المقصد الأصلي للعبادات
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/06/13 الموافق 2017/03/12 - 04:47 م

العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة1.

فالعبادات هي جملة الأقوال والأعمال التي يقوم بها المكلف بكيفية مخصوصة على سبيل التقرب إلى الله تعالى والامتثال والانقياد والخضوع إليه.

والعبادات محدَّدة مبيَّنة, إجمالًا وتفصيلًا، تم ضبطها وبيانها وتفصيلها وشرحها في نصوص القرآن الكريم، وفي السنة النبوية القولية والفعلية والإقرارية.

فهي ثابتة وباقية ودائمة إلى يوم القيامة، لا تُغيَّر ولا تُبدَّل، ولا يجوز البتة الزيادة فيها أو النقص منها؛ لذلك مُنعت البدعة والزيادة فيها، كما مُنع -أيضا- التهاون والتقصير والتنقيص منها، وليس على المكلف إلا أن يلزم الأمرَ الشرعي والإلزامَ الرباني الذي بَيَّن العبادة المطلوبة.

ومقصود الشارع في العبادة والطاعة التي أمر بها الخلق هو:

أن يعبدوه ويطيعوه كما أمرهم وكلفهم، لا كما اشتهوا, ولذلك تقررت القاعدة الشرعية المقاصدية المعروفة: "لا يُعبَد الشارع إلا بما شرع". و"الأصل في العبادات التوقيف".

يقول الشاطبي رحمه الله: "إن مقصود العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه, والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذِكره, حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله ومراقبًا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته، وما يقرِّب إليه على حسب طاقته"2.

والقول بأن العبادات توقيفية غير معللة لا يعني خُلُوّها من المصالح والحِكم والفوائد؛ وإنما يعني ثبوتها ودوامها على ذلك الأمر؛ كي لا تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال، وكي يتحقق منها واجب التدين والتعبد والامتثال؛ إذ لا يُعَدّ الإنسان مطيعًا ومنقادًا إلا إذا فَعَل ما أُمِرَ به من الشارع الحكيم على الوجه الذي أراد وبالكيفية التي طلب.

فالمكلف الذي يصوم كل عمره بلا انقطاع لا يعد عابدًا ولا متقربًا؛ لأنه فعل ما يخالف أمر الله في الصوم ومراده فيه؛ إذ الصوم الواجب لم يشرع إلا في أزمنة معينة، ولم يؤمر به إلا لاشتماله على منافع وحِكَم كثيرة في الدنيا والآخرة، وقد جمع الله تعالى كل تلك المنافع والحكم في مقصود جامع وهدف كلي، هو بلوغ التقوى وتحصيلها {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وأرقى درجات تلك التقوى وأعلى مراتبها: عبادة الله، والامتثال إليه في عبادة الصوم التي جعلها الله تعالى لنفسه دون غيره: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"3.

والعبادات مشروعة لِعِلَل وحِكَم وفوائد في الدنيا والآخرة، للفرد والمجتمع؛ غير أن هذا التعليل على ضربين:

الأول: كل العبادات معلَّلة في الجملة والعموم بجلب مصالح الناس ومنافعهم في الدنيا والآخرة، وتلك المصالح والمنافع تُجلَب بطاعة الله وعبادته، والخضوع والانقياد إليه, ونفعها لا يعود إلا عليهم بتحقيق الأمن والسلامة من العذاب، والفوز بمرضات الله وجناته.

الثاني: بعض أفراد العبادات معلّل بما يجلب للإنسان بعض المنافع الظاهرة والدنيوية، كالطهارة، والزكاة, والحج.

قال الله تعالى في الطهارة: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة:6].

وقال في الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103].

وقال في الحج: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28].

وقال في قُرْبِ الزوجة زمن الحيض: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا}[البقرة:222].

فتعليل بعض الأحكام التعبدية ببعض المنافع والفوائد الدنيوية مقرر ومعلوم وثابت؛ غير أنه ليس المقصودَ الأول، ولا المطلوبَ الأصلي؛ وإنما هو يأتي في المرتبة الثانية بعد مرتبة التعبد والطاعة والامتثال؛ إذ المقصد الأصلي من العبادات هو الخضوع والانقياد، والمقصد التَّبعي هو نيل بعض الحظوظ والمنافع العاجلة.

ولكن يشترط في المقصد التبعي أو قصد الحظوظ والمنافع أن لا يكون المقصدَ الأول والمرادَ الأصلي؛ بل لا بد أن يكون المقصدُ الأصلي للعبد: عبادة الله والخضوع إليه، وطلب عفوه ومرضاته وجناته؛ ليعظم ثوابه وأجره.

فالقول بكون أصل العبادات التعبد والتوقيف، وعدم الالتفات إلى المعاني، لا يعني خلو تلك العبادات من الفوائد والمعاني والحِكم -كما تقدم-، ولا يعني كذلك إجراء الأقيسة على تلك العبادات المقدرة وإيجاد عبادات أخرى، أو إحداث الزيادة فيها أو النقص منها.

قد يقول البعض: إذا كان القصد من العبادة هو التقرب إلى الله؛ فلماذا لا يُكلَّف العبد بعبادات أخرى حتى يكون قربه من الله أكبر وأكثر؟

كأن يقال: إذا كان الأذان مشروعًا للإعلام والنداء والتجميع، فلماذا لا يُشرع الأذان في العيدين والكسوف، كي نحقق المقصود منه، وهو الإعلام والنداء والتجميع؟

أو يقال: إذا كان الحج مشروعًا لجلب المنافع؛ فلماذا لا نقتصر على بعض أعماله وأركانه، ولماذا لا نتجنب مواضع الازدحام الشديد الذي قد يفضي إلى الهلاك، أو تفويت الراحة؟

والحق أن أقوال الناس وتخيلاتهم لا تنتهي لو تُرِكت العبادات إلى أهوائهم وتشهياتهم، أو لو شُرِعت من أجل ما فيها من المعاني والفوائد فقط.

ولذلك كلّه حُدِّدت العبادات وضُبِطت على سبيل الإجمال والتفصيل، وعلى سبيل التعبد والتقرب، وشرعت لصلاح الناس وإسعادهم في الدارين، بتحقيق مرضاة الله والفوز بجناته في الآخرة، وبتحصيل المنافع والحظوظ الدنيوية التبعية المتفرعة عن المقصد الأصلي وهو تحقيق العبودية لله والانقياد له4.

المراجع

  1- ينظر: مجموع الفتاوى 10/149.

  2- ينظر: الموافقات 2/383.

  3- أخرجه البخاري 7/164, رقم 5927, ومسلم 2/807, رقم 1151.

  4- ينظر: علم المقاصد الشرعية ص 166 وما بعدها. 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
داعيات يناقشن "حكمة المرأة الداعية في تحقيق الأمن الأسري"
احتضنت جامعة طيبة ندوة "حكمة المرأة الداعية في تحقيق الأمن الأسري" التي نظمها كرسي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لدراسات الحكمة في الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وسط حضور نسائيّ كثيف، وذلك ضمن فعاليات المدينة عاصمة السياحة الإسلامية.
الجمعة غرة شعبان في السعودية
الجمعة هو غرة شهر شعبان للعام 1438.
الشيخ آل طالب إمام وخطيب المسجد الحرام ينال الدكتوراه في الفقه المقارن
ناقشه المفتي العام ورئيس الهيئات ومدير جامعة الإمام..
لا يُنسب إلى ساكتٍ قول
من القواعد الفقهية التي تطرق لها الفقهاء قولهم: لا يُنسب إلى ساكتٍ قول.
هبة المريض هل تخرج من رأس ماله أو من الثلث
الأصل في هبة الإنسان إذا كان مالكًا للموهوب، صحيحَ الملك، وفي حالة الصحة، وإطلاق اليد أن تخرج هبته من رأس ماله.
حكم بيع الفضولي بحضرة المالك
إذا باع أجنبي مالَ أحدٍ فضولًا، وصاحبُ المال يشاهد البيع وهو ساكت, فهل يُعدُّ سكوتُه توكيلًا بالبيع أو إجازة، أم لا يعدّ سكوته كذلك، ومِن ثَمَّ فإنّ البيع موقوف على إجازة المالك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م