الفروق في منهج البحث العلميّ (4)
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/06/10 الموافق 2017/03/09 - 09:43 ص

الفارق بين الحقيقة العلميّة والحقيقة المنطقيّة (2)

(مقدّمة1): حول حقيقة المنهج العلميّ وموقف الإنسان منه:

منهج البحث العلميّ، في الحقيقة: آليّة إنسانيّة فطريّة، أثبتت مصداقيّتها العلميّة، في عصرنا الرّاهن، بما نتج عنها من التَّقنيَّات الصناعيّة والرّقميّة الهائلة، ممّا أثار في الإنسانِ المعاصرِ الشّعورَ بالانبهار، ومن ثمّ كان للإنسانِ إزاء منهج البحث العلميّ موقفان: فأمّا الذين آمنوا، فيوقنُون بأنّ ذلك كلَّهُ ثمرةٌ لكلٍّ من التّسخير الإلهيّ، والتَّعليم الإلهيّ، مِصداقاً لقول الله تعالى في سياق الدّعوة إلى القراءةِ من أجل معرفة الخلق الكونيِّ المسخّر للإنسان: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [العلق: 1 - 5].

وأمّا الذين كفروا، فيقولون: ذلك كلّه ثمرةٌ للوعي الإنسانيّ، الذي تطوّر بنفسه عبر القرون، حتى بلغ قمّة المعرفة والحضارة، في عصرنا الرّاهن، مع الإنسان الأوربيّ، وذلك كلّه مصداقاً لقول الله تعالى، في نفسِ السياق من سورة العلق: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6-8]، (أَيْ: مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَطْغَى، إِذَا أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ الِاسْتِغْنَاءَ)1.

(مقدمة2) حول (الفروق في منهج البحث العلميّ):

منهج البحث العلميّ، آلةٌ عِلميّة، تتكوّن من جملةٍ من المفاهيم والتصورات، التي تهدف إلى الكشف عن الحقيقة في مجالٍ معيّن، وحتّى يتّضح في وعينا المقصود بهذه الآلة العلميّة، فينبغي معرفةُ مكوِّناتها من المفاهيم، وإدراك الفروق بينها.

ومن المُكوّنات الأساسيّة لمنهج البحث العلميّ، التي ينبغي إدراكُ معانيها والتّمييزُ بينها: مفهوما الحقيقة العلميّة، والحقيقة المنطقيّة.

ماذا نعني بالحقيقة العلميّة؟

نعني بها المعرفة الإنسانيّة، الّتي تتعلّق بالظَّواهرِ الواقعيَّةِ، القابلةِ للإدراك الحسيّ، سواءٌ الإدراك الحسّيّ المباشر (مثلُ رؤيتك صديقَك محمداً الواقفَ أمامكَ)، أو غير المباشر، ممّا لا يُمكن أن يتحقّق إلا عبر آليّاتٍ وأجهزةٍ علميّة دقيقة (مثلُ رؤيتك صديقَك محمداً الواقفَ على بعد ثلاثة أميالٍ منك، بواسطة مِنظارٍ مقرّب).

وماذا نعني بالحقيقة المنطقيّة؟

 نعني بها نظامَ الفكر الإنسانيّ، الّذي يستند إلى معارفَ إنسانيّة ضروريّة، مركوزةٍ في فطرة كلِّ إنسان، وتتأسّسُ على مبدأ فطريٍّ جوهريٍّ، هو "مبدأ الهُويَّة وعدم التّناقض"، (أي: إنّ ذاك الذي رأيتَه في تلك اللحظةِ: إمّا أن يكون هو محمّداً، أو: أن يكونَ غيرَ محمّدٍ، فلا يمكن أن يكون هو محمّداً وغيرَ محمّدٍ في آنٍ واحد)، فالتّناقض في صميم الأشياء ممتنعٌ ومستحيل، هذا هو المبدأ الأساس من مبادئ المنطق، وعلى قاعدته تُبنى كلُّ الحقائق والمعارف الإنسانيّة2، وهذا المبدأ الفطريُّ هو أساسُ الرؤية الإيمانيّة، لأنَّهُ نابع من الشُّعور الفطري باستقامة الخلق الإلهيِّ وانسجامه وتناسقه.

(ارتباط المنطق بالنُّطق، وارتباط الفكر باللُّغة):

هذا، ومن الحقائق الأساسيّة، المتعلّقة بنظام الفكر الإنسانيّ، أنّه مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بنظام اللّغةِ، فاللّغة هي وعاء الفكر الإنسانيّ، وإنّما اشتُقَّ اسمُ المنطق من النُّطق، ولذلك فإنّ قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرَّحمن:1-5]، فيه تنويهٌ بما أنعم اللهُ به على الإنسانِ من نعمةِ العقل والمنطقِ، إذ كيف يتحقّق البيانُِ والتّبيين، بدون عقلٍ وفكرٍ ومنطق؟! إذن: تعليمُ الإنسانِ البيانَ، هو في الحقيقةِ تعليمُهُ منهجَ الفكرِ والنَّظرِ والإدراك، وذلك يتعزّزُ بقول الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، فكان أوّلَ ما (أودعهُ الله هذا الكائنَ البشريَّ، وهو يُسلِّمُه مقاليدَ الخلافة: سرَّ القدرة على الرَّمز بالأسماء للمسمَّيات)3.

علاقة الاستقراء والاستنباط بالمنطق:

وقد مرّ بنا في حلقة سابقةٍ: أنّ للمنهج العلميّ طريقتينِ في الاستدلال، هما: طريقتا الاستقراء والاستنباط، اللتان يوظفهما الإنسانُ، لإنتاج المعرفة العلميّة واستنباطها، من أيّ حقلٍ من الحقول.

أما علاقة المنطق بهاتين الطريقتين، فتتمثّل في أنّ المنطقَ أو نظام الفكر الإنسانيّ، وما يستندُ إليه من المعارف الضَّروريّة والفطريّة، كلّه إنما يظهر من خلال هاتين العمليَّتين أو الطَّريقتين، وما عدا ذلك فإنّه يكون كامناً في فطرة الإنسانِ، غير ظاهر.

عزيزي القارئ،

بكلّ ما سبقَ، من توضيح معنيي كلٍّ من (الحقيقة العلميّة)، و(الحقيقة المنطقية)، وما  اقتضاه ذلك من استطرادٍ ضروريٍّ، أرجو أن يكون قد تهيَّأ سياقُ الكلام لرصد الفروق بين هاتين الحقيقتين في إطار منهج البحث العلميّ، وذلك بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة.

المراجع

  1- التحرير والتنوير (30/ 444).

2- وليس مستغرباً: أنّ الرؤية الفلسفيّة المادّية التي يتأسس عليها وعي الإنسان المعاصر، أعني الرؤية المادية كما تبلورت في أرقى صورها، أي في المادية الجدليّة الماركسية، تقوم هذه الرؤية على أساس مبدأ التناقض في صميم الأشياء، فذلك هو سرُّ القلق المعرفيّ العميق الذي يتميز به الإنسان المعاصر، مهما ارتقت معارفه.

2- في ظلال القرآن (1/ 57). 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
أ د الفنيسان: الموتى في قبورهم يفرحون بأعمال ذويهم
حث فضيلة الشيخ الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض - سابقاً، على عمل الخير، مشيرًا أن من أراد أن يسعد أقاربه وذويه في قبورهم فعليه أن يقوم بأعمال الخير.
أردوغان يستنكر بشدة مساعي البعض للتشكيك في السنة النبوية الشريفة
رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بشدة مساعي البعض للتشكيك في السنة النبوية الشريفة، وجعلها موضع جدل ونقاش.
السعودية تعلن انطلاق موسم العمرة الجديد
أعلنت السعودية، مساء السبت، انطلاق موسم العمرة لعام 1439 هـ (غرة شهر صفر الجاري).
الإقناع في فقه الإمام أحمد للعلامة الحجّاوي
فإنّ من الظواهر البارزة، في مسيرة التطور داخل المذاهب الفقهيّة، أنّه ما أن يبرز كتابٌ، وتستبينَ لفقهاء المذهب فضائله ومميّزاته، وما قد يتّسم به من عبقريّةٍ وجدّةٍ وطرافةٍ، في جمع أطراف المذهب، وفق تصنيفٍ متكامل، إلا وتنداح حوله الدوائرُ، شرحاً وتعليقاً وتحشيةً وتنكيتاً ونظماً وإعراباً، ويستمرّ ذلك ويتوالى إلى أن يبرز كتابٌ آخر، في وقتٍ آخر، ليُلبّي حاجاتٍ جديدة، والكتابُ الذي بين يدينا هو متنٌ من أشهر متون الفقه الحنبليِّ، التي انداحت حولها دوائر الحفاوة والاهتمام، بل إنّ كتاب "الإقناع"، أو "الإقناع لطالب الانتفاع" كما يرى ابن بدران: (أحد المتون الثلاثة التي حازت اشتهارًا أيَّما اشتهارٍ، في مكتبة الفقه الحنبلي)[1]، إلى جانب "مختصر الخرقيِّ"، و"المقنع" للموفق ابن قدامة.
أليس ثمّة منهجٌ شرعيٌّ للبحث العلميّ؟
فهذه رسالةٌ قد بلغت إلينا من طالب علمٍ ذكيٍّ وباحثٍ مجتهد، يقول فيها:
الوصايا الذّهبيّة إلى طلاب العلوم الشَّرعيَّة (3)
أمَّا بعدُ، فهذه الحلقة الثالثة، من حلقات هذه الوصايا الذّهبية، التي نستخرجها من الرّسالة الموسومة باسم "التَّذْكِرةُ والاعْتِبَارُ والانْتِصَارُ للأبْرَارِ"، لكاتبها العلاّمة أَحمد بن إِبراهيم الواسطيّ، التي كتبها إلى رفاقه وأصحابه من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهم يواجهون البلاء، بسبب ما قاموا به من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فلذا كان ممّا افتتح به رسالته دعاؤه: (جَعَلَنا الله وإِيَّاكم ممن ثبت على قَرْع نوائب الحق جأشُه، واحتسب لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه)[1].
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م