزاب:48].

[66] ابن تيمية , الصارم المسلول على شاتم الرسول , ص: 231.

[67] الطبري , تاريخ الطبري , 3/ 29.

[68] حسان , الشيخ محمد , الفتنة بين الصحابة قراءة جديدة لاستخراج الحق من بين ركام الباطل , ص: 219.

[69] إبراهيم مصطفى وآخرون ,المعجم الوسيط , 12/ 377.

[70] [القلم:44].

[71] ابن منظور , لسان العرب , 2/ 368.

[72] القرضاوي , السياسة الشرعية – في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها, ص: 327 .

[73] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان , 5/394 , رقم 3602 , 3603 , وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى , 3/27 , رقم 4743 , وقال الألباني: صحيح , سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة 5/501 , رقم 2480.

[74] أخرجه البخاري , في صحيحه , 8 / 98 ,رقم 6463.

[75] المرجع السابق, 2 /119 , رقم 1458.

[76] أخرجه أبو داوود في سننه, 3/ 163 , رقم 3025 , قال الألباني: صحيح , انظر: سنن أبو داوود 3 / 163 , وانظر السلسلة الصحيحة 1888.

[77] السويلم , سامي بن إبراهيم , فقه التدرج في الاقتصاد الإسلامي , ص: 13.

[78] الشاطبي , إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي , الموافقات في أصول الشريعة , 2/94 , والقرضاوي , د. يوسف , فتاوى معاصرة , 2 / 717.

[79] المرجع السابق , 2 / 717.

[80] المرجع السابق , 2 / 717 – 718.

[81] أخرجه البخاري  في صحيحه ص: 872 , رقم 3560.

[82] القرضاوي , في فقه الأولويات – دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة, ص: 79. 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"الثبيتي": للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه
تحدّث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي؛ عن قرب انتهاء شهر رمضان والسعادة لمَن صام رمضان، وأن نعمة التوفيق لصيامه وقيامه من أجلّ النعم لا تستقصى خيراته ولا تحصى نفحاته، قال الله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر شوال مساء السبت
دعت المحكمة العليا إلى تحري رؤية هلال شهر شوال لهذا العام 1438هـ، مساء يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رمضان الجاري. جاء ذلك في إعلان للمحكمة فيما يلي نصه:
معرض للإطعام الخيري بساحات المسجد الحرام
أقامت إدارة الساحات بالتعاون مع لجنة السقاية و الرفادة بإمارة منطقة مكة المكرمة معرضاً للإطعام الخيري المقدم في ساحات المسجد الحرام بحضور رئيس اللجنة التنفيذية للجنة السقاية و الرفادة بمنطقة مكة المكرمة ومنسوبي إدارات الساحات.
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م