موقف الإسلام من العنف
|
د. محمد بن إبراهيم الحمد *
أضيف فى 1438/06/20 الموافق 2017/03/19 - 06:18 م

لقد جاء الإسلام بنبذ العنف، والتحذير منه، وبيان سوء عاقبته.

كما جاء بالحثّ على لزوم الرفق، والأخذ به، والترغيب فيه.

والنصوص من الكتاب والسنة حافلة بذلك إما تصريحاً، أو إشارةً، أو أمراً بلزوم الرفق، أو نهياً عن العنف، أو بياناً في فضل الرفق وذم العنف، وذلك في شتّى الشؤون سواء بالدعوة إلى الله، أو الدعوة إلى التغيير والإصلاح، أو في الأمور الخاصّة أوالعامّة.

قال الله –تعالى- في خطاب هارون وموسى –عليهما السلام-: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44].

ولقِّن موسى –عليه السلام- من القول اللّيّن أحسن ما يخاطب به جبّار يقول لقومه: أنا ربُّكم الأعلى، فقال –تعالى-: { فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18، 19].

قال ابن القيّم رحمه الله: (وتأمّل امتثال موسى لما أُمر به كيف قال لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18، 19].

فأخرج  الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر، وقال: {إِلَى أَنْ تَزَكَّى}  ولم يقل: إلى أن أُزكِّيك.

فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التّزكّي دون غيره، لما فيه من البركة، والخير، والنماء.

ثمّ قال: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك.

وقال: {إِلَى رَبِّكَ} استدعاءً لإيمانه بربّه الذي خلقه، ورزقه، وربّاه بنعمه صغيراً وكبيراً).

ولهذا فإن المحاورة التي تُلقى في أدبٍ وسعة صدرٍ، تُسيغها القلوب، وتهَشُّ لها النّفوس، وترتاح لها الأسماع.

ولقد امتنَّ ربُّنا –جلّ وعلا- على نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن جبله على الرفق، ومحبّة الرفق، وأن جنَّبَه الغلظة، والفظاظة، فقال –عزّ وجلّ-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [آل عمران: 159].

ولقد كانت سيرته –عليه الصلاة والسلام- في الحوار وغيره حافلةً بهذه الخُلق الكريم الذي من ملكه بسط سلطانه على القلوب.

وكما كان –عليه الصلاة والسلام- متمثّلاً هذا الخُلق فقد كان يأمر به ويُبيّن فضله.

قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي على الرّفق، مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وما لا يعطي على غيره» رواه مسلم.

وقال –عليه الصلاة والسلام-:  «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانه» رواه مسلم.

ولما بعث أبا موسى الأشعريّ ومعاذاً إلى اليمن، قال لهما: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا» متفق عليه.

هذا وإنّ الأمثلة على ذلك الخُلق من سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ جدّاً، ومنها ما جاء في الصحيحين أنّ رجلاً أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فهمّ به أصحابه، فقال: «دعوه، فإنّ لصاحب الحقِّ مقالاً» متفق عليه.

وجاء في الصحيحين أنّ رهطاً من اليهود دخلوا عليه، وقالوا: «السَّام عليكم» محرّفين كلمة (السّلام) إلى (السّام) والسّام  الموت، فلم يزد رسول الله على أن قال: «وعليكم».

ولمّا ردّت عليهم أمّ المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- بقولها: «وعليكم السَّام واللعنة» قال لها: «مهلاً يا عائشة، إنّ الله يُحبّ الرّفق بالأمر كلّه» متّفق عليه.

وجاء في صحيح البخاري أنّ عائشة –رضي الله عنها- تصفُ رسول الله فتقول: «والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قطّ؛ حتّى تُنتهك حرُمات الله؛ فينتقم لله» رواه البخاريّ.

وإذا تقصّيتَ سيرته بحثاً وتنقيباً، وجدته مصدَّقه لما وصفته به أمُّ المؤمنين من الرفق والحلم، فما عاقب –عليه الصلاة والسلام- أحداً مسّه بأذى، ولا اضطغن على أحدٍ أغلظ له في القول، بل كان يُلاقي الإساءة بالحسنى، والغلظة بالرفق إلا أن يتعدّى الشّرّ، فيُلقي في سبيل الدعوة حجراً، أ ويحدث في نظام الأمة خللاً.

فالرّفق واللّين –إذاً- هو المتعيِّن، وهو الأليقُ، وهو الأصل في أحوال النبيّ صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك فقد يُحتاج إلى الحزم، وذلك في حالاتٍ خاصّة، ومن أناسٍ مخصوصين، وفي حقّ من يستحقُّ ذلك، فإذا كان الإنسان ذا مكانةٍ، وكان المقام يقتضي الحزم، ولم يترتّب على ذلك مفسدةٌ أكبر- أُخِذ بهذا الأسلوب.

ولهذا كان موسى –عليه السلام- متلطّفاً مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر –كما مرّ قريباً- وعندما رأى من فرعون العناد والاستكبار ومحاولة الصدّ عن الهدى من بعد ما تبيّن له- أغلظ له في الخطاب كما في قوله –تعالى-:

 

 

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
دورة في "فقه الطهارة" لطالبات الجامعة الإسلامية في غزة
تحت عنوان "في فقه الطهارة" افتتحت رابطة علماء فلسطين بالتعاون مع نادي كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة دورتها العلمية بمشاركة أكثر من 60 طالبة، وقدمتها المحاضرة دارين محيسن.
أمر ملكي: إنشاء مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف
ونظراً لعظم مكانة السنة النبوية لدى المسلمين ، كونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، واستمراراً لما نهجت عليه هذه الدولة من خدمتها للشريعة الإسلامية ومصادرها ، ولأهمية وجود جهة تعنى بخدمة الحديث النبوي الشريف ، وعلومه جمعاً وتصنيفاً وتحقيقاً ودراسة.
ألمان يعارضون اعتماد عطلات رسمية لأعياد إسلامية في ألمانيا
أظهر استطلاع للرأي، أمس الثلاثاء، معارضة أغلبية المواطنين الألمان لمقترح وزير الداخلية، توماس دي مزيير، الذي يدعو لاعتماد عطلات للأعياد الإسلامية.
الإسلام والإكراه
هذا المبحث مؤكِّدٌ لما مضى من المباحث، حيث سيؤكد من خلاله على مدى روح التسامح في دين الإسلام، وعلى نبذه للإكراه، وذلك من خلال ما يلي:
مصادر التَّشريع الإسلاميّ
الكتاب والسنة هما مصدرا التشريع الإسلاميّ؛ فمنهما تُستمدُّ عقائد الإسلام، وشرائعه، وأحكامه، وآدابه، وما جرى مجرى ذلك.
موقفُ الإسلام من الإرهاب
سيدور الحديث في هذا المبحث من خلال المطالب التالية:
12
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م