منهجيّة طلب العلم وآدابه
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1438/05/17 الموافق 2017/02/14 - 08:57 ص

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه واتّبع هداه،

أمّا بعدُ،

فإنّ منهجيّة طلب العلم وآدابه، عبارةٌ عن قواعد، تهدفُ إلى الأخذ بيد طالب العلم، حتّى يرقى بعلمه إلى أرقى المراتبِ، وهي مرتبة أن يصطفيَه الله تعالى فيستعملَه في طاعته، ويوظّفه لنشر أنوار هدايته، فيكون من أولئك الّذين أحبّهم وأحبُّوه، جعلني وإياك منهم أيها القارئ الكريم.

هذا، وقد اتّضح لنا، عبر مختلف الموضوعات التي  تناولناها في ظلّ هذه النّافذة، أنّ اتباع المنهجيّة الصّحيحة أمرٌ لازمٌ، من أجل تحقيق تلك الغاية، ولسوف نقف الآن أمام ضابطٍ مهمٍّ من ضوابط هذه المنهجية، الا وهو: التّرويح عن القلوب، من حينٍ إلى آخر، حفظاً لها من الوُقوع في دائرة الملل والسَّأم والضَّجر.

حديثٌ منهجيٌّ رائع:

 يقول الرَّسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ»[1]، أي: من الطبيعيّ أنّ لكلّ عملٍ ونشاطٍ إنسانيّ، نهايةً ينتهي إليها، تُستنفدُ عندها طاقةُ الإنسان الإيجابيّة، فيُصيبه بعدها الكلال والملال والفتور، فعلى طالب العلم، كلّما وصل اجتهادُه إلى الذُّروة، بحسب ما يعرفُه من نفسه، أن يستعدّ للمرحلة التالية التي تتّسم بالفتور وقلّة النشاط، فإن تنبّه إليها واتّبع فيها مقتضى السّنّة النبوية، نجا ونجح، وإلا انتكست مسيرته ووقع في المعصية، فكان أدنى إلى الهلاك، لذا فلينتبه طالب العلم لدى ارتقائه

فما هو مقتضى السُّنَّة، في مواجهة مرحلة الفتور؟

إنّ من أولى ما ينبغي أن يقوم به طالبُ العلم، في  مواجهة دورات الفتور: أن يسلُك مسلك التَّرفيه عن نفسه والتَّرويح.

وقد روي أنّ الصحابيّ الجليل حنظلة، قد توجّس من ظاهرة توالي الفتراتِ، عقب أوقات النشاط، فذهب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لهُ: «يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّات»[2].

وأخرج ابنُ عبد البر بإسناده، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً وَسَاعَةً»[3]، وروى الخطيب البغداديُّ قولَ قَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِ الذِّكْرَ»[4].

فبماذا يكون الترويح؟

^ قد يكون الترويح، بالاطّلاع على طرفٍ من الحِكَم والأقوال السائرة، كما روى ابن عبد البرّ بإسناده، عن النَّجِيبِ بْنِ السَّرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَجِمُّوا هَذِهِ الْقُلُوبَ، وَاطْلُبُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّهَا تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ»[5].

^ وقد يكون الترويحُ بالحكايات وأيام العرب والإنشاد، كما ذكر الخطيب البغدادي، تحت عنوان: "خَتْمُ الْمَجْلِسِ بِالْحِكَايَاتِ وَمُسْتَحْسِنِ النَّوَادِرِ وَالْإِنْشَادَاتِ"[6]، روى الخطيب البغداديّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قُرِئَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْآنٌ وَأُنْشِدَ شِعْرٌ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُرْآنٌ وَشِعْرٌ فِي مَجْلِسِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»[7]. وروى «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ يُنْشِدُهُ الشِّعْرَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقُرْآنُ أَمِ الشِّعْرُ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرَةَ، هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً»[8].

وحكى قول الزُّهْرِيِّ: " كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هَاتُوا مِنْ أَحَادِيثِكُمْ، هَاتُوا مِنْ أَشْعَارِكُمْ، فَإِنَّ الْأُذُنَ مَجَّاجَةٌ وَالنَّفْسَ حَمْضَةٌ"[9].

 وروى ابنُ عبد البر بإسناده، عَنِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، قَالَ: «كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ قَالَ: إِنَّ لِحَدِيثِ الْعَرَبِ وَحَدِيثِ النَّاسِ نَصِيبًا مِنِ الْحَدِيثِ، فَلَا تُكْثِرُوا عَلَيْنَا مِنْ هَذَا»[10].

كما روى عن أبي خَالِدٍ الْوَالِبِيُّ قَالَ: «كُنَّا نُجَالِسُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ، وَيَتَذَاكَرُونَ أَيَّامَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»[11].

وأخرج الخطيب البغدادي، عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، قَالَ: «آخِرُ مَجْلِسٍ جَالَسْنَا فِيهِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَنَاشَدْنَا فِيهِ الشِّعْرَ»[12].

وأخرج المروزي بإسناده، عن اللَّيْثُ بْن سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ وَحَفْصَ بْنَ عُبَيْدٍ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ يَقُولانِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ عَنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، فَإِذَا رَآهُمْ قَدْ كَسَلُوا، يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ أَخَذَ بِهِمْ فِي أَحَادِيثِ الدُّنْيَا[13].

وأخرج المروزي بإسناده، عن عَبْد الرَّحْمَنِ ابْنَ أَخِي الأَصْمَعِيّ قال: سَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ: قَالَ لِي الرَّشِيدُ: اسْتَكْثِرُوا مِنْ هَذِه الحكايات، فَإِنَّهَا نثارات الدُّرِّ، وَرُبَّمَا كَانَتْ فِيهَا الدُّرَّةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا، ثُمَّ يَتْبَعُ الْحِكَايَاتِ بِالأَنَاشِيدِ وَالأَشْعَارِ وَيَخْتِمُ بِهَا الْمَجْلِسَ[14].

^ كما قد يكون التَّرويح، بالقيام بنشاطٍ عمليٍّ مفيد، كما أخرج المروزيُّ عَنْ مَكْحُولٍ: قَالَ: كَانَ عمر رضي الله عنه، يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَإِذَا رَآهُمْ قَدْ تَثَاءَبُوا وَمَلُّوا، أَخَذَ بِهِمْ فِي غِرَاسِ الشَّجَرِ[15].

مراجع هذه المقالة:

1.  جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد البر (المتوفى: 463هـ)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1414 هـ - 1994 م.

2. أدب الاملاء والاستملاء، عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، أبو سعد (المتوفى: 562هـ)، تحقيق: ماكس فايسفايلر، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1401 – 1981م.

3. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض.

المراجع

[1] مسند الإمام أحمد (6477)، وصحيح ابن خزيمة (3/ 293).

[2] صحيح مسلم 12 - (2750).

[3] جامع بيان العلم وفضله (1/ 434).

[4] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 129).

[5] جامع بيان العلم وفضله (1/ 431).

[6] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 129).

[7] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 130).

[8] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 130).

[9] جامع بيان العلم وفضله (1/ 433).

[10] جامع بيان العلم وفضله (1/ 434).

[11] جامع بيان العلم وفضله (1/ 435).

[12] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 131).

[13] أدب الإملاء والاستملاء (ص: 69).

[14] أدب الإملاء والاستملاء (ص: 69).

[15] أدب الإملاء والاستملاء (ص: 69).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
123 متسابقاً ومتسابقة في جائزة الملك سلمان المحلية القرآنية
أعلنت الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم المحلية والدولية بوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، اكتمال أسماء المرشحين والمرشحات للمشاركة في المسابقة المحلية على جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره في دورتها التاسعة عشرة خلال المدة 18 - 22 رجب 1438هـ بمدينة الرياض.
القرني يهدي كتابه الجديد "وأخيرًا اكتشفت السعادة" لولي ولي العهد
أهدى الداعية الدكتور عائض القرني الأميرَ محمد بن سلمان، ولي ولي العهد وزير الدفاع النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، في مكتبه مساء اليوم الثلاثاء نسخةً من كتابه الجديد "وأخيرًا اكتشفت السعادة".
المفتي لمكاتب الاستقدام: اتقوا الله وأغلقوا أبوابكم دون سماسرة العمالة المنزلية
اتهم مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مكاتب الاستقدام بالمساهمة في قيام سوق سوداء للخدم والسائقين من خلال تسهيل عمليات السمسرة عليهم، مطالبًا إياهم بالترفع عن تلك الرذائل وإغلاق الأبواب على هؤلاء السماسرة، معتبرًا إغواء العمالة المنزلية بزيادة بالأجور والرواتب للفرار من كفلائهم جريمة وخلاف النظام ومخالفة للشرع خيانة.
قصّتان عن الخشوع في الصلاة
في سياق الكلام، عن أنّ الاستغفار عقبَ السّلام، يجبر ما في الصَّلاة من النَّقص، يقول الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله تعالى:
"إذا" واستعمالاتها في نصوص الشَّرع (1/2)
إذا نظرنا إلى حال "إذا" في كتب النّحو، فسنجد أنّها على ضربين: (إذا) الفجائيّة، و(إذا) غير الفجائيّة.
الفروق في منهج البحث العلميّ (3)
الفارق بين الحقيقة العلميّة والحقيقة المنطقيّة
1234
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م