بدائع الصّنائع في ترتيب الشّرائع للكاساني
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1438/04/26 الموافق 2017/01/24 - 07:59 ص

هذا الكتاب:

هذا الكتابُ، "بدائعُ الصّنائع في ترتيب الشّرائع" اسمٌ وافقَ مسمّاه، وظاهرٌ طابقَ باطنهُ ومعناهُ، وضعه مؤلّفُه علاء الدين الكاساني، تحدوه روحُ الفقيهِ، ذو الملكةُ الفقهيّة الفائقة في الاستدلال والتّعليل، ويقودُه وعيُ المؤلّف، ذو الملكة الرّاسخة في الكتابة والتحرير، فكانت ثمرةُ هذا الزواجِ المبارَك كتاباً واضحَ البيانِ محكم البنيان.

وفي هذا الكتاب شرح الكاسانيُّ كتابَ شيخه علاء الدين السَّمرقندي: "تحفة الفقهاء"، ومن اللطائف أنّ علاء الدين الكاسانيّ، لمّا أتمّ تأليف كتابه، وعرضه على شيخه السمرقنديّ، أُعْجِب به غايةَ الإعجاب، فزوَّجه ابنتَه التي كانت مقصد الخُطّابِ، وجعلَ مهرها منه ذلك الكتاب، فقال فقهاءُ عصره: "شرح تُحفته، وتزوَّج ابنته"[1].

فلذا أثنى العلامة ابن عابدين، على هذا الكتاب، فقال: (هذا الكتابُ جليل الشأنِ، لم أرَ له نظيراً في كتبنا)[2]. كما رُوي أنّ فضيلة الشيخ الجليل الدّكتور: مصطفى الزرقا، كان يُثني عليه كثيراً، ويعتبرُه من أعظم ما كُتب في الفقه الحنفي[3].

مؤلّف هذا الكتاب:

أمّا مؤلف الكتاب، فهو الإمامُ علاء الدّين أبو بكر بن مسعود، الكاساني، نسبةً إلى "كاسان"، وتُعرف اليومَ باسم "قازان"، وتقع جنوبيِّ شرق أوزبكستان.

بدأ الكاسانيّ طلبَ العلم بمسقط رأسه "كاسان"، ثمّ ارتحل إلى "بُخارَى" يطلُبُ العلمَ من علمائها، ومِن ثَمّ أناخ راحلته عند أستاذه علاء الدين السَّمرقندي، يتلقّى منه علومه في القرآن والحديث، والأصول والفروع، ويقرأُ عليه خاصَّةً كتابه "تحفة الفقهاء"، إلى أن تضلّع بعلوم شيخه، فاشتدَّ عودُه، وأينع ثمرُه؛ فكان أبرزُ آثاره الجليلة، هذا الكتابُ الذي نستعرضه، أي بدائع الصّنائع.

بدائع الصّنائع: اسمُ على مسمّى:

أو كما قال حاجِّي خليفة: (وهذا الشرح: تأليفٌ يطابق اسمُه معناه)[4]، نعم، فهذه أبرز خصيصةٍ يتميّز بدائع الصنائع، أي: منهجيّته المحكمة في العرضِ، والتي تأتلف في سياقها المسائل وأدلّتها

والسّبب الأساسيُّ في ذلك، هو الوعيُ المنهجيُّ الكبير، لدى الكاسانيَّ، الّذي أتاح له أن ينتبه إلى أنَّ منهجيّة العرضِ، ينبغي أن تكون منسجمةً مع مضمونه، ويبدو أنّه قد عانى ما عانى لدى اطّلاعه على كتب أئمّة المذهب السّابقين، ومن ثمّ فقد نما في نفسه شيئاً فشيئاً الشّعورُ بضرورة إيجاد منهجيّةٍ واعيةٍ، تهتمُّ بالشكل والمضمون في آنٍ، إلى أن أُتيحت له الفرصةُ ليقدم أنموذجاً تطبيقيّاً لهذه الفكرة، التي يبدو أنّه استفادها في الأصل من شيخه علاء الدين السَّمرقنديّ، وقد عبّر عن ذلك بوضوحٍ في مطلع كتابه، قائلاً: (وَقَدْ كَثُرَ تَصَانِيفُ مَشَايِخِنَا فِي هَذَا الْفَنِّ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا، وَكُلُّهُمْ أَفَادُوا، وَأَجَادُوا. غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَصْرِفُوا الْعِنَايَةَ إلَى التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ، سِوَى أُسْتَاذِي وَارِثِ السُّنَّةِ، وَمُوَرِّثِهَا، الشَّيْخِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ عَلَاءِ الدَّيْنِ رَئِيسِ أَهْلِ السُّنَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَاقْتَدَيْت بِهِ فَاهْتَدَيْت)[5].

كيف أسَّس الكاسانيُّ لهذه المنهجيّة؟ أسّسها بناءً على النظر إلى  (الْغَرَضِ الْأَصْلِيِّ، وَالْمَقْصُود الْكُلِّيّ مِنْ التَّصْنِيفِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ).

ما هذا الغرضُ؟ قال: (هُوَ تَيْسِيرُ سَبِيلِ الْوُصُولِ إلَى الْمَطْلُوبِ عَلَى الطَّالِبِينَ، وَتَقْرِيبُهُ إلَى أَفْهَامِ الْمُقْتَبِسِينَ).

وكيف يتحقّق هذا الغرض؟ قال: (وَلَا يَلْتَئِمُ هَذَا الْمُرَادُ إلَّا بِتَرْتِيبٍ تَقْتَضِيهِ الصِّنَاعَةُ، وَتُوجِبُهُ الْحِكْمَةُ، وَهُوَ التَّصَفُّحُ عَنْ أَقْسَامِ الْمَسَائِلِ، وَفُصُولِهَا، وَتَخْرِيجِهَا عَلَى قَوَاعِدِهَا، وَأُصُولِهَا لِيَكُونَ أَسْرَعَ فَهْمًا، وَأَسْهَلَ ضَبْطًا، وَأَيْسَرَ حِفْظًا فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ، وَتَتَوَفَّرُ الْعَائِدَةُ).

قال: (فَصَرَفْت الْعِنَايَةَ إلَى ذَلِكَ، وَجَمَعْت فِي كِتَابِي وَجَمَعْت فِي كِتَابِي هَذَا جُمَلًا مِنْ الْفِقْهِ مُرَتَّبَةً بِالتَّرْتِيبِ الصِّنَاعِيِّ، وَالتَّأْلِيفِ الْحُكْمِيِّ الَّذِي تَرْتَضِيهِ أَرْبَابُ الصَّنْعَةِ، وَتَخْضَعُ لَهُ أَهْلَ الْحِكْمَةِ، مَعَ إيرَادِ الدَّلَائِلِ الْجَلِيَّةِ، وَالنُّكَتِ الْقَوِيَّةِ بِعِبَارَاتٍ مُحْكَمَةِ الْمَبَانِي مُؤَيَّدَةِ الْمَعَانِي).

فإلى أيّ مدىً التزم الكاساني بترتيب أستاذه السمرقندي؟

لقد رأينا أنّ الكاسانيّ، أرجع الفضل في فكرة حسن الترتيب، إلى أستاذه علاء الدين السمرقندي، (إلا أنّه -على خلاف عادة عامّة شراح المتون- لم يقفُ قفوه في ترتيب الأبواب، وإنما تصرّف فيها بالتقديم والتأخير، وإضافة عددٍ من العناوين، فجعل الاعتكاف عنواناً مستقلاً عن الصوم، وأورد كتاب النكاح بعد الحج مباشرةً)[6]

وهذا يؤكد المسلك المنهجيّ المستقلّ، لدى الكاسانيّ، ولا ريبَ أنّ هذا الصّنيع الكاسانيّ يوجب على الباحثين أن يشمّروا عن ساعد الجدّ، فيستكشفوا معالم  هذا المنهج الذي اتّبعه.

الكتابُ في سياق كتب المذهب الحنفيّ:

لقد مرّ المذهب الحنفي في تطوّره، بمرحلة غرس بذرة المذهب في تربة الفقه الإسلاميّ، وهي المرحلة التي تمّت من خلال المجلس الفقهيّ الشُّوريّ، الذي كان يُعقد برئاسة الإمام أبي حنيفة النّعمان (80- 150هـ)، وانتهت هذه المرحلةُ برحيله، ثمّ جاءت المرحلة الثانية، وهي مرحلة تعهُّد تلك الغَرسة بالرّعاية والسّقاية، من قبل أصحاب أبي حنيفة وتلاميذه، حتّى أثمرت ما يُسمَّى بكتب "ظاهر الرّواية" السّتّة، التي هي عمدة المذهب الحنفيّ، وانتهت هذه المرحلة بوفاة محمد بن الحسن الشيبانيّ عام (189هـ)، ثم تأتي المرحلة الثّالثة، وهي مرحلةُ نموّ شجرةِ الفقه الحنفيّ، وازدهار أغصانها وفروعها وبدوِّ ثِمارِها، وذلك من خلال عمليّات التخريج والترجيح والتوسّع في الاستدلال والتأليف والتقنين، التي نهض بها علماء هذا المذهب، مستندين في ذلك إلى تلك القاعدة الصّلبة: كتب ظاهر الرواية. وهذه المرحلةُ الثالثة تميّزت بظهور المتون، باعتبارها وعاءً مكثّفاً يحمل أكبر قدرٍ من أصول المذهب، ذلك أنّ هذه المتونَ (موضوعةٌ لنقل ظاهر الرواية، والصحيح المفتى به في المذهب)[7]، وأقدم هذه المتون المختصرة وأشملها، هو: مختصر الطحاوي (ت321هـ)، أمّا أشهر هذه المتون، فهو مختصر القدوريّ (ت428هـ)، ثمّ بعد القدوريّ يجيء المتنُ المطوّل "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي، الذي انطلق من "مختصر القدوري"، كما يُبيّن صاحبه:

(قَالَ الشَّيْخ الامام عَلَاء الدّين: مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي أَحْمد السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله تَعَالَى: اعْلَم أَنَّ "الْمُخْتَصر" الْمَنْسُوب إِلَى الشَّيْخ أبي الْحُسَيْن الْقَدُورِيّ رَحمَه الله جَامعٌ جملاً من الْفِقْه مستعملة، بِحَيْثُ لَا ترَاهَا مدى الدَّهْر مُهْملَة: يهدي بهَا الرائض فِي أَكثر الْحَوَادِث والنوازل، ويرتقي بهَا المرتاض إِلَى أَعلَى المراقي والمنازل، وَلما عَمَّت رَغْبَةُ الْفُقَهَاء إِلَى هَذَا الْكتاب، طلب مني بَعضُهم، من الاخوان والاصحاب، أَن أذكر فِيهِ بعض مَا ترك المُصَنّفُ من أَقسَام الْمسَائِل، وأوضِّحَ المشكلات مِنْهُ، بِقَوي من الدَّلَائِل، ليَكُون ذَرِيعَةً إِلَى تَضْعِيف الْفَائِدَة، بالتقسيم وَالتَّفْصِيل، ووسيلةً، بِذكر الدَّلِيل، إِلَى تَخْرِيج ذَوي التَّحْصِيل)[8].

ثمّ لما ظهرت الشروح على المتونِ، كان من أقدم هذه الشروح: الشرح الّذي أنشأه الجصَّاصُ (ت370هـ) على مختصر الطحاويّ،

ثمّ توالت خمس شروحٍ، كلّها للجامع الصغير: أولها شرح البزدوي (ت482هـ)، ثم المبسوط للسرخسي (ت490هـ)، ثم شرح الصدر الشهيد (ت536هـ)، ثم شرح الكردريّ (ت562هـ)، ثم شرح العتابي (ت586هـ).

ثمّ جاء "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" للكاساني (ت587هـ)، شرحاً على متنِ "تحفة الفقهاء"، وبه وجّه العلاءان السمرقنديّ، ثم الكاسانيّ،  اتجاه البوصلة مرّةً أخرى إلى كتب المتون بما تتميّزُ به من جمع أصول المذهب وترجيحاته.

ففي هذا السياق ظهر "بدائع الصنائع".

منهج الكاساني في الاستدلال:

يلاحظ النقيب أنَّ الكاساني اتَّبع في الاستدلال منهجيّةً مقاربةً للمنهجيّة المتميزة التي اتّبعها العلامة السَّرخسي في المبسوط، من اهتمامٍ بالاستدلال وذكر الخلاف، وعدم مبالاةٍ بتوضيح درجة الأحاديث والآثار، وعدم عزوها إلى مصادرها إلا نادراً[9].

(وعند ذكر الخلاف: يستهلّ المسألة غالباً بالرأي المختار عنده، سواء كان رأي الجمهور بمن فيهم الحنفية، أو قول الحنفية فقط، أو رأياً أو روايةً في المذهب، ثم يذكر رأي المخالف الأول، فالثاني إن تعدّد، ثم يستدلّ للمخالف الأول، فالثاني إن وُجِد، ثم يذكر دليل الرأي الأول المختار، ويصدّره غالباً بقوله: "ولنا"، هذا هو الغالب على منهجه رحمه الله، وإن لم يكن التزمه في جميع المسائل) [10].

طبعات الكتاب:

ونعتمد في هذه الفقرة، على ما قدّمه الباحث "عصمت الله"، في ملتقى أهل الحديث، من توضيح لطبعات هذا الكتاب[11]، قال: (وقد ظهر للكتاب -حتى الآن- عدَّة طبعات وإليكم تفصيل ما اطَّلعنا عليها، وهي:

* الطبعة الأولى: في مصر سنة 1328 هـ في سبع مجلدات في المطبعة الجمالية لمحمد أمين الخانجي، ... وما زالت المكتبات في بيروت ومصر تنشر وتطبع الطبعات المصورة عن هذه الطبعة الأولى...

* الطبعة الثانية: نشرها زكريا علي يوسف، من مطبعة الإمام بالقاهرة في بداية السبعينات. ولم يصرح بالأصل المخطوط الذي اعتمد عليه في النشر. ويقع في عشرة أجزاء. خرّج أحاديث الجزء الأول منه-فقط- الشيخ أحمد مختار عثمان...

* الطبعة الثالثة: ... بتصنيف حاسوبي جديد، من دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة الأولى عام 1417 هـ-1996 م...

كتب على غلافه: طبعة جديدة منقحة مصححة بإشراف مكتب البحوث والدراسات بدار الفكر. وكتب مقدمة الناشر الأستاذ صدقي جميل العطار... ويقع الكتاب في ستة أجزاء ...، كمالم يبيّن الناشر النسخة الخطية والطبعة التي اعتمد عليها في إخراج الكتاب.

* الطبعة الرابعة: أخرجتها دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي - بيروت لبنان. وبين أيدينا الآن- الطبعة الثانية منها عام 1419 هـ -1998 م بتقديم: فضيلة الشيخ عبدالرزاق الحلبي وتحقيق وتخريج: محمد عدنان بن ياسين درويش، واعتمد في إخراج الكتاب على ثلاث نسخ خطية بيَّنها، ... تقع طبعة الكتاب هذه في ستة أجزاء، وهي أحسن من الطبعات السابقة -إذ هي مخرجة الآيات والأحاديث ومعزوة الأقوال والآراء الفقهية غالباً، وفيه بيان الفروق بين النسخ مع الترجمة للأعلام بدون ذكر مصادرها.

* الطبعة الخامسة: قامت بإخراجها دار الكتب العلمية - بيروت عام 1418 هـ - 1997 م الطبعة الأولى في عشرة أجزاء وهذه الطبعة أحسن الطبعات كلها للكتاب، إذ هي مشكولة الأحاديث ومعزوة إلى مصادرها التي أخرجتها. أما الآيات فمعظمها غير مشكولة وبعضها غير معزوة، وكذلك أورد المحققان - كما أثبت على الغلاف - الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبدالموجود - تراجم الأعلام. كما بيّنا النسخ الخطية التي اعتمدا عليها في إخراج الكتاب -وكلها من محتويات دار الكتب المصرية- كما اعتمدا على مطبوعتين للكتاب الأولى مطبعة الخانجي والثانية طبعة مكتبة القاهرة.

وكل هذه الطبعات الخمس للكتاب ليست بها الفهارس العلمية ولا كشافات تحليلية. وهي لا يستغني عنها طالب أو باحث) انتهى كلام الباحث عصمت الله.

وأقول: ثمّة طبعةٌ سادسة للكتاب، مبذولةٌ في الإنترنت، عن دار الحديث بالقاهرة، عام 1426هـ/2005م، في عشر مجلدات، بتحقيق الدكتور محمد محمد تامر، الذي قال في "مقدمة التحقيق": (فالله يشهد تبارك وتعالى كم عانينا في إخراجه بهذه الصورة التي يراها أهل العلم، حيث تم ضبط  نص  الكتاب كلّه، ومقابلته على مخطوط، مع بعض النسخ المطبوعة، وغير ذلك من متطلبات التحقيق، ومما يمتاز به هذا التحقيق هو عزو المسائل الفقهية المشار إليها في المذهب الحنفي أو الشافعي أو المالكي إلى مصادرها الأصيلة)[12].

في طبعة دار الفكر: إشكالٌ أم خطأ؟

عند وصفه لطبعة دار الكتب العلمية، يقف الباحث "عصمت الله"، لدى مقدمة ناشر الكتاب، وكذلك لدى ما ورد في طبعة الكتاب، فذكر أنّ الكتاب: (كُتب على غلافه: طبعة جديدة منقحة مصحَّحة بإشراف مكتب البحوث والدراسات بدار الفكر. وكتب مقدمة النَّاشر: الأستاذ صدقي جميل العطار، وقد أتى فيها بالعجب العجاب حيث يقول: وقد سمَّاه مصنفه العلامة الكاساني في خطبة الكتاب "الفقه على المذاهب الأربعة". والأغرب من ذلك أن الناشر حرَّف خطبة الكاساني في البدائع لتتوافق مع ما أورده في مقدمته الأستاذ صدقي جميل عطار- ولا ندري ما الذي حمله على ذلك؟ فقد يكون الباعث هي المنافسة التجارية والتحايل على قوانين المطبوعات أو غير ذلك؟

وفي كل ذلك لا يهمنا -كباحثين وطلاب علم- إلا الاهتمام بكتب التراث والحفاظ عليها من أيدي المنتحلين والعابثين بها. ولاشك أن هذا التصرف إن لم يكن خطأ مطبعيا -ولا نظن ذلك - فهو نوع من العبث بالتراث الإسلامي وكتبه.)[13].

وهذه الطبعةُ نُشرت عبر المكتبة الشاملة، وفيها ذات هذه العبارة المثيرة للإشكال، وقد جاءت على النحو التالي: (... وَسَمَّيْته "الْفِقْهَ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ" إذْ هِيَ صَنْعَةٌ بَدِيعَةٌ، وَتَرْتِيبٌ عَجِيبٌ، وَتَرْصِيفٌ غَرِيبٌ لِتَكُونَ التَّسْمِيَةُ مُوَافِقَةً لِلْمُسَمَّى)[14].

وقارنتُ هذا النصّ، بما ورد في "الطبعة السادسة" للبدائع، طبعة الدكتور تامر، فوجدتُه كالآتي:

(... وَسَمَّيْته "بدائع الصنائع في ترتيب الشّرائع" إذْ هِيَ صَنْعَةٌ بَدِيعَةٌ، وَتَرْتِيبٌ عَجِيبٌ، وَتَرْصِيفٌ غَرِيبٌ لِتَكُونَ التَّسْمِيَةُ مُوَافِقَةً لِلْمُسَمَّى)[15].

والحمد لله ربّ العالمين!

المراجع

[1] كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (1/ 371).

[2] رد المحتار (1/ 100).

[3] ويكيبيديا، الموسوعة الحرة:

[4] كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (1/ 371).

[5] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، من مقدمة الكتاب.

[6] المذهب الحنفي للنقيب: (2/ 527).

[7] المذهب الحنفيّ مراحله وطبقاته ضوابطه ومصطلحاته خصائصه ومؤلفاته، للنقيب، (1/263 ).

[8] تحفة الفقهاء (1/ 5).

[9] المذهب الحنفي: (2/528).

[10] المذهب الحنفي: (2/528).

[11] عصمت الله، أفضل طبعة للبدائع، ملتقى أهل الحديث،  http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=.18725

ذكر الباحثُ أنّ هذا المبحث يمثل جزءاً من دراسةٍ أعدّها على كتاب البدائع.

[12] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مقدمة التحقيق، ص5. وذكر الدكتور تامر أنه قد سبق له إخراج "الوسيط في المذهب الشافعيّ" للإمام الغزالي، وكتاب "الهداية" في الفقه الحنفي للمرغيناني، وكتاب "الأشباه والنظائر" للسيوطي.

[13] عصمت الله، أفضل طبعة للبدائع، سابق.

[14] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 3): دار الكتب العلمية، الطبعة: الثانية، 1406هـ - 1986م.

[15] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (1/ 9)، دار الحديث، القاهرة، عام 1426هـ/2005

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
فقه النّيّة في نصوص اللغة والشّرع (1)
فإنّ مفهوم النّية من المفاهيم الفقهيّة الأساسيّة، التي لا يكاد يخلو منها بابٌ من أبواب الفقه، بيد أنّه يصدر إليها من دائرة ما يُسمّى بالفقه الأكبر، أو فقه الصفات والأعمال الباطنة، ورغم أهميتها الكبرى فقليلةٌ هي الدراسات المتعلّقة بالنّية، فلذا عزمت على أن أخصّصها بهذه المباحثة، التي عزمت فيها على استقراء معظم مسائلها، والخوض في كلّ مباحثها، راغباً في تجميع أطرافها، اعتماداً على نصوص اللّغة والشرع، واستئناداً إلى ما قرّره فيها وحولها علماء الأمّة وفقهاؤها، مبتدئاً ببيان الدّلالة اللّغويّة لهذا المفهوم:
الجامع المستوعب لدلالات الصّيام في لغة العرب
فإنّ الصّلة بين اللّغة العربية والفقه الإسلاميّ، صلةٌ وطيدة، وفي هذا الصّدد يقول مؤسس علم أصول الفقه الإمامُ الشَّافعيُّ: (إنَّما خاطب اللهُ بكتابه العربَ، على ما تعرفُ من معانيها)[1]، وهي الحقيقةُ التي انتبه لها مجدِّدُ علم الأصول الإمامُ الشَّاطبيُّ فقرَّرها بقوله: (إنَّ هذه الشريعة المباركة عربيَّة... المقصودُ هنا: أنَّ القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنَّما يكونُ من هذا الطريقِ خاصَّةً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}... فمن أراد تفهُّمه فمن جهة لسان العرب يُفهم)[2].
فقه الأوقات المنهيِّ عن الصَّلاة فيها (3/3)
ففي الحلقة الأولى من هذه المباحثة الفقهيّة، قمنا بتحديد الأوقات المنهيِّ عن الصّلاة فيها، استناداً إلى نصوص الأحاديث الصَّحيحة الواردة في المسألة.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م