الإسلام والإكراه
|
د. محمد بن إبراهيم الحمد *
أضيف فى 1438/06/17 الموافق 2017/03/16 - 08:03 ص

هذا المبحث مؤكِّدٌ لما مضى من المباحث1، حيث سيؤكد من خلاله على مدى روح التسامح في دين الإسلام، وعلى نبذه للإكراه، وذلك من خلال ما يلي:

أولاً: مفهوم الإكراه:

الإكراه في الأصل إلزام شخصٍ بأمرٍ وهو كارهٌ له.

وفي الاصطلاح: هو كلُّ ما أدّى بشخصٍ لو لم يفعل المأمور به إلى ضربٍ، أو حبس، أو قطع رزقٍ يستحقه، أو نحو ذلك.

ثانياً: موقف الإسلام من المخالفين:

لا يوجد هناك ديانة من الديانات فصّلت في أحكام المخالفين لها –حقوقاً وواجباتٍ- كما هو الحال بالنسبة للشريعة الإسلامية، وقد مرّ شيءٌ من ذلك فيما سبق، بل لقد ألّف بعض علماء الإسلام في ذلك، كما في صنيع ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم (أحكام أهل الذمة).

ولذا يرى بعض الباحثين الغربيّين في مجال حقوق الإنسان أنّ عهد الذمة التي كان يعقدها نبيُّ الإسلام صلى الله عليه وسلم كانت أول ميثاق في حرية الاعتقاد.

ثالثاً: انتفاء الإكراه على دخول الإسلام:

الأصل في دين الإسلام أن لا يُكره أحداً على الدخول فيه.

وهذا الأمر ظاهر  البيان في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وعليه سار المسلمون في تعاملهم مع الشعوب.

فالإكراه على الدين والعقيدة منتفٍ من عدة جهات:

الأولى: أنّ من آمن مكرهاً لا ينفعه إيمانه؛ إذ لا بد أن يكون الإيمان عن قناعةٍ ويقين، اعتقادٍ صادق، واطمئنان قلب.

قال ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا لم يكن عندنا نزاع في أنّ الأقوال لا يثبت حكمها في حقّ المكره بغير حقٍّ، فلا يصح كفر المكره بغير حقّ، ولا إيمانُ المكره بغير حق).

الثانية: أنّ وظيفة الرسل وأتباعهم من بعدهم إنما هي البلاغ، وإيصال الحق إلى الناس.

قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ } [الشورى: 48]، وقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} [ص: 65].

فالمهمة المُناطة بهم –إذا- إنما هي الدعوة والبلاغ، والمناصحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن االمنكر، وهي ما يُعرف بهداية الدلالة والإرشاد.

أما هداية التوفيق والإلهام، وإدخال الإيمان في القلوب، فهي لله وحده.

وهذا ما يؤكد جانباً من جوانب الحرية، ألا وهو تحرُّر الإنسان من كلّ رقابة بينه وبين خالقه؛ فالعلاقة –في الإسلام- مباشرة بين الإنسان وربه من غير واسطة من أحد، مهما كانت منزلته.

الثالثة: واقع غير المسلمين في بلاد المسلمين، وقد مرّ الإشارة إلى ذلك في المبحث الماضي.

الرابعة: شهادات غير المسلمين في ذلك، وستأتي الإشارة إليها.

الخامسة: أنّ المسلم إذا تزوج كتابية فإنه لا يلزمها بالتخلي عن دينها والدخول في الإسلام، بل لها الحقُّ الكامل بالبقاء على ديانتها مع حفظ كامل حقوقها.

رابعاً: أشهر النصوص في انتفاء الإكراه عن الإسلام:

لعلّ أشهر النصوص من الكتاب والسنة في أن الإسلام لا يجبر أحداً على الدخول فيه، كما قال الله تعالى:  {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256].

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه واضح جليَّةٌ دلائله وبراهينه،  لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه.

بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بيّنة. ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول مكرهاً مقسوراً).

كما يُظهر القرآنُ صورةً أخرى في المعاملة الحسنة مع المخالفين في قوله تعالى:  {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8 - 10].

فالآية تشهد بطريقٍ واضحٍ أنّ هؤلاء بقوا مع المسلمين مع احتفاظهم بدينهم المخالف للإسلام، ولم يمنع الإسلام من الإحسان في معاملتهم.

ونجد مبدأ الحرية في الديانة مقرّراً في قوله تعالى:  { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].

والمراد ههنا دعوة الناس، ولا يلزم من ذلك أن كلّ من دُعي إلى الإسلام والهدى أنه سيجيب، وإن كان الواجب عليهم أن يكونوا مسلمين جميعاً.

خامساً: شهادة غير المسلمين على تسامح المسلمين:

هناك الكثير من الشهادات التي تجلي تسامح المسلمين وعدلهم، بل الإحسان للمخالفين لهم في الدين.

وأكثر هذه الشهادات من المنصفين، وبعضها ممن يُسمّون برجال الدين المسيحيين، بل إنّ بعضها ممّن يتّسمون بالحقد والجهل على الإسلام.

وفيما يلي شيء من تلك الشهادات:

1-تقول دائرة المعارف الكتابية –والتي كتبها جماعة من المختصّين في شأن اللاهوت والكتاب المقدس- عن الحالة الدينية، وما ناله المسيحيون في مصر إبَّان  الفتح الإسلاميّ؛ من معاملة عادلة:  (وحظي اليهود والأقباط من العرب أفضل من معاملة الرومان، أو رجال الكنيسة اليونانية. وبعد الفتح العربيّ استراحت الكنيسة من الاضطهاد، فازدهرت، وربحت كثيراً من النّفوس حتّى بين غير المسيحيّين).

2- وهذا المطران ميشيل يتيم يتحدّث عن الفتح الإسلامي لمنطقة الشام والعراق، والتي كان معظم سكانها من المسيحيين؛ فيقول: (ولما استتب الأمر للعرب بعد السنوات الأولى من الفتوحات اضطر الخلفاء والحكام إلى إصدار أحكامٍ واضحةٍ تحدّد موقف المسلمين من النصارى، وتنظم أوضاعهم الدينية والسياسية والاجتماعية.

لقد اتّصفت هذه العهود بالسماحة ورحابة الصدر، فسمحت لمن يشاء من السكان والرهبان والموظفين بالهجرة إلى الأراضي البيزنطية، فغادر الدولة الإسلامية عدد وافر، وحافظ الباقون على كنائسهم، وأموالهم، وحريتهم الدينية، وشرائعهم الخاصّة بقيادة اساقفتهم).

ثم ذكر بعض الواجبات المترتبة عليهم إزاء ذلك.

3- وهذا جولدزيهر وهو المستشرق المعروف بطعنه في عددٍ من ا لشرائع الإسلامية نجده لا يخفي إعجابه، حيث يقول:  (وروح التسامح في الإسلام قديماً، تلك الروح التي اعترف بها المسيحيون المعاصرون أيضاً، كان لها أصلها في القرآن: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].

وقد جاءت الأخبار عن السنين العشر الأولى للإسلام بمُثُل للتّسامح الديني للخلفاء إزاء الأديان القديمة، وكثيراً ما كانوا يوصون في وصاياهم للفاتحين بالتعاليم الحكيمة).

4-وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة: (فما يدّعيه بعضُهم من  اتهامهم –أي المسلمين- بالتعصب والوحشية إن هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة في تسامحهم، وإنسانيتهم في معاملاتهم مع الشعوب المغلوبة.

التاريخ لا يقدم لنا في صفحاته الطوال إلا عدداً  ضئيلاً من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب، وكان لمسلكهم هذا أطيب الأثر، مما أتاح للحضارة العربية أن تتغلغل بين تلك الشعوب بنجاح لم تحظ به الحضارة الإغريقية ببريقها الزائف، ولا الحضارة الرومانيّة بعنفها وفرض إرادتها بالقوّة).

5-ويقول المستشرق الإنجليزي توماس آرنولد في كتابه  "الدعوة إلى الإسلام": (لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم، منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحقّ أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وأنّ العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهدٌ على هذا التسامح).

6-ويقول –أيضاً-: (لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قُصد منه استئصال الدّين المسيحيّ).

فهذا غيضٌ من فيضٍ من الشهادات التي تبين ما كان عليه المسلمون من التّسامح.

المراجع

1- هذا الموضوع مأخوذ من مختصر الكتاب الموسوم بـ: (الإسلام: حقيقته-شرائعه- عقائده- نظمه)، للشيخ الدكتور محمد إبراهيم الحمد، وهو البحث الفائز بالمركز الأول للمسابقة العالمية (هذا هو الإسلام) التي تنظمها الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام، التابعة لرابطة العالم الإسلامي، وقد خصَّ الشيخ الملتقى الفقهي وشبكة رسالة الإسلام، بنشر هذه المادة القيمة. فجزاه الله خير الجزاء.

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
موقف الإسلام من العنف
لقد جاء الإسلام بنبذ العنف، والتحذير منه، وبيان سوء عاقبته.
مصادر التَّشريع الإسلاميّ
الكتاب والسنة هما مصدرا التشريع الإسلاميّ؛ فمنهما تُستمدُّ عقائد الإسلام، وشرائعه، وأحكامه، وآدابه، وما جرى مجرى ذلك.
موقفُ الإسلام من الإرهاب
سيدور الحديث في هذا المبحث من خلال المطالب التالية:
12
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م