شدَّدتُ فشُدِّد عليَّ
|
صلاح عباس فقير
أضيف فى 1438/05/18 الموافق 2017/02/15 - 08:12 ص

 
هذا مشهدٌ في ظلّ فقه النّبوّة، نُطلُّ عبره على ما كان يتميّزُ به الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، من المجاهدة واستفراغ الوُسع في العبوديّة، كما نرى فيه حدب الوالد عمرو بن العاص رضي الله عنه، واجتهاده من أجل نصيحة ابنه.
المشهد يرويه الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو، وهو عبارةٌ عن مجموعةِ مشاهد، قام بتجميع متونها وأسانيدها من كتب السنّة، الشيخ صبحي عبد الجبار، في كتابه "الجامع الصحيح للسنن والمسانيد"، ومن خلال هذا الجمع يتبيّنُ صدقُ ما قاله الخطيب البغداديّ: "قلَّ من يَتَمَهَّر في علم الحديث, ويقف على غوامضه, ويستثير الخفي من فوائده, إلا من: جمع متفرقه, وألف مشتتَّه, وضم بعضه إلى بعضه, واشتغل بتصنيف أبوابه, وترتيب أصنافه". (الجامع 2: 280).
ومن هذا الجمعِ، كذلك تتبيّن عظمةُ العمل الذي قام به الشيخ صبحي عبد الجبار، من إنجازه لموسوعةٍ متكاملة جامعةٍ لروايات ومتون وأسانيد السُّنّة النبويّة، وهي مبذولةٌ ضمنَ كتب "المكتبة الشاملة".
فالمشهد الذي بين أيدينا، عبارةٌ عن أحاديثَ وآثارٍ صحيحة، وردت في دواوين السّنّة المطهّرة، لكنّني قمتُ بتجريدها من تخريجاتها، وجعلتُها تحت هذا العنوان الثاني:
[حكى عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما- قَالَ] [1]:
(كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ, وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَزَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ, فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ[2] فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا, فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَا يَنَامُ اللَّيْلَ, وَلَا يُفْطِرُ النَّهَارَ، لَمْ يَطَأ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا[3] مُنْذُ أَتَيْنَاهُ.
فَوَقَعَ بِي أَبِي[4]، وَقَالَ: "زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ذَاتَ حَسَبٍ, فَعَضَلْتَهَا[5] وَفَعَلْتَ , وَفَعَلْتَ؟".
فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِهِ, مِمَّا أَرَى عِنْدِي مِنْ الْقُوَّةِ وَالِاجْتِهَادِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَشَكَانِي، فَقَالَ [الرسول صلى الله عليه وسلم]: "ائْتِنِي بِهِ"، فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ.
فَقَالَ [الرسول صلى الله عليه وسلم:] "كَيْفَ تَصُومُ؟".
فَقُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ.
قَالَ: "لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، فلَا تَفْعَلْ, وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا, وَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ, فَصُمْ وَأَفْطِرْ, وَقُمْ وَنَمْ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "فَصُمْ مِنْ الْجُمُعَةِ[6] يَوْمَيْنِ: الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ".
فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا, وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ".
فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ".
فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قالَ: "فَصُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ: صِيَامَ نَبِي اللهِ دَاوُدَ, وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ".
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟.
قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ: صِيَامُ يَوْمٍ, وَإِفْطَارُ يَوْمٍ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ.
فَشَدَّدْتُ , فَشُدِّدَ عَلَيَّ.
ثُمَّ قَالَ [لي النبيّ صلى الله عليه وسلم:] "وَفِي كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟".
فَقُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ.
قَالَ [صلى الله عليه وسلم]: "فلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ, هَجَمَتْ عَيْنَاكَ[7]، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ[8]، فَاقْرَأ الْقُرْآنَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
[قال:] "فَاقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً[9]. وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ[10]، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي, فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى مَعَاصِي اللهِ فَقَدْ هَلَكَ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "فَاقْرَأهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "فَاقْرَأهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "فَاقْرَأهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ".
فَقُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ".
فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: "فَاقْرَأهُ فِي ثَلَاثٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَإِنَّ لِصَدِيقِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ لَا تَدْرِي, لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ، [و] إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمَانُ, وَأَنْ تَمَلَّ".
قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا كَبِرْتُ، وَضَعُفْتُ، قُلْتُ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي، لَكِنِّي فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ, أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: "فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو حِينَ ضَعُفَ وَكَبِرَ, يَصُومُ الْأَيَّامَ, يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ, ثُمَّ يُفْطِرُ بِعَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ, وَكَانَ يَقْرَأُ حِزْبَهِ كَذَلِكَ, يَزِيدُ أَحْيَانًا, وَيُنْقِصُ أَحْيَانًا, غَيْرَ أَنَّهُ يُوفِي الْعَدَدَ إِمَّا فِي سَبْعٍ, وَإِمَّا فِي ثَلَاثٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-".
المراجع
[1] الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (8/ 118).
[2] الكنّة زوجة الابن.
[3] الكَنَف: السِّتْرُ وَالْجَانِب، وَأَرَادَتْ بِذَلِكَ الْكِنَايَةَ عَنْ عَدَمِ جِمَاعِهِ لَهَا، لِأَنَّ عَادَةَ الرَّجُلِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَوَاخِلِ أَمْرِهَا. فتح (14/ 276).
[4] أَيْ: شَدَّدَ عَلَيَّ فِي الْقَوْلِ.
[5] العَضْل والإعضال: المَنْع والإضرار، أراد: أنكَ لم تُعَامِلْها مُعامَلَةَ الزوجِ لِلزوجة.
[6] أي من الأسبوع.
[7] أَيْ: غَارَتْ وَضَعُفَتْ.
[8] أَيْ: أَعْيَتْ , ونُهِكْتَ أَنْتَ. (النووي - ج 4 / ص 172).
[9] مرتبة قصوى تُستفد عندها طاقةُ الإنسانِ على عمل الخير.
[10] يعني: من الطبيعي أن يعقب هذه الشّرّة فتورٌ.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"الشؤون الإسلامية" توقع اتفاقية لتطوير عمل المكاتب التعاونية
وقّعت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الوزارة اليوم اتفاقية تعاون مع مؤسسة خدمات التنفيذ المثالية بحضور نائب الوزير الدكتور توفيق بن عبد العزيز السديري، بهدف تطوير عمل المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات، والاستفادة من الوسائل العصرية في مجال الاتصالات والمجالات التقنية، في نشر الدعوة الإسلامية على المنهج الصحيح، وبيان سماحة الدين والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
"ابن حميد" يناقش تسهيل إجراءات العمل بين الهيئة و محكمة الاستئناف
بحث مدير عام فرع الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة الحدود الشمالية "الشيخ خالد بن ناصر بن حميد"، خلال زيارته رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة "الشيخ إبراهيم بن جاسر الجاسر"؛ تسهيل إجراءات العمل بين الجهتين.
د.حسان: المملكة رائدة في خدمة العقيدة واستقامة الفكر الأصيل
أكد الدكتور حسين حسان، المشارك ضمن وفد من جمهورية مصر العربية خلال اليوم الثاني من مؤتمر رابطة العالم الإسلامي تحت عنوان (الاتجاهات الفكرية بين حرية التعبير ومحكمات الشريعة)، أن المملكة العربية السعودية دائمًا هي القائدة والرائدة والموجهة والمهتمة بكل قضايا العالم الإسلامي وخدمة العقيدة الإسلامية السمحة واستقامة الفكر الإسلامي الأصيل، وهي دائمًا تتقدم في كل مناسبة عندما تحس بخطر على العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية بعقد المؤتمرات والندوات، ومجمعها الفقهي يقنن للأمة الإسلامية ما يحميها ويحفظها من التيارات الفكرية الزائغة، ويحميها من كل ما يمس وينسب للإسلام من عنف وإرهاب، والإسلام منه براء. ونسأل الله - عز وجل - أن يحفظ على المملكة العربية السعودية أمنها، ويحميها من كل سوء.
تصنيف أحاديث السّواك في السُّنّة المطهّرة
أمّا بعد، فهذا استقراءٌ جامع لمادَّة "السِّواك" في الأحاديث النّبويّة الواردة في الكتب الستّة، وتصنيفٌ لها بحسب الموضوعات الفقهيَّة.
كتاب "التّمهيد" لابن عبد البرّ
"التَّمْهِيد لما فِي الْمُوَطَّأ من الْمعَانِي والأسانيد"، للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البَرّ النَّمَري، كتابٌ من أعظم كتب المذهب المالكيّ
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م