حكم اللباس المشتمل على صور
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/05/18 الموافق 2017/02/15 - 08:42 ص

اختلف الفقهاء في حكم لبس الثياب المشتملة على صورة  من ذوات روح على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يحرم لبسها, وبه قال الحنفية, والحنابلة[1].

القول الثاني: أنه يكره لبسها, وبه قال الشافعية, وهو رواية عند الحنابلة[2].

القول الثالث: أنه يجوز لبسها, وبه قال المالكية, وهو قول عند الشافعية[3].

أدلة أصحاب القول الأول[4]:

استدل القائلون بالتحريم بأدلة كثيرة, منها:

1- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد سَترتُ سَهْوَةً[5] لي بِقِرَامٍ[6] فيه تماثيل، فلمّا رآه هتكه وتلوّن وجهُهُ وقال: يا عائشة؛ أشدُّ الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يُضَاهون بخلق الله. قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين"[7].

2- وعنها -أيضا- رضي الله عنها أنها اشترت نُـمْرُقَةً[8] فيها تصاوير، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله مما أذنبت، قال: ما هذه النمرقة؟ قلت: لِتَجلس عليها وتَوَسَّدها، قال: إنّ أصحاب هذه الصور يُعذَّبون يوم القيامة، يقال لهم: أَحيُوا ما خَلقتم، وإنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة"[9].

3- وعنها -أيضا- رضي الله عنها قالت: قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترتُ على بابي دُرْنُوكًا[10] فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمرني فنزعته"[11].

4- حديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أَبْعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألّا تدع تمثالا إلا طمسته, ولا قبرا مشرفا إلا سويته"[12].

ووجه الدلالة من هذه الأحاديث:

عموم النهي عن الصور واقتنائِها, سواء كانت على حائط, أو سِتْر, أو كانت على الثياب أو غيرها, والنبي صلى الله عليه وسلم أطلق النهي ولم يستثنِ شيئا, مما يدل على تحريم لبس ما اشتمل على صور.

أدلة أصحاب القول الثاني[13]:

استدل القائلون بالكراهة بعموم الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول, لكن حملوا النهي الوارد فيها على تحريم اقتناء الصور في غير اللباس, وبالتالي فليس فيها ما يدل على تحريم لبس ما اشتمل على صور من اللباس, وغاية دلالتها هو الكراهة.

وأما الصارف لها من التحريم إلى الكراهة فهو:

ما ثبت في الصحيحين عن بُسْرِ بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة". قال بُسْر: ثُمّ اشتكى زيد فَعُدْنَاه، فإذا على بابه سِتْرٌ فيه صورة، فقلت لعُبَيْد الله ربيبِ ميمونة زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم: أَلَـمْ يُخْبِرْنا زيدٌ عن الصور يومَ الأوَّل؟ فقال عُبَيد الله: أَلَـمْ تَسْمَعْهُ حين قال: "إلّا رَقْمًا[14] في ثوب"[15].

ووجه الدلالة:

أن قوله "إلا رقما في ثوب" دليل على أن الصور التي تكون في الثوب ونحوه غير داخلة في الصور المنهي عن اقتنائها, مما يدل على جواز لبس اللباس المشتمل على الصور, لكنه يكره لعموم أحاديث النهي عن اتخاذ الصور والأمر بطمسها وامتهانها[16].

ونوقش:

بأنّ قوله "إلا رقما في ثوب" يُحمل على الصور من غير ذوات الأرواح كالشجر ونحوها, أو يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي عن اتخاذ الصور في الستور ونحوها, ثم بعد ذلك نُسِخ بالنهي عنها, واستقر الأمر على ذلك[17].

أدلة أصحاب القول الثالث[18]:

استدل القائلون بالجواز بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد -المتقدم-: "إلا رقما في ثوب".

ووجه الدلالة: أنه صريح في استثناء الصور التي تكون في الثوب ونحوه من عموم النهي عن اقتناء الصور, مما يدل على جواز لبس اللباس المشتمل على الصور.

ونوقش: بما سبق ذكره من حمل قوله "إلا رقما في ثوب" على صور ما لا روح فيه, أو أنه منسوخ بأحاديث النهي عن اتخاذ الصور في الستور ونحوها[19].

الترجيح:

الراجح هو القول الأول, وهو تحريم لبس ما اشتمل على صور ذوات الأرواح من اللباس؛ لقوة أدلة هذا القول, وسلامتها من المعارض المعتبَر.

المراجع

 [1] ينظر: البحر الرائق 1/27, وحاشية ابن عابدين 1/435, والإنصاف 1/473.

[2] ينظر: المجموع للنووي 3/180, ومغني المحتاج 3/248, والإنصاف 1/474.

[3] ينظر: التمهيد لابن عبد البر 1/301, وجواهر الإكليل 1/326, وحاشية قليوبي وعمرة 3/297.

[4] ينظر في أدلتهم: حاشية ابن عابدين 1/435, والمغني 2/308.

[5] السَّهْوَة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا يشبه الخزانة الصغيرة يوضع فيه المتاع. ينظر: النهاية في غريث الحديث والأثر 2/430.

[6] القِرَام: الستر الرقيق.  ينظر: النهاية في غريث الحديث والأثر 4/49.

[7] أخرجه البخاري 7/168, رقم 5954. ومسلم 3/1668, رقم 2107.

[8] النُّمْرُقة: الوسادة. ينظر: النهاية في غريث الحديث والأثر 5/118.

[9] أخرجه البخاري 7/168, رقم 5957. ومسلم 3/1669, واللفظ للبخاري.

[10] الدُّرْنُوك: ستر له خمل، وجمعه درانك. ينظر: النهاية في غريث الحديث والأثر 2/115.

[11] أخرجه البخاري 7/168, رقم 5955. ومسلم 3/1667, واللفظ له.

[12] أخرجه مسلم 2/666, رقم 969.

[13] ينظر في أدلتهم: المجموع للنووي 3/180, والمغني 2/308, والمبدع 1/378.

[14] الرَّقْم: النقش والوشي، والأصل فيه الكتابة. ينظر: النهاية في غريث الحديث والأثر 2/253.

[15] أخرجه البخاري 7/168, رقم 5958. ومسلم 3/1665, رقم 2106.

[16] ينظر: المغني 2/308, والمبدع 1/378.

[17] ينظر: أحكام القرآن لابن العربي 4/1602, وفتح الباري لابن حجر 10/391.

[18] ينظر في ذلك: التمهيد لابن عبد البر 16/53, وفتح الباري لابن حجر 10/391.

[19] ينظر: فتح الباري لابن حجر 10/390.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
دورة في "فقه الطهارة" لطالبات الجامعة الإسلامية في غزة
تحت عنوان "في فقه الطهارة" افتتحت رابطة علماء فلسطين بالتعاون مع نادي كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة دورتها العلمية بمشاركة أكثر من 60 طالبة، وقدمتها المحاضرة دارين محيسن.
أمر ملكي: إنشاء مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف
ونظراً لعظم مكانة السنة النبوية لدى المسلمين ، كونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، واستمراراً لما نهجت عليه هذه الدولة من خدمتها للشريعة الإسلامية ومصادرها ، ولأهمية وجود جهة تعنى بخدمة الحديث النبوي الشريف ، وعلومه جمعاً وتصنيفاً وتحقيقاً ودراسة.
ألمان يعارضون اعتماد عطلات رسمية لأعياد إسلامية في ألمانيا
أظهر استطلاع للرأي، أمس الثلاثاء، معارضة أغلبية المواطنين الألمان لمقترح وزير الداخلية، توماس دي مزيير، الذي يدعو لاعتماد عطلات للأعياد الإسلامية.
تسحروا فإن في السحور بركة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَرُّوا؛ فإنَّ في السَّحُور بَرَكَة"
حال السلف مع القرآن في رمضان
قال ابن القيم رحمه الله "لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر.., لَو عَلِمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلّ ما سِواها" ا.هـ.
من فضائل الصيام
الصوم من أفضَلِ العباداتِ وأجلِّ الطاعاتِ جاءَتْ بفضلِهِ الآثار، ونُقِلَتْ فيه بينَ الناسِ الأَخبار.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م