الفروق في منهج البحث العلميّ (1)
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/04/23 الموافق 2017/01/21 - 04:31 م

مقدّمة:

يُمكن تعريف منهج البحث العلميِّ، بأنّه: الخريطةُ التي يهتدي بها الباحثُ، في طريقه نحو تحقيق هدفه من وراء البحث، والمسيرُ في هذا الطريقُ يبدأ من حقائق معلومةٍ، وينتهي بالكشف عن حقائقَ مجهولةٍ.

وهذا المنهجُ الخريطةُ، بالضّرورةِ يتضمّن مفاهيم ومصطلحاتٍ معيّنة، يُستعان بها على السّير في طريق البحث، وهذه المفاهيم والمصطلحاتُ ينبغي أن تكون واضحة الدّلالة، بعيدةً عن الغموض، ولذا فإنّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى التّفريق بين بعض المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في "منهج البحث العلميّ"، وهو موضوع هذه الحلقاتِ.

أولاً: الفرق بين البحث العلميّ وتقرير البحث العلميّ:

مفهومُ البحث العلمي، يشملُ جميع الخطوات الفكرية والعملية، التي بدأت من التفكير في القيام بالبحث المعيّن، وانتهت بالوصول إلى نتائج معيّنة، كانت ثمرةً لهذا البحث.

أمّا مفهومُ "تقرير البحث العلمي"، أو "تقرير البحث"، فإنّه عبارةٌ عن وصفٍ واقعيٍّ لدراسةٍ علميّةٍ قام بها الباحث العلميّ، في مجالٍ معيّن،  انطلاقاً من شعوره بوجود مشكلة فعلية، قام بحلها وانتهى إلى حقائق جديدة اكتشفها، تتميّز بأنّها أضافت شيئاً جديداً لحقل المعرفة العلميّة.

وللتمييز بين هذين المفهومين، بمثالٍ تطبيقيّ، دعونا نتناول أحد البحوث المهمّة التي أضافت معاني جديدة، إلى مجال العلم الشرعي، ألا وهو كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي رحمه الله.

أولاً: تطبيق مفهومي (البحث العلميّ) و(تقرير البحث) على ما قام به الإمام الشاطبي في الموافقات:

في مقدّمة كتاب الموافقات، يوضح الإمام الشاطبي، بصورةٍ عمليّة الفارق بين البحث وتقرير البحث، فالبحث هو عبارةٌ عن كلّ المراحل التي قطعها، ابتداءً من مواجهته لمشكلة البحث، مروراً بالعقبات والصّعاب التي واجهها في هذا الطريق، وإلى أن توصّل إلى اكتشاف ثمرات بحثه، من الأفكار والعلوم الجديدة. ومن ثمّ بعد فراغه من هذا البحث، بدأ بكتابة تقرير البحث الّذي تمثّل في كتابه: "الموافقات".

أولاً: فيما يتعلّق بالبحث العلميّ:

إذا كان البحث العلميّ، كما ذكرنا يشمل كلّ جهد بذله الباحث، ابتداءً من الشعور بمشكلة البحث، ثمّ الاجتهاد في حلّها وفق منهجٍ محدّد، وانتهاءً باكتشاف الحلّ هذه المشكلة، فهذا ما نراه واضحاً فيما قام به الإمام الشاطبي، في كتابه الموافقات:

1/ مشكلة البحث عند الإمام الشاطبي في الموافقات:

يبدأ الإمام الشاطبي بمخاطبة القارئ المتعطش لمعرفة الحقائق التي توصل إليها، ومبيّناً في ذات اللحظة: موضوع بحثه، والمشكلة التي يسعى إلى حلّها، فيقول: (أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا الْبَاحِثُ عَنْ حَقَائِقِ أَعْلَى الْعُلُومِ، الطَّالِبُ لِأَسْنَى نَتَائِجِ الحُلوم، الْمُتَعَطِّشُ إِلَى أَحْلَى مَوَارِدِ الْفُهُومِ، الْحَائِمُ حَوْلَ حِمى ظاهر المرسوم؛ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِ بَاطِنِهِ الْمَرْقُومِ، ...إلخ)[1].

نعم، كانت مشكلة الإمام الشاطبي، في الموافقاتِ، هي كيف يصل إلى (حقائق أعلى العلوم)، أي العلم الذي يكون قاعدةً وأساساً لكل العلوم، هو لم يكن يعني علم أصول الفقه خاصّةً، إنما يعني علم الأصول التي تُبنى عليها ليس الأحكامُ الفقهيّة وحدها، بل كلّ العلوم الشرعيّة، وتفصيلُ ذلك يخرج عن حدود هذه المقالة.

2/ العقبات التي واجهت الإمام الشاطبي في طريق بحثه:

ثم بعد ذلك يبدأ الإمام الشاطبيّ بوصفٍ إجماليٍّ للعقبات التي لقيته في طريق هذا البحث، فيقولُ متكلّماً عن نفسه بلسان الغائب: (فَلَقَدْ قَطَعَ فِي طَلَبِ هَذَا الْمَقْصُودِ مهامِهَ فِيْحاً، وَكَابَدَ مِنْ طَوَارِقِ طَرِيقِهِ حَسَنًا وَقَبِيحًا، وَلَاقَى مِنْ وُجُوهِهِ الْمُعْتَرِضَةِ جَهْما وصَبِيحاً، ...).

ويشعر الشّاطبيّ بأنّ الوصف المباشر لمعاناته في طريق البحث، لا يفي بالمقصود، فيلجأ إلى تلخيص حقيقة الأمر بصورةٍ إجماليّة، فيقول: (وجُملة الْأَمْرِ فِي التَّحْقِيقِ: أَنَّ أَدْهَى مَا يَلْقَاهُ السَّالِكُ لِلطَّرِيقِ فَقْدُ الدَّلِيلِ، مَعَ ذِهْنٍ لِعَدَمِ نُورِ الْفَرْقَانِ كَلِيلٍ، وَقَلْبٍ بِصَدَمَاتِ الْأَضْغَاث عَلِيلٍ؛ فَيَمْشِي عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ، وَيَنْتَمِي إِلَى غَيْرِ قَبِيلٍ)، فهو يحكي هنا عن معاناته، في البحث عن حلول للمشكلة التي يواجهها، وهي مشكلة البحث عن منظارٍ واحدٍ، نستطيع به النظر إلى كلّ علوم الشريعة.

3/ مرحلةُ اكتشاف الشاطبيّ للحقائق المتعلّقة ببحثه:

يصف الإمام الشاطبي هذه المرحلة المهمة بقوله -بعد أن ذكر تلك العقبات-: (إِلَى أَنْ مَنَّ الرَّبُّ الْكَرِيمُ، الْبَرُّ الرَّحِيمُ، الْهَادِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ فبُعثت لَهُ أَرْوَاحُ تِلْكَ الْجُسُومِ، وَظَهَرَتْ حَقَائِقُ تِلْكَ الرُّسُومِ، وَبَدَتْ مُسَمَّيَاتُ تِلْكَ الْوُسُومِ؛ فَلَاحَ فِي أَكْنَافِهَا الْحَقُّ وَاسْتَبَانَ).

ثانياً: فيما يتعلق بتقرير البحث العلميّ:

تقرير البحث، يمرّ بمرحلتين: مرحلة البدء في الكتابة عموماً، وتقييد النتائج التي تعنّ للباحث عبر مراحل بحثه، وبيانَ المنهج الذي اتبعه في الوصول إلى تلك النتائج، ثم تقيد الثمرة النهائية التي توصّل إليها:

1/ مرحلة البدء في الكتابة:

صور الإمام الشاطبي هذه المرحلة بوضوحٍ، قائلاً: (وَلَمَّا بَدَا مِن مَكْنُونِ السِّرِّ مَا بَدَا وَوَفَّقَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لِمَا شَاءَ مِنْهُ وَهَدَى, لَمْ أَزَلْ أُقَيِّدُ مِنْ أَوَابِدِهِ، وَأَضُمُّ مِنْ شَوَارِدِهِ تَفَاصِيلَ وجُملا، وَأَسُوقُ مِنْ شَوَاهِدِهِ فِي مَصَادِرِ الحُكم وَمَوَارِدِهِ مُبَيِّنًا لَا مُجْمِلًا).

2/ بيان المنهج الذي اتّبعه الإمام الشاطبيّ في بحثه:

ذكر الإمام الشاطبيّ، أنه في كل الجهد الذي بذله، في طريق هذا البحث، كان: (مُعْتَمِدًا عَلَى الِاسْتِقْرَاءَاتِ الْكُلِّيَّةِ، غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلَى الْأَفْرَادِ الْجُزْئِيَّةِ، وَمُبَيِّنًا أُصُولَهَا النَّقْلِيَّةَ بِأَطْرَافٍ مِنَ الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ، حَسْبَمَا أَعْطَتْهُ الِاسْتِطَاعَةُ وَالْمِنَّةُ، فِي بَيَانِ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ).

3/ مرحلة كتابة تقرير البحث النهائي:

عبر عنها الإمام الشاطبي بقوله: (ثُمَّ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَظْمِ تِلْكَ الْفَرَائِدِ، وَجَمْعِ تِلْكَ الْفَوَائِدِ، إِلَى تَرَاجِمَ تَرُدُّهَا إِلَى أُصُولِهَا، وَتَكُونُ عَوْنًا عَلَى تَعَقُّلِهَا وَتَحْصِيلِهَا؛ فَانْضَمَّتْ إِلَى تَرَاجِمِ الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ، وَانْتَظَمَتْ فِي أَسْلَاكِهَا السَّنِية الْبَهِيَّةِ؛ فَصَارَ كتابا منحصرا في خمسة أقسام)[2].

فمن كلّ ذلك يتّضح لنا الفارق بين هذين المفهومين: مفهوم  البحث العلميّ، ومفهوم تقرير البحث العلميّ، وأنّ هذا التمييز بينهما كان واضحاً عند الإمام الشاطبي، لدى إعداد مشروعه البحثيّ الكبير.

والحمد لله رب العالمين.

المراجع

[1] الموافقات (1/ 8).

[2] الموافقات: (1/ 3 - 13).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
السبسي يثير الجدل بدعوته للمساواة في الميراث.. والأزهر يحذر
انضم الأزهر إلى موجة الجدل التي أثارها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي بعد دعوته إلى تغيير حكم الله تعالى في الميراث والسماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.
وفاة الشيخ ظهير الدين المباركفوري الهندي صاحب أعلى إسناد بصحيح مسلم
توفي العالم العلامة المسند أحد أعلام الحديث بشبه القارة الهندية الشيخ ظهير الدين المباركفوري الرحماني الأثري الهندي، وصاحب أعلى إسناد بصحيح مسلم، وتلميذ المحدث أحمد الدهلوي، والمحدث الشهير المباركفوري الذي أجازه في كتابه “تحفة الأحوذي شرح الترمذي”، وهو ابن ثمان سنين، وقد كان من المحدثين الأخيار بالهند والعالم الإسلامي له مشاركات كثيرة في علم الحديث تذكر بالأوائل في هذا الفن.
"كبار العلماء":الحكم بردّة مسلم مرتبط بتحقق شروط وانتفاء موانع
شددت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء على أن "مردّ التكفير إلى الله ورسوله ﷺ"، مما يعني أنه لا يجوز تكفير إلا من دلّ الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، ولا تكفي في ذلك الشبهة والظن.
معيارٌ لقياس حال المسلم وإيمانه
بلى، هذا معيارٌ رباعيٌّ مدرّجٌ، من شأنه أن يكشف عن حقيقة إيمان المسلم، ومدى قربه من ربّه سبحانه وتعالى، ومن هنا فإنّه مِقياسٌ من أخطر المقاييس.
مفهوم الحجِّ في اللُّغة العربيَّة
هذا استقراءٌ لمادّةِ "حَجَجَ" وتصريفاتِها في معجمي "لسان العرب" لابن منظور، و"تاج العروس"، وغيرهما من مراجع اللغة العربيّة، بحثاً عن الدلالات المتعلقة بالحجِّ، على نحو ما يلي:
فَبَرَّ قَسَمُ ابن مُرِّي!
هذا المجموع الفريد المُسمّى أيضاً، بـ "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية، يُعدُّ من أعظم الكتب التي أُلّفت في الإسلام، إن لم يكن أعظمَها على الإطلاق.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م