الأبعـاد النفسيـة والاجتماعيـة في الأحكام الشرعية
|
د. إلهام بنت عبد الله باجنيد
أضيف فى 1438/06/15 الموافق 2017/03/14 - 05:54 م

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وسنته إلى يوم يبعثون، وبعد:

فإن المسلمين قد يختلفون في تفاصيل كثيرٍ من الأمور الشرعية، وهو خلاف مساغ فرضته طبيعة التعامل مع النصوص واحتمالاتها المختلفة.

لكن الأمة لا تختلف على أن الله عز وجل أراد لهذه الشريعة العظيمة أن تكون منظماً لحياة الإنسان، تهدف إلى سعادته ورفع الحرج عنه.

والنظر إلى الشريعة على أنها تقاطعات حديِّة، وانحصار الفتوى في قوالب الأحكام التكليفية الخمسة بعيداً عن ملامسة واقع الحياة وطبيعتها المعقدة والمتشابكة ليبعدها عن أهم سماتها من المرونة والسماحة التي كثيراً ما يفخر أبناء الإسلام بتميز شريعتهم بها.

هذا الحسّ عند معالجة الفتوى يغيب عن كثير من الطروحات الشرعية التي في الغالب ما تقتصر على عرض آراء العلماء، وأدلتهم، ثم لا تتجاوز الترجيح مما قد يخلق مشكلاتٍ اجتماعية، أو نفسية عند التطبيق والإسقاط على أرض الواقع.

والفقهاء رحمهم الله لامسوا هذا الجانب كثيراً في ثنايا ما سطروه أو أثر عنهم، الأمر الذي يثبت إحساسهم بتوقع ربكة قد تحدثها الفتوى إذا لم تسقط على حياة الناس وتتعامل مع التعقيدات الدقيقة لإنسانيتهم وواقعهم.

من هنا كان همي تسليط الضوء لإبراز تلك المعالجة من قبل الفقهاء أنفسهم بعد معالجته بإسقاطه على واقع حياتنا المعاصرة مواكبةً لما وصلت إليه مجتمعاتنا من تغيرات يُجانب الصواب من يغفلها ولا يمنحها حقها في الاهتمام.

وقد قسمت هذا البحث للوصول إلى هذا الهدف إلى تمهيد ضمنته مفاهيم ومصطلحات البحث، وثلاثة مباحث.

المبحـث الأول: البعد الشرعي لاعتبار كلمة المرأة في عقد النكاح.

المبحث الثاني:  البعد الشرعي لاعتبار رضا الفتاة البكر البالغة العاقلة في عقد النكاح،

ويشتمل على ثلاثة مطالب:

المطلب الأول:  آراء الفقهاء وأدلتهم.

المطلب الثاني:  ضابط البكارة المجيزة لإجبار الولي.

المطلب الثالث: مراتب الولاية.

المبحث الثالث: البعد النفسي والاجتماعي لأحكام الولاية على البكر البالغة العاقلة.

وأخيراً أسأل الله جلَّ في علاه التوفيق والصواب، وأن يهدينا سبيل الرشاد.

تمهيـــــد

مفاهيــــــم و اصـطــــلاحات

مفهــــــــوم الولايــــــــــــة.

مفهـــــــــوم العقــــــــــــــد.

مفهـــــــــوم النكـــــــــــاح.

تمهيد

مفاهيم واصطلاحات

أولاً:  مفهوم الولاية:

المعنى اللغوي للولاية:

الولاية- بالفتح -: المصدر، مثل: النسب، والنصرة، - وبالكسر -: الإسم، مثل: الإمارة، والنقابة، والسلطان؛ لأنه اسم لما توليته وقمت به[1]

والولي: - بسكون اللام -: القرب، والدنو.

وهو: المحب، والصديق، والنصير.

والمولى: المالك، والعبد، والمُعْتِق، والمُعْتَق، والصاحب، والقريب، والجار، والحليف، والرب، والناصر، والمُنْعِم، والمُنْعَم عليه، والتابع، والصهر[2]

وولي اليتيم: الذي يلي أمره، ويقوم بكفايته.

والموالي: ورثة الرجل، وبنو عمه.

والموالاة: ضد المعاداة[3].

وفي أسماء الله تعالى (الولي): هو الناصر، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها.

وكأن الولاية تشعر بالتدبير، والقدرة، والفعل[4].

الولاية في اصطلاح الفقهاء: عرَّف الفقهاء الولاية بأنها: "تنفيذ القول على الغير شاء، أم أبى"[5].

وقد بينت مدونة الأحوال الشخصية المغربية مبرر تنفيذ القول على الغير في زيادة توضيحية لها، فجاء تعريفها للولاية بأنها: "حق تنفيذ القول على الغير شاء، أو أبي؛ بسبب عجز ذلك الغير، أو قصور أهليته من التصرف بنفسه"[6].

وبذلك يكون الولي هو:

اللازم الولاية، القائم بها، الدال عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس بمستطيعٍ له[7].

ثانياً:  مفهـوم العقـد:

العقـد في اللغـة:

نقيض الحلّ، ومنه: عُقدة النكاح، مِنْ عقدَ الحبل: إذا شدَّه[8].

وأصله: ربط الشيء بالشيء[9].

ويأتي العقد أيضاً بمعنى: العهد، ومنه قوله تعالي: }...أَوْفُوا بِالْعُقُودِ...}(المائدة1).

أي بالعهود[10].

والعُقدة: توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حّلها[11].

والعِقد – بالكسر -: القلادة.

والعُقدة – بالضم -: الولاية على البلد[12].

  العقد في اصطلاح الفقهاء:

  التزام المتعاقدين وتعهدهما أمراً[13].

وهو عبارة عن: ارتباط الإيجاب بالقبول[14].

وعَّرفه بعضهم بأنه: ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعاً[15].

ثالثاً:  مفهوم النكاح:

النكـاح فـي اللغـة:

النكاح من الألفاظ المشتركة، فيطلق في اللغة على الوطء والعقد[16].

وذهب الأزهري على أن: "أصل النكاح الوطء، ثم قيل للتزوج نكاحاً مجازاً؛ لأنه سبب الوطء المباح"[17]، وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة[18].

وقال القاضي أبو يعلى: "هو حقيقةٌ في العقد والوطء جميعاً"[19].

وله قول آخر بأنه: "حقيقة في الوطء، مجاز في العقد"[20].

وله قول ثالث: "بأن النكاح وإن كان في اللغة حقيقة في الوطء، إلاَّ أنه في عرف الشرع للعقد"[21].

وإلى الأخير مال الإمام مالك[22]،والشافعي[23]،وأحمد في أصح الروايتين[24]، رحمهم الله.

وقال الزركشي: "ظاهره الاشتراك، والقرينة تعيِّن"[25].

النكاح في اصطلاح الفقهاء:

لمّا كان لفظ النكاح من الألفاظ المشتركة انبنى عليه اختلاف توجهات الفقهاء في ضبطه الاصطلاحي:

فعرّفه الحنفية بأنه: "عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصدا"[26].  

وقالوا: حيث أُطلق في الكتاب والسنة مجرداً عن القرائن فهو للوطء، فقد تساوى المعنى اللغوي والشرعي[27].

وعَّرفه المالكية بأنه: العقد[28].

يقول في كفاية الطالب: "أمَّا  النكاح لغةً فهو حقيقة في الوطء مجاز في العقد، واصطلاحاً على العكس: حقيقة في العقد مجاز في الوطء"[29].

وعرفه الشافعية بقولهم:

"عقد يتضمن إباحة وطء، بلفظ: إنكاح، أو تزويج، أو ترجمته"[30].

ويقولون: والعرب تطلقه وتريد منه تارة الوطء، وتارة العقد، ولكنه عندنا حقيقة في العقد مجاز في الوطء[31].

وعرفه الحنابلة بأنه: "عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح وتزويج في الجملة "[32].

ومدار نظر الفقهاء الذاهبين إلى طرفي معنى اللفظ من العقد أو الوطء على تفسير اسم النكاح:

فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: "معناه الوطء؛ لأنه مأخوذ من الضم والجمع، قال تعالى: }...حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ...} (النساء 6 ). ، يعني الوطء".

وحيث ورد النكاح في الشرع بمعنى العقد؛ فلأجل أنه سبب للوطء، فعبر بالسبب عن المسبب.

وقال الشافعي رحمه الله: "معناه العقد؛ لأنه لم يرد في الشرع مطلقاً إلاَّ وأريد به العقد، يقال: حضرنا نكاح فلان، وإنما يراد به العقد، فيصرف عند الإطلاق إليه".

وأمّا قوله تعالى: }...حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ...{، فإنما حُمل على الوطء؛ لأنه لا يحتمل العقد[33].

وأضاف ابن عبد البر قوله تعالى: }فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ...) {البقرة 230).

فإنه أريد بلفظ: ( النكاح ) فيها العقد والوطء جميعاً.

بدليل السنة الواردة في ذلك؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تحلّ له حتى تذوق العسيلة "[34].

والعسيلة: الوطء، لا يختلفون في ذلك[35].

يقول ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قوله: نكحها، قال: فرَّقت العرب فرقاً لطيفاً تعرف به موضع العقد من الوطء.

فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان: أرادوا تزوجها، وعقد عليها.

وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته، لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد[36].

المبـحــــــث الأول

البعد الشرعي لاعتبار كلمة المرأة في عقد الزواج

تتشعب تفاصيل أقوال الفقهاء حول اعتبار كلمة المرأة في عقد الزواج إلى أربعة اتجاهات:

الاتجاه الأول:

يتزعمه الحنفية، وهو رواية للإمام مالك رواها عنه ابن القاسم[37]، ومال إليه الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين عنه[38]، والإمام الأوزاعي[39].

ويقرر الحنفية أن الولاية لمّا كانت شرط لصحة نكاح غير الرشيد، وناقص الأهلية كالصغير، والمجنون، والرقيق، فإن المكلف الحر الرشيد لا يحتاج أحداً يتولاه.

وعليه فإن المرأة الحرة المكلفة ينفذ في رؤيتهم الفقهية نكاحها لنفسها حتى دون رضا الولي، سواءً كانت بكراً أم ثيباً[40].

 ويقصدون بالنفاذ:

 الصحة، وترتب جميع الأحكام من طلاق، وتوارث، وغيرهما[41].

وهذا الزواج في نظرهم صحيح سواءً كان لنفسها أم لغيرها، وسواءً كان الخاطب كفءً أم غير كفء.

إلا أنها إن زوجت نفسها من غير كفء كان للأولياء حق الاعتراض في قول أبي حنيفة، وزفر، وأبي يوسف، وهو المشهور في المذهب.

- ويقصد بالأولياء الذين لهم حق الاعتراض هنا:

الولي العصبة مطلقاً سواءً كان محرماً أم غير محرم كابن العم على الصحيح.

ويجعلون هذا الحق للأولياء ما لم يسكتوا حتى تلد ولداً، فإن سكتوا سقط حقهم في الاعتراض لئلا يضيع الولد، ويلحق الولد بمن تزوجته المرأة بدون رضاهم رغم عدم كفاءته[42].

وتُروى رواية أخرى لأبي يوسف: أنه يصح فقط فيما إذا زوجت نفسها من كفء، أما زواجها من غير كفء فلا يصح، ولا يثبت له أحكام الزواج[43].

ورضا بعض الأولياء:

 يسقط حق الباقين في قول أبي حنيفة، ومحمد.

ولا يسقطه في قول أبي يوسف.

ووجه قول أبي حنيفة، ومحمد:

أن هذا حق واحد لا يتجزأ ، ثبت بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة، وإسقاط بعض ما لا يتجزأ إسقاط لكله؛ لأنه لا بعض له، كالقصاص إذا وجب لجماعة فعفا أحدهم عنه يسقط حق الباقين.

ولأن حقهم في الكفاءة لم يثبت لعينه بل لدفع الضرر، وتزوج المرأة من غير الكفء يوقع أضراراً بالأولياء من حيث الظاهر، ولكن الظاهر أيضاً أن بعضهم لا يرضى بالزواج مع عدم الكفاءة إلا بعد علمه بمصلحة حقيقية هي أعظم من مصلحة تحقق الكفاءة، كاحتمال وقوع المرأة في الزنا، على تقدير فسخ الزواج، وقد يغفل الأولياء الآخرون عن هذه المصلحة.

وأما وجه قول أبي يوسف - يرحمه الله – فهو:

 

أن حقهم في الكفاءة ثبت مشتركاً بين الكل، فإن رضي به أحدهم فقط أسقط حق نفسه فلا يسقط حق الباقين، كالدين إذا وجب لجماعة فأبرأ الدائن بعضهم لا يسقط حق الباقين[44].

والكفاءة التي يجعل الحنفية منها شرطاً لإلزام الأولياء بالعقد هي الكفاءة في الأمور التالية:

1-   النسب[45]: لأن التفاخر والتغيير يقعان بالأنساب فتلحق النقيصة بدناءة النسب.

2-   الحرية: لأن النقص والشين بالرق فوق النقص والشين بدناءة النسب.

3-  المال: فلا يكون الفقير كفءً للغنية.

والمعتبر فيه: القدرة على مهر مثلها، وعلى النفقة، ولا تعتبر الزيادة عليهما.

4- الدين: وذلك في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأن التفاخر بالدين أحق من التفاخر بالنسب، والحرية، والمال، والتعيير بالفسق أشد وجوه التعيير.

وذهب محمد – رحمه الله – إلى عدم اعتبار الكفاءة في الدين؛ لأن الدين من أمور الآخرة، والكفاءة من أحكام الدنيا فلا يقدح فيها الفسق إلاَّ إذا كان يُسخر منه ويُضحك عليه ويُصفع بسبب فسقه.

فإن كان ممن يُهاب منه يكون عندها كفءً؛ لأن الفسق لا يعدُّ شيئاً في العادة، فلا يقدح في الكفاءة.

وروي عن أبي يوسف – رحمه الله –: "أنه إذا كان معلناً للفسق لا يكون كفءً، ويكون كفءً إن كان مستتراً".

5- الحرفـة[46].

الاتجـاه الثانـي:

هو قول جمهور علماء المالكية، والشافعية، والحنابلة.

حين ذهبوا إلى عدم صحة الزواج بعبارة المرأة لا لنفسها، ولا لغيرها، تماماً كعدم صحته بتوكيلها ؛ بدعوى أن من لا يملك التصرف لنفسه لا يملك التوكيل فيه.

وعليه: لا يصح عقدها إلاّ إذا تولاه أحد أوليائها – بحسب مراتبهم في تلك المذاهب – سواءً كان مناسباً، أو وصياً[47]، أو السلطان[48].

وقولهم هذا هو مذهب: "عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، من الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين".

كما أنه مذهب: الحسن البصري، وابن المسيب من التابعين.

وابن أبي ليلى، وابن شبرمة[49]، وإسحاق[50]، من الفقهاء[51].

- وتفرد المالكية بصحة تزويج رجل من المسلمين المرأة الدنيئة كالسقّاية، والفقيرة التي لا عصبة لها، والمعتقة[52].

يقول الإمام ابن عبد البر يرحمه الله: "ولا أعلم أحداً فرّق بين الشريفة ذات الحسب والمال وبين الدنية التي لا حسب لها ولا مال إلاّ مالكاً في رواية ابن القاسم"[53].

◄  وقد بالغ الإمام الشافعي رحمه الله في ردّ هذا القول بقوله في الأم: "السنة والآثار على كل امرأة، فمن أمركم أن تخصوا الشريفة بالحياطة لها وإتباع الحديث فيها؟، وتخالفون الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمن بعده في الدنية. أرأيتم لو قال لكم قائل: بل لا أجيز نكاح الدنية إلاَّ بولي؛ لأنها أقرب من أن تُدلس بالنكاح وتصير إلى المكروه من الشريفة التي تستحي على شرفها وتخاف، أما كان أقرب إلى أن يكون أصاب منكم؟، فإن الخطأ في هذا القول لأبين من أن يحتاج إلى تبيينه بأكثر من حكايته"[54].

-  وعلى قول الجمهور: إن فعلت المرأة فزوجت نفسها دون أوليائها فزواجها فاسد، ويفسخ قبل الدخول وبعده[55]، إلاَّ أنه لا يوجب الحد لشبهة اختلاف العلماء[56].

وعن أحمد: "أنه يجب الحد بالوطء فيه إذا اعتقد حرمته"[57].

الاتجـاه الثالـث:

يرى أصحابه أن زواج المرأة بعبارتها يصح إذا أجازه الولي، سواءً زوجت نفسها من كفء أم من غير كفء، فإذا لم يأذن لم يصح الزواج.

وأصحاب هذا القول هم:

محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية[58]، ومحمد بن سيرين، والإمام أبو ثور[59].

كما أنه رواية للإمام أحمد – رحمه الله تعالى – مخرّجة على القول بصحة تزويجها لأمتها، فيقتضي التخريج صحة تزويجها لنفسها وغيرها بالوكالة.

لأنها إذا كانت أهلاً لمباشرة تزويج أمتها فلأن تكون أهلاً لتزويج نفسها بإذن وليها ولغيرها بالوكالة بطريق الأولى[60].

- وزعم القاضي أبو يعلى عدم ثبوت رواية صحة تزويجها لأمتها، إلاَّ أن الإمام الزركشي ذكر أن عامة المتأخرين على إثباتها[61].

الاتجـاه الرابـع:

سلكه الإمام داود الظاهري، الذي فرّق بين البكر والثيب، فاشترط الولي للبكر ولم يشترطه للثيب التي يرى جواز تزويجها لنفسها بعبارتها دون ولي[62].

وهكذا نلحظ:

- أن أصحاب الاتجاه الأول يجيزون للمرأة حضور مجلس العقد وإيجاب النكاح سواءً كانت بكراً أم ثيباً ما دامت حرة رشيدة مكلفة، وطالما أنها وضعت نفسها في كفء.

وعلى عكس هذا الاتجاه يأتي الاتجاه الثاني الذي لا يبيح للمرأة تولي إيقاع الإيجاب في مجلس العقد بنفسها بكراً كانت أم ثيباً؛ إذ لا عبارة للنساء عندهم في باب الزواج أصلا.

وأنوه هنا أن مسألة عدم إجازة تولي المرأة عقد الزواج عندهم لا تعلّق لها بقضية رضاها؛ إذ الجميع متفق بما فيهم أصحاب هذا الاتجاه على أنه لا يملك أحدٌ حتى لو كان أباً إجبار الثيب على الزواج، ومع ذلك لا يصح لها عند أصحاب الإتجاه الثاني حضور مجلس العقد والتلفظ بالإيجاب، أي قول: زوجتك نفسي، ولا يجيزون ذلك إلا من وليها.

- وتجدر الإشارة إلى أن أصحاب الاتجاه الثاني يقررون بأن المرأة لو زوجت نفسها بلا ولي رغم عدم صحته إلاَّ أنه لو حكم بصحته حاكم صحّ؛ معللين ذلك بأنه زواج مختلف فيه يسوغ فيه الاجتهاد[63].

-  كما أشير إلى أن الاتجاه الثالث المصحح لنكاح المرأة الذي تولته بنفسها بعد إذن وليها يبدو للوهلة الأولى مطابقاً للاتجاه الأول، إلاَّ أن التتبع والتدقيق يلمح اختلافاً بينهما في مبنى الإجازة الموقوفة على الأولياء؛ حيث أن الحنفية يبنون هذه الإجازة على تزوج المرأة من غير الكفء، بينما أصحاب الاتجاه الثالث يوقفون أصل فعل التزوج بدون ولي على إجازته، تزوجت كفءً أم غير كفء.

الأدلـة ومناقشتهـا:

أولاً: أدلة أصحاب الاتجاه الأول ( الحنفية ومن تابعهم ).

استدل الحنفية على صحة ما ذهبوا إليه بالعديد من الآيات التي أضافت النكاح إلى المرأة، كما استدلوا بأحاديث نبوية، وأدلة عقلية.

◄  أما الآيـات:

1- قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...} ( البقرة: 232).

واستدلوا بالآية من وجهين:

أحدهما: أنه أضاف النكاح إليهن، فدل على جواز الزواج بعبارتها من غير شرط الولي.

الثاني: أنه نهى الأولياء عن منعهن من زواج أنفسهن إذا تراضى الزوجان[64].

وأجيب عنه:

بأن عضلها هو: الامتناع عن تزويجها، وهذا يدل على أن نكاحها إلى الولي، ويدل عليه أنها نزلت في شأن معقل بن يسار حين امتنع عن تزويج أخته، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فزوجها[65].

- وإنما أضافه إليها لأنها محل له، فإذا ثبت هذا لم يكن لها تزويج أحد[66].

- يقول العمراني في البيان:

 ( موضع الدليل منها أن الله سبحانه وتعالى نهى الأولياء عن عضلهن عن النكاح، والعضل: المنع، فلو لم يكن للأولياء صنع في النكاح لما كان للنهي معنى )[67].