كنز الرَّاغبين فِي شرح منهاج الطالبين فِي الْفُرُوع
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/06/08 الموافق 2017/03/07 - 11:16 ص

تمهيد:

مرّت مسيرة التّأليف في المذهب الشّافعيّ، كما مرّت مسيرة التّأليف في سائر المذاهب الفقهيّة، في مسارٍ محدّد، تَتَتَابعُ فيه مؤلّفاتُ المذهبِ وكتبهِ واحداً وراء الآخر، ثمّ إنّ كتاباً متميّزاً في منهجيّته ومادّته، يبرز في ساحة المذهب، فتنداح حوله دوائر من الاهتمام والحفاوة، شرحاً وتعليقاً وتحشيةً وتنكيتاً وإعراباً ونظماً. ويُعدُّ من أبرز كتب المذهب الشافعيّ، التي لفتت أنظار الفقهاء وطلاب العلم، كتابُ "منهاج الطّالبين" للإمام النَّووي، فما أن فرغ من تأليفه رحمه الله، وذلك في يوم التاسعَ عشر من رمضان سنة 699هـ، إلا وانداحت حوله شتّى ألوانُ التأليف التي تجاوزت العشرين كتاباً، احتلّ أربعةٌ منها المكانة اللائقة بها ضمن الكتب المعتمدة في المذهب الشافعيّ، ألا وهي "تحفة المحتاج" لابن حجر، و"مختصر منهاج الطلاب"  لشيخ الإسلام زكريا الأنصاريّ، و"نهاية المحتاج" للرّمليّ، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، لمؤلفه جلال الدين المحلِّي.

صاحبُ كنز الراغبين[1]:

هو الإمام جلال الدين أبو عبد الله محمد بن شهاب الدين، المعروف باسم الجلال المحلّي، أو جلال الدين المحلّي نسبةً إلى منطقة المحلة الكبرى بالقاهرة، التي وُلد فيها سنة 791هـ. وتتّضح المكانة العلميّة البارزة للجلال المحلّي، من النظر في أسماء شيوخه، من ناحيةٍ، وتلاميذه من النّاحية الأخرى، فمن شيوخه: سراجُ الدِّين بن الملقِّن، وسراج الدِّين البلقيني، والحافظ ابن حجر العسقلانيُّ، وغيرهم، ومن تلاميذه: جلالُ الدِّين السيوطيُّ، وشمسُ الدِّين السَّخاوي، ونور الدين السَّمهودي. وخلق كثير.

وكان المحلّي عالماً عاملاً بعلمه، مهيباً وقوراً، أوّاباً إلى الحق، زاهداً في المناصب، عُرض عليه القضاءُ بعد وفاة شيخه الحافظ ابن حجر فأبى. وفي ذلك يقول تلميذه السيوطي: (كان غرَّة هذا العصر، في سلوك طريق السَلف على قدم الصلاح والورع، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، يواجه بذلك الظَّلَمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفتُ إليهم ولا يأذنُ لهم بالدُّخول عليه).

وكان المحلّي شديد الذكاء، حتّى قيل على سبيل المبالغة: إنَّ ذهنه يثقب الماسّ. كما لقّبه ابنُ العماد بلقب (تفتازانيَّ العرب)، هذا وقد وصفه العلامة الرمليُّ في حاشيته بأنه: (مُحَقِّقُ زَمَانِهِ وَعَالِمُ أَوَانِهِ، وَحِيدُ دَهْرِهِ وَفَرِيدُ عَصْرِهِ، فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، الْمَنْثُورِ مِنْهَا وَالْمَنْظُومِ، شَيْخُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ، عُمْدَةُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ)[2]. فلا غرو أن ذاعت مؤلّفاتُه حتّى عصرنا الرّاهن، ومن أكثرها ذيوعاً تفسير الجلالين الذي أكمله تلميذه جلال الدين السيوطي، وشرحُ نظم الورقات، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا.

وصف الكتاب:

افتتح الجلال المحلّي كتابه بمقدّمةٍ موجزة، قال فيها بعد البسملة والحمدلة: (هَذَا مَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةُ الْمُتَفَهِّمِينَ لِمِنْهَاجِ الْفِقْهِ، مِنْ شَرْحٍ يَحُلُّ أَلْفَاظَهُ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ، وَيُتَمِّمُ مُفَادَهُ، عَلَى وَجْهٍ لَطِيفٍ، خَالٍ عَنْ الْحَشْوِ وَالتَّطْوِيلِ، حَاوٍ لِلدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ، وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). فمن الواضح أنّ الجلال المحلّي ينتهج نهج تكثيف المعاني، وإطلاق دلالاتها المكنونة في "منهاج الطالبين"، وذلك عن طريق استعمال كلماتٍ مخصوصة، استعمالاً مخصوصاً، في مواضع مخصوصة.

وهذه الطريقة تتَّكئ على شرطٍ ذكره الجلال المحلّي بصريح العبارة، وهو أن يكون  القارئ متفهِّماً، فالدّاعي لوضع الكتاب كلّه كما ذكر هو تلبية (حاجة المتفهّمين) لـ (منهاج الفقه)، وكأنّه إذ يختارُ هذه التسمية من أسماء "منهاج الطالبين" النّوويّ، كأنّه يقولُ إنّه منهاجُ الفقه في الحقيقة، وأنّه في حدّ ذاته واضحٌ لمن أراد تفهُّمه، إذا ما  انتبه إلى الكلمات والحروف واللّمسات، التي سيُضيفها الجلال المحلّي على نصّ (منهاج الطالبين)، في المواضع التي تحتاج إلى تذليل معاني الكتاب وإيضاحها في ذهن القارئ، وهذا مسلكٌ يدرك الجلال المحلّي أنّه لا يتحقّق إلا (عَلَى وَجْهٍ لَطِيفٍ)، وبه تتحقّق في الكتاب سمتان: الخلوُّ من الحشو والتّعليل، أولاً، والجمع بين الدّليل والتّعليل ثانياً، وقد فرغ المحلّيّ من تأليفه سنة 860هـ.

هذا وقد وصف العلامة الرّمليُّ شرح المحلّيّ لمنهاج الطالبين بأنّه (شَرْحٌ كَشَفَ بِهِ الْمُعَمَّى وَجَلَا الْمُغْمَى، وَفَتَحَ بِهِ مُقْفَلَ أَبْوَابِهِ، وَيَسَّرَ لِطَالِبِيهِ سُلُوكَ شِعَابِهِ، وَضَمَّنَهُ مَا يَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ وَالنَّوَاظِرَ، وَيُحَقِّقُ مَقَالَ الْقَائِلِ: كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ، إلَّا أَنَّ الْقَدَرَ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى إيضَاحِهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ فَجْأَةِ الْمَقْضِيِّ مِنْ مَحْتُومِ حَمَامِهِ، فَتَرْكَهُ عَسِرَ الْفَهْمِ كَالْأَلْغَازِ، لِمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ غَايَةِ الْإِيجَازِ)[3]، فهذا هو السببُ في أنّ "كنز الراغبين" رغم ما يتميز به من الدقة والإحكام، صار محتاجاً هو ذاته إلى حلّ ألفاظه، فلذلك لم يلقَ كتاب من الشّهرة والذُّيوع ما لقيه مؤلّفاه في التفسير والأصول.

حفاوة العلماء وطلاب العلم بكنز الراغبين:

احتفى العلماء بهذا الشرح الجديد من شروح "منهاج الطالبين"، فجعلوا منه منهجاً تعليميّاً يُقرؤونه طلاب العلم، ولذا حفّت به الحواشي، فكان ولا يزال يُدرَّس مع حواشيه بالأزهر الشريف.

ومن هذه الحواشي[4]:

- حاشية للشيخ جلال الدين أبي البقاء محمد بن عبد الرحمن بن احمد, المعروف بالجلال البكري (ت 891هـ)، سمّاها الابتهاج بحواشي المنهاج على شرح المحلي.، وهي مخطوطة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة.

- وحاشية لولد الشيخ الجلال البكري، المتوفى سنة 952هـ.

- وحاشية للشيخ حسن بن علي بن يوسف الحصكفي المحلي، المعروف بابن السيوفي (ت925هـ).

- وحاشية للشيخ محمد بن خلف بن محمد, الشاذلي، المعروف بابن خلف الشاذلي، وهي مخطوطة محفوظة بالمكتبة الأزهرية، بالقاهرة.

- وحاشية عميرة على شرح منهاج الطالبين، للإمام شهاب الدين أحمد البرَلُّسي المعروف بعميرة (ت957هـ).

- وحاشيتان للإمام بدر الدين أبي الفضل  أبي البركات، محمد بن محمد بن أحمد، المعروف بابن رضي الدين الغزي العامريّ القرشيّ (ت984هـ).

- وحاشية للشيخ بدر الدين محمد بن محمد الكرخيّ البكري الشافعيّ (ت1006هـ).

- وحاشية للشيخ عليّ المنيري (ت1014هـ)، سمّاها "الكشف المجلّى في الكلام على المنهاج والشارح المحلّي".

- وحاشية للشيخ زين العابدين بن عبد الرؤوف المناوي (ت1022هـ).

- وحاشية للشيخ نور الدين عليّ بن يحيى الزّياديّ المصريّ (ت1024هـ).

- وحاشية للشيخ محمد بن عبد  الله ابن النقيب البيروتي الشافعي (ت1064هـ)، سمّاها "فتح التجلي على المنهاج والمحلّي".

- وحاشية للشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي (ت1069هـ).

- وحاشية للشيخ عبد البر بن عبد الله بن محمد بن عليّ المصريّ الأجهوريّ (ت1070).

طبعات الكتاب:

- طُبع الكتاب بمطبعة بولاق بالقاهرة في جزأين سنة 1283هـ.

- ثم طُبع بمطبعة بولاق أيضًا سنة 1294هـ مع حاشية للشيخ شهاب الدين البَرَلُّسي الشَّهير بعميرة.

- ثم طُبعوا جميعًا ومعهم حاشية الشيخ أحمد القليوبي بالمطبعة الميمنيَّة سنة 1306هـ، ثم سنة 1318هـ.

- ثم طُبع بدار إحياء الكتب العربية سنة 1327هـ، في أربعة مجلدات، ثم تكرر طبعه بعدها مرارًا[5].

- ثمّ طبعته دار المنهاج، بتحقيق: محمود صالح أحمد حسن الحديدي، سنة: 1434-2013هـ، في مجلدين اثنين.

المراجع

 [1] تراجع ترجمة له بموقع الملتقى الفقهي، الشبكة الفقهية:

://www.feqhweb.com/vb/t17943.html#ixzz4aGYefVm2.

[2] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (1/ 11).

[3] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (1/11، 12).

[4] يُنظر: مقدمة تحقيق كتاب "كنز الراغبين"، طبعة دار المنهاج، ص 49. وخزانة التراث- فهرس مخطوطات (المكتبة الشاملة).

[5] انظر: لمحات في المكتبة والبحث والمصادر (ص: 250).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
أ د الفنيسان: الموتى في قبورهم يفرحون بأعمال ذويهم
حث فضيلة الشيخ الدكتور سعود الفنيسان، الأستاذ في جامعه الامام وعميد كليه الشريعه بالرياض - سابقاً، على عمل الخير، مشيرًا أن من أراد أن يسعد أقاربه وذويه في قبورهم فعليه أن يقوم بأعمال الخير.
أردوغان يستنكر بشدة مساعي البعض للتشكيك في السنة النبوية الشريفة
رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بشدة مساعي البعض للتشكيك في السنة النبوية الشريفة، وجعلها موضع جدل ونقاش.
السعودية تعلن انطلاق موسم العمرة الجديد
أعلنت السعودية، مساء السبت، انطلاق موسم العمرة لعام 1439 هـ (غرة شهر صفر الجاري).
الإقناع في فقه الإمام أحمد للعلامة الحجّاوي
فإنّ من الظواهر البارزة، في مسيرة التطور داخل المذاهب الفقهيّة، أنّه ما أن يبرز كتابٌ، وتستبينَ لفقهاء المذهب فضائله ومميّزاته، وما قد يتّسم به من عبقريّةٍ وجدّةٍ وطرافةٍ، في جمع أطراف المذهب، وفق تصنيفٍ متكامل، إلا وتنداح حوله الدوائرُ، شرحاً وتعليقاً وتحشيةً وتنكيتاً ونظماً وإعراباً، ويستمرّ ذلك ويتوالى إلى أن يبرز كتابٌ آخر، في وقتٍ آخر، ليُلبّي حاجاتٍ جديدة، والكتابُ الذي بين يدينا هو متنٌ من أشهر متون الفقه الحنبليِّ، التي انداحت حولها دوائر الحفاوة والاهتمام، بل إنّ كتاب "الإقناع"، أو "الإقناع لطالب الانتفاع" كما يرى ابن بدران: (أحد المتون الثلاثة التي حازت اشتهارًا أيَّما اشتهارٍ، في مكتبة الفقه الحنبلي)[1]، إلى جانب "مختصر الخرقيِّ"، و"المقنع" للموفق ابن قدامة.
أليس ثمّة منهجٌ شرعيٌّ للبحث العلميّ؟
فهذه رسالةٌ قد بلغت إلينا من طالب علمٍ ذكيٍّ وباحثٍ مجتهد، يقول فيها:
الوصايا الذّهبيّة إلى طلاب العلوم الشَّرعيَّة (3)
أمَّا بعدُ، فهذه الحلقة الثالثة، من حلقات هذه الوصايا الذّهبية، التي نستخرجها من الرّسالة الموسومة باسم "التَّذْكِرةُ والاعْتِبَارُ والانْتِصَارُ للأبْرَارِ"، لكاتبها العلاّمة أَحمد بن إِبراهيم الواسطيّ، التي كتبها إلى رفاقه وأصحابه من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهم يواجهون البلاء، بسبب ما قاموا به من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فلذا كان ممّا افتتح به رسالته دعاؤه: (جَعَلَنا الله وإِيَّاكم ممن ثبت على قَرْع نوائب الحق جأشُه، واحتسب لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه)[1].
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م