كل علة خالفت نصا أو إجماعا فهي باطلة
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/06/01 الموافق 2017/02/28 - 09:00 ص

تعددت تعريفات الأصوليين للعلَّة, ومِن أحسنِها قولهم:

"العِلَّة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع مناطًا لثبوت الحكم"[1].

ومما يُشترط في العلّة أن تكون عرِيَّةً عن مخالفة كتابٍ أو سنةٍ, أو مخالفةِ إجماعٍ؛ لأن النص والإجماع لا يقاومهما القياس, بل يكون إذا خالفهما باطلا[2].

قال السرخسي: "النص مقدَّم على القياس بلفظه ومعناه, فكما لا يُعتبَر القياس في معارضة النص بإبطال حكمه, لا يُعتبَر في معارضته بإبطال لفظه"[3].

وتعليل القاعدة بيِّنٌ؛ لأن العلَّة مستنبَطةٌ من حكم الأصل الثابت بالنص أو الإجماع؛ إذ هي الوصف الذي دلَّنا عليه النص أو الإجماع، وإذا كان كذلك فلا يُعقل أن تخالف العلَّةُ أصولَها، فلو عُلِّل حكم بعِلَّة مخالفة للنص أو الإجماع رُدّت, ولم تكن علَّة صالحةً لثبوت الحكم, ولذا كان ما تقدم ذِكْره محلّ اتفاق[4].

أهمية وفائدة هذه القاعدة:

تعتبر هذه القاعدة الأصولية ميزانًا مُحْكَمًا توزن به الأقوال والفتاوى الفقهية؛ إذ بِإِعمالها يتضح مدى ضعف وعدم صحة كثير من الفتاوى والأقوال التي لا تستند للضوابط الشرعية ولا للقواعد المرعية.

ومن الأمثلة على ذلك:

1- تعليل جواز نكاح المرأة بغير إذن وليِّها بملْك بُضْعِها:

يقول الحنفية: "امرأةٌ مالكة لبُضْعها، فيصحّ نكاحها بغير إذن وليِّها، قياسا على ما لو باعت سلعتها".

فهذه علة مخالفة للنص, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل"[5].

2- عدم صحة قياس السِّباع على الخمس الفواسق عند الحنفية:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلّ والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيَّا"[6].  

قال السرخسي: "لا يجوز قياس السباع سوى الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمُحْرِم, وفي الحرم؛ لأنّ في النص قال عليه الصلاة والسلام: خمس يقتلن في الحلّ والحرم, وإذا تعدّى الحكم إلى محلٍّ آخر يكون أكثر من خمس, فكان في هذا التعليل إبطالُ لفظٍ من ألفاظ النص"[7].

3- جواز السَّلَم حالا قياسا على البيع:

جاء في الحديث اشتراط الأجَل في السَّلَم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن أسلَفَ في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"[8].

فلا يجوز المصير فيه إلى التعليل حتى يجوز السلم حالا بالقياس على البيع بعلة أنه نوعُ بيعٍ؛ لأن الأصل في جواز البيع اشتراطُ قيام المعقود عليه في ملك العاقد, والقدرة على التسليم, ثم تُرِك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص, وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان, ورخص في السلم[9].

4- سقوط الصلاة على المسافر قياسا على الصوم:

وهو مثال لمخالفة الإجماع, كأن يقال: مسافر فلا تجب عليه الصلاة في السفر، قياسا على صومه في عدم الوجوب في السفر؛ بجامع المشقة.

فيقال: هذه العلة مخالفة, والإجماع على عدم اعتبارها في الصلاة، وأن الصلاة واجبة على المسافر مع وجود مشقة السفر[10].

5- لو قيل لغَنيٍّ وجبت عليه الكفارة بسبب وقاعه في نهار رمضان: "صُم ولا تُعتق"؛ لسهولة العتق عليه لِغِنَاه، فهذا لا يصح؛ وتُرَدُّ العلة لمخالفتها لحديث الأعرابي الذي جاء للنبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الوقاع في رمضان, فأجابه بعتق الرقبة أوَّلا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام.

 المراجع

[1] ينظر: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب 3/29.

[2] ينظر: التحبير شرح التحرير 7/3278.

[3] أصول السرخسي 2/150.

[4] ينظر: الكافي شرح البزدوي 4/1679, وأصول السرخسي 2/150, وشرح جمع الجوامع 2/250, والتحبير شرح التحرير 7/3278, وشرح الكوكب المنير 4/85.

[5] أخرجه الترمذي 3/399, رقم 1102.

[6] أخرجه البخاري 4/129, رقم 3314, ومسلم 2/856, رقم 1198. واللفظ له.

[7] أصول السرخسي 2/170.

[8] أخرجه البخاري 3/85, رقم 2240.

[9] ينظر: أصول السرخسي 2/152.

[10] ينظر: التحبير شرح التحرير 7/3278.  

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الجمعة غرة شعبان في السعودية
الجمعة هو غرة شهر شعبان للعام 1438.
الشيخ آل طالب إمام وخطيب المسجد الحرام ينال الدكتوراه في الفقه المقارن
ناقشه المفتي العام ورئيس الهيئات ومدير جامعة الإمام..
إشهار 481 شخصًا إسلامهم في بوروندي
في إطار جهودها المتواصلة في التعريف بالإسلام وسماحته، أسفرت جهود جمعية "التعليم والتنمية" الدعوية بمدينة "موينجا" البوروندية عن إشهار حوالي 481 شخصًا إسلامهم وذلك في أعقاب رعايتها لقافلتين إغاثيتين بالمحافظة.
لا يُنسب إلى ساكتٍ قول
من القواعد الفقهية التي تطرق لها الفقهاء قولهم: لا يُنسب إلى ساكتٍ قول.
هبة المريض هل تخرج من رأس ماله أو من الثلث
الأصل في هبة الإنسان إذا كان مالكًا للموهوب، صحيحَ الملك، وفي حالة الصحة، وإطلاق اليد أن تخرج هبته من رأس ماله.
حكم بيع الفضولي بحضرة المالك
إذا باع أجنبي مالَ أحدٍ فضولًا، وصاحبُ المال يشاهد البيع وهو ساكت, فهل يُعدُّ سكوتُه توكيلًا بالبيع أو إجازة، أم لا يعدّ سكوته كذلك، ومِن ثَمَّ فإنّ البيع موقوف على إجازة المالك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م