(الفروق في منهج البحث) تطبيقًا على كتاب الموافقات (2)
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/05/10 الموافق 2017/02/07 - 04:31 م

مقدمة:

في الحلقة الماضية، قمنا بالتمييز والتفريق، بين مصطلحي "البحث العلمي"، و"تقرير البحث العلميّ"، وذلك من خلال التَّطبيق على كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبيّ، باعتبار أنّ هذا الكتاب يُمثّل أنموذجاً متقدّماً للبحث العلميّ في قمّة تجلّياته.

لقد رأينا بجلاءٍ أنّ الإمام الشَّاطبيّ، في مقدّمة هذا الكتاب، كان يُميّز بوضوحٍ بين هذين المفهومين، وتبيّن لنا من ناحيةٍ أخرى: أنّ تقرير البحث العلميّ، هو ثمرةٌ للسّير في طريق البحث العلميّ المعيّن، وخلاصةٌ وافيةٌ عن كلّ المعاني والدّلالات التي أدركها الباحثُ عبر مسيرة البحث العلميّ، ممّا له تعلّقٌ بموضوع بحثه.

في هذه الحلقة الجديدة، من "الفروق في منهج البحث العلميّ"، نقف عند مفهومين آخرين، هما: مفهوم "مقدّمة البحث العلميّ"، ومفهوم "التّمهيد" للبحث العلميّ، مع التَّطبيق لهما –كذلك- من خلال المشروع البحثيّ الضخم، الّذي أنجزه الإمام الشاطبيّ، في كتاب "الموافقات".

لقد كان كتابُ "الموافقاتِ" برُمّتهِ، هو: "تقريرُ البحث العلميِّ"، الذي قام به الإمام الشَّاطبيّ، ولقد تضمّن هذا الكتابُ مقدّمةً منهجيّة واضحة، كما تضمّن تمهيداً لموضوعات كتابه، فما هو الفارق في "تقرير البحث العلميّ"، بين مقدّمته والتّمهيد له؟ لنُجب عن هذا السؤال بدءاً، قبل أن نذكر التطبيقِ العمليٍّ له، في بحث الإمام الشاطبيّ.

إنّ مقدمة البحث العلمي، والتمهيد له، كلاهما من العناصر المكوِّنة لتقرير البحث العلميّ، لكن مع هذا الفارق الجوهريّ، وهو: أنّ مقدّمة البحثِ هي قاعدة التّقرير العلميّ، فلا يُتصور أن يخلوَ منها تقريرٌ. أما التّمهيد للبحث فإنّه يكون ضمن التقرير إذا مسّت الحاجةُ إليه، وكان من المناسب أن يُمهّد الباحثُ لعرض موضوع بحثه، بهذا (التمهيد).

فما هي المقدّمة؟

إنّ مقدّمة البحثِ هي القاعدة المنهجيّة للبحثِ كلِّه.

وإذا كان منهج البحث العلميّ –كما ذكرنا- بمثابة الدليل المرشد في طريق البحث عن الحقيقةِ/ الكنز، فإنّ مقدّمة البحث، هي المساحة التي يُبلور فيها الباحثُ كلّ المعاني والدلالات المنهجية المتعلقة ببحثه.

لتوضيح هذا المعنى الجوهريّ، نقول بعباراتٍ أخرى:

- إنّ مقدمة البحث، هي (منهج البحث) أو: (هي جملةُ المعارف المتعلّقة بمنهج البحث) مجسّدةً من خلال الجهد الفعليّ الذي بذله  الباحث للقيام ببحثه المعيّن.

-إنّ مقدمة البحث هي الأساس المنهجيُّ للبحث.

-إنّها تجسيدٌ لمنهج البحث العلميّ من خلال (هذا البحثِ المعيّن).

-إنَّها خطَّة البحث، بعد أن صارت واقعاً مجسّداً.

في ظلّ هذا المعنى، نقرأ قول الدكتور أحمد إبراهيم خضر، واجتهاده في رسم دلالة "مقدّمة البحث":

يقول: (يرى بعض المتخصِّصين أنَّ المقدمة أشبهُ بعقد شرعي بين الباحث والقارئ)1، وأُعلّق على ذلك، بأنّ ثمرة البحث العلميّ الحقيقيّ، لا يدركها ولا يُحسن التّفاعل معها، إلا باحثٌ عن الحقيقة، وليس مجرد قارئ لها، فالعلاقة في الحقيقة، وهذا العقد الشّرعيُّ، ينبغي أن يكون بين (عالِمَينِ) أو (طالبَينِ للعلم) أو (باحِثَين)، أو (عالمٍ وطالبٍ للعلم)، كلاهما يريد الوصول إلى الحقيقة، باتّباع (طريق البحث العلميّ)، فالباحث العلميُّ (الكاتب)، يُريد بالمقدّمة أن يُبيّن للباحث العلميّ القارئ: القواعد المنهجية والمنطقية  التي انبنى عليها بحثُه، وذلك يقتضي أن يُبيِّن موضوعَ هذا البحث، والدَّوافعَ الواقعيّة التي دفعته إلى القيام به.

إنَّ مقدّمة البحث، هي مقدمةٌ منهجيّة في المقام الأول، ولكن بما أنّ الحقيقة التي يُراد التَّوصُّل إليها عبر البحث العلميّ، ليست استفراغاً للوُسع من أجل مجرد اللَّهو واللَّعب، بل لإثراء وعي الإنسان، ومن ثمّ ترقية حياته، فلذلك فإنّ المقدمة ينبغي أن يكون فيها ما يربطُها ربطاً وثيقاً بحقل البحث وبواقع الحياة كلّها من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى فمن البدهيّ أن تتضمّنَ مقدمة البحثِ الإشارةَ إلى معاناة الباحث، وتجربته النّفسيَّة مع البحث عبر مراحله المختلفة.

إنّ مقدّمة الإمام الشاطبي، لكتاب الموافقات، هي تطبيقٌ عمليٌّ ملموس لما ذكرناه من حقيقة "مقدّمة البحث"، لقد كانت هذه المقدمةُ مقدّمةً لتقرير البحث المسمّى بكتاب "الموافقات"، ولقد رأينا في الحلقة الماضية، كيف أنّ مقدمة الإمام الشاطبيّ، قد تضمّنت الرّبط الوثيقَ بين هذين العنصرين الأساسيّين: العنصر المنهجيّ العلميّ، والعنصر النّفسيّ الواقعيّ2.

وسنؤكد هذا المعنى، من خلال رصد المُكوّنات التي تتكوّن منها (مقدّمة البحث). يذكر الدكتور أحمد إبراهيم خضر  أنّ مقدمة البحث، تشتمل على العناصر التَّالية: موضوع البحث، إشكاليَّة البحث، مبرِّرات البحث وأهميته النظرية والتطبيقية، حدود البحث الموضوعيَّة والمكانيَّة والزمانيَّة، الدِّراسات السَّابقة، التَّساؤلات أو الفرضيَّات، منهجُ البحث وأدواته، خطة البحث، المعوِّقات والصُّعوبات.

والواقع أنّنا  نجدُ كلّ هذه العناصر، متضمّنةٌ في مقدمة الإمام الشاطبيّ للموافقات، بيد أنّ الوقوف عندها يخرج بنا عن نطاق هذه النافذة، وقد وقفنا في الحلقة الماضية على شيءٍ من ذلك.

إضافةً إلى ذلك يُشترط في المقدمة ألا تكون طويلةً،قال الدكتور خضر: (ومن المفضل أن تتراوح من أربع إلى ثماني صفحات). و(أن يكون ترقيمُها بالأحرف الهجائية) 3.

ومن أبرز السمات التي تتميز بها مقدمة البحث، أنّها تُكتب عندما ينتهي الباحثُ من كتابة تقرير البحث، ومن الواضح أنّ الإمام الشاطبيّ، قد كتب مقدمة بحثه، بعد أن فرغ منه، كما رأينا.

وبإمكاننا أن نقول: إنّ كلّ مقدمات الأبواب والفصول التي تأتي فيما بعد ضمن تقرير البحث، لها علاقة وثيقة بمقدمة البحث، وخاصّةً بمخطط البحث الذي يرد ضمن المقدمة، فهذه المقدمات هي الخيوط التي تشُدُّ البحث كلّه إلى مقدمته المنهجيّة.

 وتختلف مقدمة البحث عمّا يُسمى بمقدمات البحث، التي تكون قبل مقدمة البحث، وبالتالي قبل تقرير البحث، وتشتمل على الصفحات أو الموضوعات التالية:  عنوان البحث وما يتعلّق به، ملخص البحث، الشكر والتقدير، الإهداء، محتويات البحث، جدول أو بيان لبعض الرموز والمصطلحات، هذا على سبيل التعميم، ومع مراعاة ما تطلبه كلُّ جامعةٍ من الجامعات من شروط.

هذا فيما يتعلّق بمقدمة البحث، فماذا عن التَّمهيد له؟

مفهوم التمهيد:

بدءاً، ينبغي الانتباهُ وعدم الوقوع في الخلط الناشئ من كثرة المصطلحات وتقاطعها، أو تواطئها في الدلالة على أشياءٍ عديدة، كما هو حال مصطلحي المقدمة والتمهيد. فإذا كنا قد عرَّفنا المقدمة وميّزناها عمّا سواها من المقدمات، فلنقف الآن عند التمهيد، لنميزه عما سواه من التمهيدات، على النحو التالي:

* إنّ التمهيد يقع في العادة ما بين "مقدمة البحث" و"موضوع البحث"، وقد يكون هذا التمهيد مختصراً أو مطوّلاً إلى بقدر ما تقتضيه الضرورة، ويُسمّى عندئذٍ بالباب أو الفصل أو المبحث التمهيدي.

* إنّ التمهيد –خلافاً للمقدمة- ليس عنصراً جوهريّاً في كلّ البحوث، وإنما يكون في بحثٍ ما، عندما تدعو إليه الحاجة أو الضَّرورة، وذلك يتمثل في شعور الباحث بأنّ المقدمة لم تكن كافيةً للدخول المباشر في الموضوع، وبالتالي وجود فجوةٍ بين المقدمة والموضوع، فيأتي التمهيدُ لوضع جسرٍ على هذه الفجوة، ليسهُلَ الانتقال عبره من المقدمة إلى الموضوع.

* موضوع التمهيد بطبيعته، لا يدخلُ ضمن نطاق مقدمة البحث، كما لا يدخل ضمن نطاق موضوع البحث.

التَّمهيد في كتاب الموافقات:

ذكر الإمام الشاطبيّ، في مقدمة بحثه أنّه منحصرٌ في خمسة أقسام، قال: (الْأَوَّلُ: فِي الْمُقَدِّمَات الْعِلْمِيَّةِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِي تَمْهِيدِ الْمَقْصُودِ)4، وكانت ثلاثة عشر مقدّمة، ذات طابع منهجيّ، شعر الإمام الشاطبيّ بضرورة بيانها، تمهيداً للدخول في الموضوع.

لعلّ الفارق بين م مفهومي "مقدمة البحث"، و"التّمهيد" له، قد تبيّنت بوضوح، ولعلنا نعودُ في حلقةٍ تالية، لنبيّن بالتفصيل كيف أنّ المعاني التي تمَّ التفريق على ضوئها، بين هذين المفهومين- تنطبق على مشروع البحث الشّاطبيّ الموسوم بالموافقات.

المراجع

1- الفرق بين المقدمة والتمهيد في الرسائل العلمية، موقع الألوكة، http://www.alukah.net/web/khedr/0/50227/.

2 راجع الحلقة الماضية من هذه النافذة.

 3- الفرق بين المقدمة والتمهيد في الرسائل العلمية، موقع الألوكة، http://www.alukah.net/web/khedr/0/50227/.

4-  الموافقات (1/ 10).

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
موقف فقهاء الحنابلة من مسألة وقت السِّواك المؤكد
فقد رأينا من قبلُ: أنّ الفقهاء قد اتّفقوا على أنّ السّواك سنّةٌ مستحبَّةٌ، وليس بواجب، إلا ما رُوي عن إسحاق بن راهويه، وداود بن عليٍّ، قال ابن قدامة: (أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ السِّوَاكَ سُنَّةً غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ إلَّا إِسْحَاقَ وَدَاوُد).
مفهوم الكمبيالة وأحكامها الأساسيّة
فإنّ النّشاط التّجاريّ بين البشر، إنّما يتمُّ عبر وسيطٍ ذي قيمةٍ مادّيّة نفعيّة، يتمّ على ضوئه تقييمُ ما لدى كلِّ فردٍ من السِّلع والمنافع، حتّى يتسنّى بناءً على ذلك تحقيقُ عمليّة المبادلة التي هي جوهرُ كلّ نشاطٍ تجاريّ.
في بيان مفهوم الوسيط التجاريِّ وتطوُّره
فهذا مبحثٌ ممّا تمسُّ إليه حاجةُ الفقيه وطالبُ الفقه، من الإلمام بواقع النشاط التجاريّ، وتطوّره عبر العصور، والإلمام بالظروف الواقعيّة التي أسهمت في هذا التّطوّر؛ وذلك كما قرّر العلامة ابن القيم أنّه: (لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م