د. عبدالمجيد: الحكم الشرعي ثابت لا يتغيّر، إنَّما قد يتغير مناط الحكم
|
حوار- عماد عنان
أضيف فى 1438/04/26 الموافق 2017/01/24 - 07:48 ص

العديد من المسائل والأحكام الشرعية فرضت نفسها مؤخرا على ساحات النقاش الفقهي والعقدي، في ظل غياب الحد الأدنى من المعرفة بصحيح الأحكام، وهو ما أوقع البعض في البدع دون أن يدري، فضلا عن الصورة الذهنية الخاطئة التي صدرها أعداء الدين للإسلام عبر العزف على بعض المسائل غير الصحيحة، لذا كان هذا اللقاء مع فضيلة الأستاذ الكتور جاد عبدالمجيد، أستاذ الفقه، وعميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر

 

*ما قولكم في أن الإسلام دين لا علاقة لها بالسياسة ولا يجوز الخلط بينهما؟

**الحديث عن الفصل بين الدين والدولة  جهل بتاريخ الإسلام وأحكامه وفقهه، فمن يتابع التاريخ الإسلامي جيدا، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحكام الشرع المستمدة في الأصل إلى القرآن الكريم، يجد أن السياسة كانت دوما حاضرة في أقوال النبي عليه السلام وأفعاله وممارساته اليومية.

فالقرآن الكريم والسنة النبوية مليئان بالآيات والأحاديث التي تتناول جوانب السياسة من الحكم والقضاء والمعاملات والتحالفات والحرب والسلم، ومن ثم نجحت الخلفاء والتابعون  بإعتمادهم على أمور السياسة كما تناولها الشرع في بناء أعظم إمبراطورية في العالم، في وقت لايساوي في حساب الزمن لحظات، لتصبح الأمة الإسلامية وحضارتها النور الذي يستمد منه العالم أجمع شعاع التقدم والنمو.

كما أن الإسلام كدين متكامل، ما شرعه الله عز وجل إلا ليقود سياسة الدنيا بالحق والعدل، فيحقق لهم الأمن والسعادة، أما ما يزعمه العلمانيون والملاحدة من أن السياسة شر وخبث وكذب، فهذه سياستهم هم، فبعد أن ضلوا عن حقيقة الوجود وأنكروا أن الله عز وجل خلق هذا الكون كله وأنه تحت أمره وحكمه واعتقدوا أنهم نسل حيوانات وليس خلقا مكرما من الله عز وجل، كان طبيعياً أن يعتقدوا أن الأصل في السياسة فيما بينهم أن تكون حيوانية تقوم على المكر والخداع والافتراس!

 

** للإعلام دور خطير في التنوير والتضليل بحسب استخدامه.. ماتعليقكم؟

** بالفعل فالإعلام سلاح ذو حدين، تتوقف خطورته على حسب المنهج المتبع والمضمون المقدم والرسالة المستهدفة، كما أنه يعتبر أحد أهم الأدوات المُستخدمة في حرب الأفكار التي تُشنّ على أُمتنا الإسلامية اليوم، وعلى المهتمين بفقه الدعوة مراعاة ذلك بصورة كبيرة، فالإعلام جزء أصيل ومقوم قوي في نجاح الرسالة الدعوية، وبدونه ينحصر تأثير الداعية في نطاق ضيق جدا.

وفي واقعنا اليوم يتم توظيف الإعلام في حرب الأفكار بإشراك الجمهور بالانحلال والفجور من خلال حزمة من البرامج، بعد أن نجح الإعلام الفاسد في تطبيع الفجور بين الناس، ومن أبرز مظاهر ذلك تفشي ظاهرة التبرج الفاحش باللباس والسلوك مع وضع غطاء الشعر.

ومن مظاهر حرب الأفكار في الاعلام إقصاء أهل العلم والخير أو حصارهم فيه، مع فتح الباب على مصراعيه لأهل الباطل من أهل الفجور أو البدع والطائفية خاصة الشيعة أو دعاة التحريف للدين، لينشروا الشهوات والشبهات وترسيخ فهم مغلوط للدين، ولذلك كثر ترداد الشبهات على ألسنة العامة اليوم.

لذا فعلى المجتمعات الإسلامية – حكومات وشعوب -  أن تعيد النظر في رؤيتها للإعلام بحيث يحقق الأهداف المرجوة منه وفق الضوابط الشرعية بعيدا عن الإنحراف والفجور المتفشي بصورة خطيرة.

 

*سؤال قديم متجدد.. هل يتعارض الدين والعلم؟

**للأسف بالرغم من قدم هذا السؤال والإجابة عن مرات ومرات، إلا أن البعض لازال يردده بصورة تجعل من التنويه مابين الحين والآخر حول العلاقة بين الدين والعلم من الأهمية بمكان، فلا يوجد صدام مطلق بين الإسلام وبين العلم ومعارفه واكتشافاته، لأن العلم الصحيح يتوافق مع الإسلام والدين السليم.

أما فيما يتعلق ببعض الصدامات التي وقت مؤخرا وحسبها البعض تعارضا مع صحيح الدينن فإنه ومن خلال متابعة تلك المواجهات تبين أن ما وقع من صدام بين العلم والدين وبعض رجالاته، هو صدام بين العلم وانحرافات بعض الدين ، وهو صدام وقع أصلاً بين الإسلام وتحريف الدين عبر التاريخ، فكثيرا ما حرف المزيفون الدين وبعض أحكامه ثم عرضوا عليه بعض الإكتشافات العلمية فكان الصدام، ومن هنا استغل أعداء الدين هذه الجزئية للحديث عن صدام بين الدين والعلم، لكن في الحقيقة لم يكن صداما بل كان تحريفا لا أكثر.

بل إن التفسير الديني للحقائق العلمية في الإسلام هو التفسير العلمي لها، وهو مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"  (مسلم)، ولذلك لم يعرف تاريخ الإسلام تجريما لعالم على اكتشاف أو رأي علمي، بخلاف ما حصل مع أديان محرفة أخرى، لكن في نفس الوقت يجب أن ننوه إلى أن قبول الإسلام بالقوانين والحقائق العلمية لا ينفي الإقرار واليقين بأن هذه القوانين ومايترتب عليها من ظواهر إنما هي من خلق الله سبحانه وتعالى.

 

*ماذا عن فقه الأقليات وهل يحمل تغير الفتوى حسب الزمان والمكان؟

**بداية لابد وأن نشير إلى أن المقصود بمصطلح "فقه الأقليات" هو مجموع الأحكام الفقهية المتعلقة بمن يعيش من المسلمين في بلاد غير المسلمين ويحملون جنسية تلك البلاد في الغالب ، وهم فيها قلّة بالنسبة لغيرهم ؛ لتشابه الإشكالات واتفاق الكثير من الأحكام في العلل والمؤثرات ؛ فهو جزء وفرع من فروع الفقه الإسلامي العام .

والوقوف على هذه المسألة لابد وأن نشير إلى أمرين، الأول: أنَّ الحكم الشرعي لا يتغير فهو ثابت، إنَّما قد يتغير مناط الحكم تبعاً لدخول عدة عوارض، ومن ثمَّ تتغيّر الفتاوى عند تنزيلها على المسائل والوقائع ، تبعاً لذلك، الثاني: أنَّ الأحكام الشرعية والتكاليف والمبادئ الإسلامية ، كما هي لا تتغير ، في أي مكان وفي أي زمان ، سواء كانت دار حرب أو دار إسلام ، فالحرام هو الحرام والحلال هو الحلال ، فالكذب والغش والخيانة والربا وغيرها محرمات ، لا يختلف حكمها من بلد إلى بلد ، وهكذا القيام بالعبادات والالتزامات ، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة والصدق والمعاملة المشروعة ، كلها تكاليف شرعية لا يختلف حكمها ، لاختلاف مكان أو زمان .

ومما سبق نقول أن الحكم ثابت، لكن تغيره من بلد لأخر، ومن ظروف لأخرى، يتعلق بمناطات الحكم وليس بالحكم نفسه، وهذا موجود في الإسلام منذ قديم الأزل، ولنضرب مثالا بحكم الصلاة،  وعدد ركعاتها،، فصلاة الفريضة واجبة في الحضر والسفر ، في بلاد المسلمين وغير المسلمين،  لكن العدد يختلف في بعض الصلوات في حال السفر ، سواء كان ذلك داخل دار الإسلام أو خارجها ، فعندما يقصر مسافر من الجالية الإسلام في بلد كفر بسبب سفره بين مدينتين في تلك البلاد ، فإن هذا لا يعني أن السبب هو كونه في بلد الكفر ، وإنما علة القصر كونه مسافرا ، سواء كان ذلك في بلد الكفر أو غيره ، فهو كما لو سافر بين مكة والمدينة مثلا .

ومن ثم لايمكن القول أن الأحكام تتغير، لكن المناطات فقط هي من تغير الحكم في ظرفية محددة سواء كانت زمانية أو مكانية، لذا كان فقه الأقليات من الأهمية دراسته والوقوف عليه من قبل المسلمين المقيمين في بلاد الكفر، حتى يتعلموا أمور دينهم وأحكام شريعتهم بما فيها من وسطية وسماحة ومرونة.

 

 

  
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"الثبيتي": للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه
تحدّث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي؛ عن قرب انتهاء شهر رمضان والسعادة لمَن صام رمضان، وأن نعمة التوفيق لصيامه وقيامه من أجلّ النعم لا تستقصى خيراته ولا تحصى نفحاته، قال الله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر شوال مساء السبت
دعت المحكمة العليا إلى تحري رؤية هلال شهر شوال لهذا العام 1438هـ، مساء يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رمضان الجاري. جاء ذلك في إعلان للمحكمة فيما يلي نصه:
معرض للإطعام الخيري بساحات المسجد الحرام
أقامت إدارة الساحات بالتعاون مع لجنة السقاية و الرفادة بإمارة منطقة مكة المكرمة معرضاً للإطعام الخيري المقدم في ساحات المسجد الحرام بحضور رئيس اللجنة التنفيذية للجنة السقاية و الرفادة بمنطقة مكة المكرمة ومنسوبي إدارات الساحات.
حوار مع الشيخ حسين رضوان عن زكاة الفطر وأحكامها
شرع الله عز وجل للمسلمين في رمضانَ العديدَ من نوافذ الخير والبركة، منها زكاة الفطر، وهي الصدقةُ التي تُخرج في نهاية رمضان تطهيرًا للنفس، وتنقيةُ لها من الشوائب التي قد تعلق بها خلال أيام رمضان.
محاورة مع فضيلة الشيخ الفشني حول الصدقات في رمضان
رمضان شهر التنافس في الطاعات والتقرب إلى الله عز وجل، وساحة عظيمة للتسابق من أجل الفوز بجنة الله ورضوانه، وتعد الصدقات من أعظم القربات وأقصر الطرق نحو الوصول إلى مرضاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
حوار حول نقص الهمَّة في أواخر رمضان وأشياءٍ أخرى
في الوقت الذي يتنسم فيه المسلمون الآن عبق شهر رمضان المبارك، ويستروحون في ظل روحانياته الجليلة، إذا ببعض السلوكيات والأفعال والطقوس تنبو عن ذلك، لتكون في وادٍ ورمضان بسموه وحقيقته في واد آخر.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م