الفروق في منهج البحث العلميّ (3)
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1438/05/25 الموافق 2017/02/22 - 04:32 م

الفارق بين الحقيقة العلميّة والحقيقة المنطقيّة (1)

مقدّمة:

قد رأينا أنّ منهج البحث العلميّ، هو الدّليل المرشد للباحث العلميّ، في طريق بحثه، وهذا الدليل المرشد هو عبارةٌ عن آليّةٍ مفاهيميّة، أي جهازٌ نظريٌّ، يتكوّنُ من مفاهيمَ ومصطلحاتٍ مُعيّنة، وينبغي حتّى يحقّق وظيفته الإرشاديّة أن تكون هذه المفاهيم المكوّنة له واضحة الدّلالة، بعيدةً عن الغموض، ولذا فإنّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى التّفريق بين بعض المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في "منهج البحث العلميّ"، وهو موضوع هذه الحلقاتِ.

وفي هذه الحلقة الثّالثة، نتناول التَّمييز بين مفهومي "الحقيقة العلميّة"، و"الحقيقة المنطقيّة".

وبدءاً نذكّر بأنّنا -في ظلّ هذه النّافذة "نافذة مناهج البحث"، وفي ظلِّ هذا الموقع "موقع الملتقى الفقهيّ"- نتعاملُ مع المنهج العلميّ، على أساس أنّه تلكَ المنهجيّةُ الإنسانيّة الفطريّة، التي هدى الله تعالى الإنسانَ إليها، فتحقّقتْ بها تلك الإنجازاتُ الكبيرة، متمثّلةً في كلّ التقنيات الصناعيّة والرّقميّة الهائلة، التي تقف البشريّة اليومَ مبهورةً إزاءها، فهذا المنهج العلميّ آليّة إنسانيّة فطريّة، أثبتت مصداقيّتها العلميّة، وموثوقيّتَها واعتبارَها، فوق كلِّ ذرّةٍ من شكٍّ أو رِيبة.

إنّ مكانة المنهج العلميّ، عند طلابِ العلم الدُّنيويِّ، مكانة رفيعةٌ سامقة، في حينِ أنّه لا يحظى بتلك المكانة لدى طلاب العلم الشّرعيّ، ومردُّ ذلك إلى سوء تفاهمٍ تاريخيٍّ، ومكرٍ نصرانيٍّ يهوديّ.

من أجل إزالة سوء التّفاهم هذا:

نودُّ التّمييز –بإذن الله- في هذه الحلقةِ، بين الحقيقة العلميّة، والحقيقة المنطقيّة.

وهنا سنواجه عقبةً كبيرةً ناتجةً من سوء الظنّ الذي تحظى به الحقيقة المنطقيّةُ، في نفوس طلاب العلم الشرعيّ معظمِِهِم، وسببُ هذه المكانةِ ربّما يعودُ معظمُه إلى التّقييم السّريع الذي جعله شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ديباجةً لكتابه المسمَّى بـ: "الردّ على المنطقيّين"، حيث قال في صدر مقدّمته: (أمَّا بعدُ، فإني كنتُ دائماً أعلمُ أنَّ المنطقَ اليونانيَّ لا يحتاجُ إليه الذَّكيُّ ولا ينتفعُ به البليد، ولكن كنتُ أحسبُ أنَّ قضاياه صادقةٌ لِمَا رأيتُ من صدق كثيرٍ منها. ثمَّ تبيَّن لي فيما بعدُ خطأُ طائفةٍ من قضاياه)1.

-فقولُ شيخ الإسلام في المنطقِ أنّه: (لا يحتاجُ إليه الذَّكيُّ ولا ينتفعُ به البليد)، معناه أنّه آليّة فطريّة، يمتلكها الإنسانُ تلقائيّاً، إذا كان صحيح الفطرة.

-وقوله: (كنتُ أحسبُ أنَّ قضاياه صادقةٌ، لِمَا رأيتُ من صدق كثيرٍ منها. ثمَّ تبيَّن لي فيما بعدُ خطأُ طائفةٍ من قضاياه). يهمُّنا منه ويكفينا إقرارُ شيخ الإسلام، بصدقِ كثيرٍ من قضاياه، أمّا ما اكتشفه في أنظار النُّظّار والفلاسفة من أخطاء، فهذا شيءٌ بدَهيٌّ ومتوقّع، فإنّ من يُواجه نور العقل الفطريّ، بنور الوحي الشّرعيّ، لا ريبَ سيكشف في أنظار البشر ضُروباً من الضَّلال.

ولذا فإنّ موقفَ شيخ الإسلام، من المنطق، هو في نظري موقفٌ إيجابيٌّ نقديٌّ، لا سلبيٌّ نقضيٌّ، وكلُّ من يطّلع على جولات شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه مع الفلاسفة وعلماء الكلام، وخاصّةً في كتابه "درء التَّعارض بين العقل والنَّقل"، إذا نظر بعين الإنصاف سيُسلِّم بذلك.

ونعضّد هذا الموقف الإيجابيّ من المنطق، بالشَّهادات المعروفة التي أدلى بها كلٌّ من ابن حزم وأبي حامد الغزاليّ.

لقد اهتمّ العلامة ابن حزم بعلم المنطق، وألف فيه كتاباً تعليميّاً، عنوانُه: "التَّقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية"، يقول ابن حزم في مقدمته: (فان قال جاهلٌ: فهل تكلم أحدٌ من السلف الصَّالح في هذا؟ قيل له: إنَّ هذا العلمَ مستقرٌّ في نفس كلِّ ذي لُبٍّ)2.

وفي صدر مقدمته لكتابه "المستصفى" في أصول الفقه، يقول أبو حامد الغزالي: (وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ مِنْ جُمْلَةِ عِلْمِ الْأُصُولِ، وَلَا مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ، بَلْ هِيَ مُقَدِّمَةُ الْعُلُومِ كُلِّهَا، وَمَنْ لَا يُحِيطُ بِهَا فَلَا ثِقَةَ لَهُ بِعُلُومِهِ أَصْلًا)3.

إنّ من يقتربُ من هذه الدائرةِ، سيرى أنّ المنطق ليسَ رجساً من عمل الشيطان، بل هوَ فطرةُ خالقِ الأكوانِ، قد ركَّبها في عقل الإنسان، أمّا الصُّورةِ الشّائهةِ التي يتصوّر بها المنطقُ في أذهان البعض فمردُّها غالباً إلى مسلك بعض أرباب المنطق، من الفلاسفة والمتصوّفة، الذين تجاوزوا وظيفة المنطق في صون الإنسان عن الوقوع في أخطاء التّفكير، وجعلوه دِيناً يدينون به، أو أداةً لنصرة الباطل، ولعلّ أبا حامد الغزالي فيما كتبه من الكتب التي وصفها بأنّها "مضنونٌ بها على غير أهلها"، هو أنموذجٌ بارزٌ لمن شوّهوا صورة المنطق الوضيئة.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ المنطق يتميز بميزةٍ نابعةٍ من طبيعته الفطريّة، وهي أنّ كثرة الخوض فيه، والتّفكّر في ضروبه الخفيّة، من شأنه أن يصمه بوصمة التَّعقيد والإلغاز.

عزيزي القارئ، كان ذا استطراداً ضروريّاً، قصدنا أن نبني عليه الكلامَ في مسألة التّمييز بين المنطق والمنهج العلميّ، وذلك في حلقةٍ تاليةٍ بإذن الله تعالى.

المراجع

 1- الرد على المنطقيين (ص: 3).

  2- التقريب لحد المنطق (ص: 3).

 3-  المستصفى (ص: 10). 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
السبسي يثير الجدل بدعوته للمساواة في الميراث.. والأزهر يحذر
انضم الأزهر إلى موجة الجدل التي أثارها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي بعد دعوته إلى تغيير حكم الله تعالى في الميراث والسماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.
وفاة الشيخ ظهير الدين المباركفوري الهندي صاحب أعلى إسناد بصحيح مسلم
توفي العالم العلامة المسند أحد أعلام الحديث بشبه القارة الهندية الشيخ ظهير الدين المباركفوري الرحماني الأثري الهندي، وصاحب أعلى إسناد بصحيح مسلم، وتلميذ المحدث أحمد الدهلوي، والمحدث الشهير المباركفوري الذي أجازه في كتابه “تحفة الأحوذي شرح الترمذي”، وهو ابن ثمان سنين، وقد كان من المحدثين الأخيار بالهند والعالم الإسلامي له مشاركات كثيرة في علم الحديث تذكر بالأوائل في هذا الفن.
"كبار العلماء":الحكم بردّة مسلم مرتبط بتحقق شروط وانتفاء موانع
شددت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء على أن "مردّ التكفير إلى الله ورسوله ﷺ"، مما يعني أنه لا يجوز تكفير إلا من دلّ الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، ولا تكفي في ذلك الشبهة والظن.
أحكام وضوابط النّيابة في الحجّ
هذا ما سوف نراه بإذن الله، في سياق ما نجم عنه من خلافٍ بين المذاهب الفقهيّة، من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية:
الحكم الشّرعيّ لقراءة المأموم سورة الفاتحة عند الألبانيّ وابن عثيمين
فمعَ أنّ شأن الصّلاة، وشأنَ قراءة سورة الفاتحة في الصّلاة، من أعظم الشؤون المتعلّقة بعبوديّة المسلم، فإنّ قدراً من الخلاف لمّا يزل قائماً حول حكم قراءة المأموم في صلاة الجماعة سورة الفاتحة، الأمر الذي من شأنه أن يستنهض عزائم الباحثين، فيعودوا إلى نصوص الشرع
من الأدوات المنهجيّة الفقهيّة: التكييف الفقهي
يُمكن تعريفُ منهج البحث العلميّ فيما يتعلٌّق بالعلوم الشرعيّة عموماً، والفقهيّة خصوصاً، بأنّه: عبارةٌ عن جهازٍ مفاهيميٍّ، أي: جهازٍ يتكوّن من عدّة مفاهيم، يتمُّ توظيفها من أجل فهم موضوعٍ معيّن، والكشفُ عن حقيقته ودلالاته الأصوليّة أو الفقهيّة.
1234567
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م