التعارض بين حجج الشرع غير ممكن بإطلاق وممكنٌ بلا خلاف
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/06/16 الموافق 2017/03/15 - 09:12 ص

التعارض: هو تقابل الحُجَّتين المتساويتين على وجهٍ يُوجب كلُّ واحدٍ منهما ضدَّ ما تُوجبه الأخرى؛ كالحِلِّ والحرمة, والنفي والإثبات[1].

والترجيح: هو تقوية أحد الدليلين ليعمل به[2].

أو هو اقتران أحد الدليلين المتعارضين بما يُوجب العمل به[3].

فعلى التعريف الأول يكون الترجيح من فعل المجتهد, وعليه الأكثر.

وعلى التعريف الثاني: يكون من صفة الدليل.

ويُشترط في التعارض مساواة الدليلين, وفي الترجيح لابد أن يكون لأحد الدليلين فضل وزيادة.

ولا يقع الترجيح إلا مع وجود التعارض، فحيث انتفى التعارض انتفى الترجيح، فالترجيح فرع التعارض مرتب على وجوده[4].

ولذلك إذا تقابل حديثان أحدهما صحيح والآخر ضعيف, فحينئذ لا تعارض بينهما؛ لعدم التساوي في القوة[5].

ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه, الحل ميتته"[6], وهو حديث صحيح.

قال ابن عباس: صَيْدُه ما أُخِذ منه حيًّا, وطعامه ما لَفَظَه ميتا[7]. 

عارَضَه حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أَلْقى البحر أو جزرَ عنه فكلوه، وما مات فيه وَطَفَا، فلا تأكلوه"[8]. لكنه ضعيف, فلا يقوم للمعارضة.

قال النووي: "حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث, لا يجوز الاحتجاج به"[9].

وأسباب التعارض كثيرة, تطلب في مظانِّها.

لكن الذي نريد بيانه أنه لا تعارض في الشريعة في نفس الأمر, بل في نظر المجتهد؛ لأنه لَـمَّا كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ وتختلف مداركهم وأفهامهم أمكن التعارض بين الأدلة عندهم, كما قرره ابن العربي وابن القيم وابن حزم والشاطبي وغيرهم[10].

قال ابن خزيمة: "لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء من ذلك فليأتني به لأؤلِّف بينهما"[11].

وقال ابن القيم عندما نصّ على أنه إذا وقع الخلاف فإما أن يكون السبب وقوع خطأ من أحد الرواة مع ثقته أو لنسخ، أو لسوء فهم السامع، -قال-: "وأما حديثان صحيحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدُهما ناسخا للآخر، فهذا لا يوجد أصلا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفةُ من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم، وحملِ كلامه على غير ما عناه به أو منهما معا"[12].

ولذلك فإن التعارض في الأدلة الشرعية ظاهري، بحسب ما يتبادر إلى ذهن الفقيه وما يظهر له، ولا يوجد تعارض حقيقي بين حجج الشرع ألبتَّةَ؛ لأن الشريعة من عند الله تعالى، وإذا كانت كذلك فكلها وحيٌ, والوحي كله حق، والحقُّ لا شك أنه لا يعارِض بعضه بعضا. وإن بدا لآحاد الناس والمجتهدين ما يوهم التعارض، فهو من قِبَلِ أنفسهم ونظرِهِم، لاختلاف أفهامهم[13].

فإذا ثبت هذا فنقول:

التعارض إمّا أن يُعتبر من جهةِ ما في نفس الأمر، وإمّا من جهة نظر المجتهد.

أما من جهة ما في نفس الأمر؛ فغير ممكن بإطلاق.

وأما من جهة نظر المجتهد؛ فممكنٌ بلا خلاف؛ فإنه إنْ أمكن الجمع فلا تعارض؛ كالعامِّ مع الخاص، والمطلق مع المقيَّد وأشباه ذلك, وإنْ لم يمكن الجمع احتيج إلى الترجيح[14].

  المراجع

[1] ينظر: أصول السرخسي  2/12.

[2] ينظر: المحصول للرازي  5/397.

[3] ينظر: الإحكام للآمدي  4/239.

[4] ينظر: التحبير شرح التحرير 8/4140.

[5] ينظر: اللباب في الأصول ص293.

[6] أخرجه أصحاب السنن, وهو صحيح, ينظر: السلسلة الصحيحة 1/864.

[7] ينظر: تفسير ابن كثير 3/197.

[8] أخرجه أبو داود 3/358, رقم 3815, وهو ضعيف.

[9] ينظر: شرح النووي على مسلم  13/87.

[10] ينظر: القبس 3/354, والإحكام لابن حزم 2/35, وزاد المعاد 4/137, والموافقات 5/341.

[11] ينظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث 4/66.

[12] ينظر: زاد المعاد 4/137.

[13] ينظر: الوجيز في الأصول 2/424.

[14] ينظر: الموافقات للشاطبي 5/341 وما بعدها.

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
منع التصوير في الحرمين الشريفين
ذكرت صحيفة “عكاظ” أن الجهات المعنية منعت التصوير في الحرمين الشريفين تعظيما لشعائر الله، واحتراما لمشاعر الحجاج والمعتمرين والزوار.
المؤسسة الخيرية للعناية بمساجد الطرق تشارك في ملتقى ألوان السعودية 2017
شاركت المؤسسة الخيرية للعناية بمساجد الطرق بجناح تعريفي بملتقى ألوان السعودية في دورته السادسة المقام في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات .
شيخ الأزهر: كل دعاوى الصهاينة في أحقيتهم للقدس باطلة
فند الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، دعاوى الصهاينة بأحقيتهم في المدينة المقدسة، قائلاً إن التاريخ يكذب هذه المزاعم التي يذيعها اليهود في إعلامهم وأدبياتهم.
تسحروا فإن في السحور بركة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَرُّوا؛ فإنَّ في السَّحُور بَرَكَة"
حال السلف مع القرآن في رمضان
قال ابن القيم رحمه الله "لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر.., لَو عَلِمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلّ ما سِواها" ا.هـ.
من فضائل الصيام
الصوم من أفضَلِ العباداتِ وأجلِّ الطاعاتِ جاءَتْ بفضلِهِ الآثار، ونُقِلَتْ فيه بينَ الناسِ الأَخبار.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م