"تطبيق الشريعة" و "إقامة الشرع" الفرق بينهما
|
الملتقى الفقهي - صحف
أضيف فى 1438/05/17 الموافق 2017/02/14 - 07:32 ص

 من المصطلحات التي تفشت في بعض مجتمعات الأمة "تطبيق الشريعة" وهو المصطلح الذي انتشر بصورة كبيرة مع دعوات البعض إلى إعادة النظر في القوانين الوضعية التي تحكم البلدان، خاصة إبان فترات الاستعمار، وضرورة أن تعاد وفق رؤية شرعية تصبح هي الدستور الرسمي لتلك البلدان، وهو ما يستدعي إلقاء الضوء على مدى شرعية هذا المصطلح وآليات تنفيذه.
بداية أشار فضيلة الدكتور محمد بن إبراهيم السعيدي، أستاذ أصول الفقه في المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجامعة أم القرى، إلى ضرورة التفرقة بين مصطلحين انتشرا في الفترة الأخيرة، "تطبيق الشريعة" والذي ظهر نتيجة شيوع القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية، أعقابَ الاستعمار الأجنبي الذي فُرِض على معظم بلاد المسلمين؛ أما المصطلح الآخر فهو "إقامة الشرع" وهو الذي كان يستخدمه الفقهاء قبل "تطبيق الشريعة"
 السعيدي في مقال له تحت عنوان "تطبيق الشريعة وإقامة الشرع.. بحث في المصطلح وآثاره" فرق بين المصطلحين، حيث أشار إلى أن الأول "تطبيق الشريعة" مصطلح قانوني، يعرفه القضاة والمحامون وصُنّاع القوانين، فالالتفاتة فيه إلى الحُكَّام وتذكيرِهم بواجبهم الأول، وهو استبدال الشريعة الإسلامية بالقوانين وتطبيقها على الأمة.
 أما الثاني " إقامة الشرع" فهو موجه إلى عموم الأمة وتذكيرِ كلٍّ منها -حُكَّامًا ومحكومين، أفرادًا وجماعات- بوجوب المصير الى كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والتزام كلٍّ منا بهما فيما خوطب به؛ فالحاكم يقوم بهما في سلطانه، والقاضي في من تحاكم إليه، والتاجر يقوم بهما في ماله، والرئيس فيما أُنِيط به من مسؤولية، ورب الأسرة في القيام بأهله وولده، وكل عبد من عِبَاد الله -ذكرٍ أو أُنثَى- يقوم بها في كَسبِ قلبه وجوارحه وعمل يده.
أستاذ أصول الفقه في المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجامعة أم القرى، أشار أيضًا إلى أن الخطابات الواردة في الكتاب والسنة، تميل إلى المصطلح الثاني "إقامة الشرع" وذلك كونها تخاطب عموم المسلمين وليس الحكام وفقط، كما جاء في قوله تعالى : }إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {(النساء: 58 )فالخطاب فيها متوجه لكل من تولى حُكْما بين الناس في صغير الأمور وعظيمها، يدخل فيه السلاطين والقضاة والمسئولون -مهما صغرت صلاحياتهم- والآباء والأمهات وجميع الأولياء؛ والعدل هو شرع الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وعن بعض مظاهر الإعجاز العلمي في هذه الآية المباركة، قال فضيلته إن الله تعالى في هذه الآية "العدل" ولم يذكر الشرع؛ وحِكْمَةُ ذلك والله أعلم: أن من المسائل التي تنزل في الناس على مرّ العصور  ما ليس منصوصًا عليها بعينها في الكتاب والسُنّة، أو ما نتج عن ظنّية دلالتهما عليها اختلاف العلماء فيها؛ فالمجتهد في ذلك يتحرى أعدل الأقوال فيها، وهو ما وافق عمومات النصوص ومطلقاتها، وما وافق الأصول التي تصلح للقياس عليها، وما كان منها أحفظ لمقاصد الشريعة الكلية والجزئية؛ فما كانت هذه سماته من الأحكام فهو شرع الله تعالى، وإن لم يَرِد فيه نص على عين الواقعة، وهذا يُخْرِج ما يخدم أهواء النفوس البشرية؛ إذ ليس الهوى مرجعًا يُصار إليه للتعرف على حُكِم الله في الأرض، سواء أكان هوى فردٍ أم جماعةٍ،
وأضاف أن النص القرآني دوما ما جاء محذرًا من اتخاذ الهوى مرجعًا للأحكام، كما جاء في قوله: }وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ{ (المائدة: 49 )، وتوجيه الخطاب في هذه الآية للنبي -صلى الله عليه وسلم- دليل على أن من دونه -صلى الله عليه وسلم- من العلماء والحُكّام والسادة والرؤساء أولى بالحُكْم، وهو ما يسميه الأصوليون بالقياس الجليّ، وهو أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق؛ فجميع من هم دون النبي -صلى الله عليه وسلم- من البشر -وكل البشر ولا شك دونَه- منهيون عن تقديم الأهواء -مهما كَثُر أهلُها أو عَظُموا- على شرع الله أو بعض شرع الله، وأن تقديم الهوى على الشرع من دواعي إصابة الأمم بالبلاء ونزع النعمة.
 
 
  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
دورة في "فقه الطهارة" لطالبات الجامعة الإسلامية في غزة
تحت عنوان "في فقه الطهارة" افتتحت رابطة علماء فلسطين بالتعاون مع نادي كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة دورتها العلمية بمشاركة أكثر من 60 طالبة، وقدمتها المحاضرة دارين محيسن.
أمر ملكي: إنشاء مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف
ونظراً لعظم مكانة السنة النبوية لدى المسلمين ، كونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، واستمراراً لما نهجت عليه هذه الدولة من خدمتها للشريعة الإسلامية ومصادرها ، ولأهمية وجود جهة تعنى بخدمة الحديث النبوي الشريف ، وعلومه جمعاً وتصنيفاً وتحقيقاً ودراسة.
ألمان يعارضون اعتماد عطلات رسمية لأعياد إسلامية في ألمانيا
أظهر استطلاع للرأي، أمس الثلاثاء، معارضة أغلبية المواطنين الألمان لمقترح وزير الداخلية، توماس دي مزيير، الذي يدعو لاعتماد عطلات للأعياد الإسلامية.
محام سعودي يطلق مبادرة للحد من الخلافات الزوجية
أطلق محام سعودي مبادرة وطنية، بشعار: "مصلحون بلا حدود" لإعداد وصياغة نماذج تكون ملحقة بعقد النكاح، وتقدم بخطابات إلى وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء؛ لتبني المبادرة وإطلاقها بطريقة رسمية.
آل الشيخ: رقاة ومفسرو أحلام صنعوا الخوف والخرافة!
أكد وزير الشؤون الإسلامية الشيخ صالح آل الشيخ أن القراء والرقاة الجهلة صنعوا الخوف في الناس ناصحاً بعدم الالتفات إلى الخرفات التي يطلقونها وقال في محاضرة ألقاها في الجامع الكبير في الرياض "إن الخوف صنعته عدة أدوات ومنهم قراء ورقاة جهلة يصنعون الخوف في الناس بما يفعلونه ويؤصلونه فيقولون: فيك كذا وكذا...
«ستيني» يحفظ القرآن في أقل من عام
(أقرأ القُرْآن يَوْمِيّاً مُنْذُ أَيَّام الشباب ولم أهجر القُرْآن في حياتي)، بهذه الكلمات بدأ الشيخ أكرم عبدالله الجرجاوي – 65 عَامَاً – يروي قصة حفظه لكتاب الله والذي توج بلقب أكبر حفاظ القُرْآن في جدة للعام 1438هـ، ليكون على موعد مع التكريم في حفل خيركم لتكريم 1000 حافظ وحافظة والذي سيُقام بمشيئة الله في 24 من الشهر المقبل، بِرِعَايَةِ صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن ماجد محافظ جدة.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م