حكم أكل الصيد إن أكل منه الجارح
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/06/20 الموافق 2017/03/19 - 06:41 م

الصَّيْد لغة: 

مصدر صاد يصيد صيدًا، وله إطلاقان في اللغة[1]:

الأول: فقد يراد به: الاصطياد ووضع اليد على الحيوان المصيد وقبضه وإمساكه، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة:2].

وقد يراد به الحيوان المصِيد نفسه، كما قال تعالى: {لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}[المائدة:2].

الصَّيْد اصطلاحا:

بالنظر إلى الإطلاق الأول في التعريف اللغوي يكون تعريف الصيد اصطلاحا:

"اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقتدر عليه"[2].

وبالنظر إلى الإطلاق الثاني في التعريف اللغوي يكون تعريف الصيد اصطلاحا:  

"حيوان مقتنَص حلال متوحِّش طبعًا غير مملوك ولا مقدور عليه"[3]. وهو الذي نقصده في البحث.

والجارِح: هو كلّ ما صِيدَ به من سباع البهائم والطير؛ كالكلب، والفهد، والصقر, والبازي، ونحو ذلك مما يقبل التعليم[4].

وسبب تسميتها بالجوارح: إمّا لكَسْبِ أهلِها بها؛ لأن أصل الاجتراح: الاكتساب، يقال: امرأة لا جارح لها، أي: لا كاسب لها.

أو لأنها تجرح ما تصيده في الغالب[5].

وعلامة تعليم الجارح على الصيد: أنك إِذا دعوتَه أجاب، وإذا أَسَّدته على الصيد استأسد، ومضى في طلبه، وإِذا أَمْسَكَ أَمْسَكَ عليكَ لا على نفسه[6]. 

وقد أجمع العلماء على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد[7]، إن توفرت شروط معينة, بَسْطُها يُرْجَع فيه إلى مَظانِّه.

ومما اختلف فيه الفقهاء في هذا الباب: ما إذا أَكَل الجارِح من الـمَصِيد, هل يَحِلّ أكل هذا الصيد أم لا؟

اختُلِف في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يَحرُم أكل هذا الصيد, وهو قول أكثر أهل العلم, وعليه مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة[8].

القول الثاني: أنه يحلّ أكل هذا الصيد, وهو مذهب المالكية[9].

القول الثالث: أنه يَحرُم أكل الصيد إذا كان الجارح من سباع البهائم كالكلب والفهد ونحوهما، ويحلّ أكل الصيد إذا كان الجارح طيرًا كالصقر والبازي ونحوهما، وبه قال الشعبي والنخعي[10].

الأدلــــة:

أدلة القول الأول:

استدل أصحاب القول الأول القائلون بالتحريم بما يلي[11]:

1- قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4]. 

وجه الدلالة: أن حقيقة الإمساك هي الصيد وعدم الأكل منه, فإن صاد الكلبُ وأكلَ فإنه لم يُمسِك على الصائد, ولا يعتبر معلَّمًا لنصّ الآية.

2- حديث عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه قال: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الكلب، فقال: "إذا أرسلتَ كلبك وذَكرْتَ اسمَ الله فكُل, فإنْ أَكَلَ منه فلا تأكل؛ فإنه إنما أمسك على نفسه"[12].

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الصيد إن أكلَ منه الكلب, والنهيُ للتحريم.

ونوقش[13]: بأن النهي هنا محمول على جهة التنزيه والورع, بدليل ما رواه أبو داود وأحمد من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلتَ كلبك وذكرتَ اسم الله فَكُلْ وإِنْ أَكَلَ منْهُ، وكُلْ ما رَدَّتْ عليكَ يَدَاكَ"[14].  .

وأُجيب: بأنّ حديثَ أبي ثعلبة -الذي رواه أبو داود وأحمد- لا يثبت؛ لأن فيه داودَ بن عمرو, وهو راوٍ فيه ضعف من قِبَل حفظه, وقد انفرد بهذا الحديث، فهو منكر[15], فبقي النهيُ على أصله وهو التحريم.

3- ولأن عادة الكلب المعلَّم أن ينتظر صاحبه ليُطعِمه.

أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني بما يلي[16]:

1- قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4].

وجه الدلالة: أن معنى قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ أي: بما أمسكن، سواء أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، فوَجَب المصير إليه.

2- حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه -عند البخاري ومسلم- أنه سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "ما صِدتَ بكلبك المعلَّم فاذكر اسم الله ثم كُلْ، وما صِدتَ بكلبك الذي ليس معلَّما فأدركتَ ذكاته فكل"[17].

وجه الدلالة: أن الحديث لم يُقيِّد حِلَّ الصيد بعدم أكل الكلب, فوَجَب إبقاؤه على إطلاقه.

ونوقش من وجهين:

الأول: بأن هذا الحديث نَصَّ على شرط التعليم بقوله "بكلبك المعلَّم", ومن التعليم أن يُعلَّمَ الكلب عدمَ الأكل, فما احتِيجَ للتقييد.

الثاني: لئن سُلِّم بأنّه مطلق, فإنه قد قُيِّدَ بحديثِ عديّ المتقدم, فوَجَب حملُ المطلق على المقيد.

3- ما رواه أبو داود وأحمد من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وفيه: "فَكُلْ وإِنْ أَكَلَ منْهُ"[18]. 

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أَذِن له بأكل الصيد وإن أكل منه الكلب, والإذن يدلّ على الحلّ والإباحة.

ونوقش من وجوه[19]:

الأول: بأنّه حديث لا يثبت, -وقد تقدم بيان سبب ضعفه عند اعتراضهم به على حديث عدي في أدلة القول الأول-. 

 

الثاني: لئن سُلِّم بثبوته, فإنّ حديثَ عدي أصحُّ منه؛ لإخراج الشيخين له, فيقدَّم حديثُ عديّ.

الثالث: أن حديث عَديّ بن حاتم أولى من حديث أبي ثعلبة؛ لأنّ الحُكْم فيه معلَّل, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعَدِيّ: "فإنه إنما أمسك على نفسه".

الرابع: أن حديث أبي ثعلبة محمول على الجارحة التي تم تعليمها؛ بدليل أصل الحديث في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة: "ما صِدتَ بكلبك المعلَّم فاذكر اسم الله ثم كُلْ", والعادة في الكلب المعلَّم تَرْكُ الأكل.

أدلة القول الثالث:

استدل القائلون بتحريم أكْلِ الصيد إذَا أَكَل منه جارِحُ سباعِ البهائمِ كالكلب ونحوه، وحِلِّ ما أَكَلَ منه جارِحُ الطير كالصقر والبازي ونحوهما بأنّ:

تعليمَ جوارحِ الطير يختلف عن تعليم جوارِح سباع البهائم؛ لأن الطائر إِنما يُعلَّم الصيدَ بالأكل, وأمّا الكلب والفهد وما أشبههما فتُعلَّم بترك الأكل، فلأجل ذلك لم يَحْرُم ما صادَهُ جارحُ الطير وإن أكل مما صاده, وحَرُمَ ما صادَهُ جارح سباع البهائم إن أكل منه, فهذا فَرْقُ ما بينهما. وعلى هذا إِذا أَكَل الكلبُ والفهد من الصيد لم يُبَحْ أَكْله, وأما ما أَكَل منه الصقر والبازي فمباح[20].

ونوقش: بأن آية الصيد في سورة المائدة عامّة, تشمل الجوارح من سباع البهائم وسباع الطير.

الراجح: هو القول الأول؛ لقوة أدلته, وسلامتها من المعارض المعتبَر.

المراجع

[1] ينظر: تهذيب اللغة 12/154, والنهاية 3/65, والمفصل 3/10.

[2] ينظر: كشاف القناع 6/213.

[3] ينظر: المرجع نفسه 6/213.

[4] ينظر: زاد المسير 1/515.

[5] ينظر: المرجع نفسه 1/515.

[6] ينظر: المرجع نفسه 1/515 وما بعدها.

[7] ينظر: المغني 9/366.

[8] ينظر: حاشية ابن عابدين 6/464, ونهاية المحتاج 8/114, وشرح منتهى الإرادات 3/415.

[9] ينظر: مختصر خليل ص 78, والشرح الكبير للدردير 2/104.

[10] ينظر: زاد المسير 1/516.

[11] ينظر في أدلتهم: أحكام القرآن للجصاص, والمبسوط 11/223, والمغني 9/369, والمجموع شرح المهذب 9/106.

[12] أخرجه البخاري 7/86, رقم 5476, ومسلم 3/1529, رقم 1929, واللفظ لمسلم.

[13] ينظر: تفسير القرطبي 6/70.

[14] أخرجه أبو داود 3/109, رقم 2852, وأحمد في مسنده 11/335, واللفظ لأبي داود. وقال الألباني: منكر.

[15] ينظر: ضعيف سنن أبي داود 2/385.

[16] ينظر في أدلتهم: المقدمات والممهدات 1/418, والنوادر والزيادات 4/342, وتفسير القرطبي 6/70, وتفسير ابن جزي 1/222,

[17] أخرجه البخاري 7/88, رقم 5488, ومسلم 3/1532, رقم 1930, واللفظ للبخاري.

[18] تقدم تخريجه, وهو منكر, ينظر: الهامش 14.

[19] ينظر في هذه الوجوه: المغني 9/369,

[20] ينظر: زاد المسير 1/516.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
تسحروا فإن في السحور بركة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَرُّوا؛ فإنَّ في السَّحُور بَرَكَة"
حال السلف مع القرآن في رمضان
قال ابن القيم رحمه الله "لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر.., لَو عَلِمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلّ ما سِواها" ا.هـ.
من فضائل الصيام
الصوم من أفضَلِ العباداتِ وأجلِّ الطاعاتِ جاءَتْ بفضلِهِ الآثار، ونُقِلَتْ فيه بينَ الناسِ الأَخبار.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م