الآداب التي ينبغي أن يتحلّى بها طالب العلم (2)
|
الملتقى الفقهي:عبد السلام محمد أبو عبد الرحمن
أضيف فى 1438/04/17 الموافق 2017/01/15 - 05:46 م

من  جملة الآداب التي ينبغي أن يتحلّى بها طالب العلم أيضا:

الأول: طهارة القلب:

بأن يطهّر قلبه من كل غش، ودنس، وغل، وحسد، وسوء خلق؛ لِيَصلُح بذلك لقبولِ العلم وحفظِه, والاطلاعِ على دقائق معانيه وحقائق غوامضه؛ فإن العلم كما قيل: "صلاة السر، وعبادة القلب، وقربة الباطن".

وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث، فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديّها.

والقلب للعلم كالأرض للزرع؛ إذا طابت الأرض نما الزرع وزكى, وكذلك القلبُ إذا طاب, زكى العلمُ وظهرت بركته.

وفي الحديث: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"[1].

قال سهل التستري: "حرام على قلب أن يدخله نور وفيه شيء مما يكره الله عز وجل"[2].

الثاني: الورع:

أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه, ويتحرى الحلال في طعامه, وشرابه, ولباسه, ومسكنه، وفي جميع ما يحتاج إليه, ولا يقنع لنفسه بظاهر الحِلّ شرعا، مهما أمكنه التورع ولم تلجئه حاجة، بل يطلب الرتبة العالية، ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتُدِي به في ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة، مع بُعد كونها منها، ولأن أهل العلم وطلابه يُقتدى بهم ويُؤخذ عنهم، فإذا لم يستعملوا الورع فمن يستعمله؟

 الثالث: ترتيب الوقت وحسن استغلاله:

بأن يقسم أوقات ليله ونهاره بحسب ما يتهيأ له.

قال ابن جماعة: وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.

وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود الأماكن للحفظ كل مكان بعيد عن الملهيات؛ كأماكن الخضرة، والأنهار، وقوارع الطرق، وضجيج الأصوات، لأنها تمنع من خلو القلب غالبا[3].

الرابع: احترام العلماء:

لا يُنال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع للعالم, فليحرص طالب العلم على احترام شيوخه؛ وأن يعرف لهم حقهم وفضلهم؛ لأن ذلك أقرب إلى انتفاعه بهم.

أخذ ابن عباس رضي الله عنه -مع جلالته وعلو مرتبته- بركاب زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وقال: "هكذا أُمِرنا أن نفعل بعلمائنا"[4].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "تعلَّموا العلم, وتعلَّموا للعلم السكينة, وتواضعوا لمن تَعَلَّمُون منه"[5].   

 وينبغي للطالب أن يجلس عند الشيخ وقلبُه فارغ من الشواغل، وذهنه صاف؛ لينشرح صدره لما يقال، ويعي ما يسمع.

وينبغي أن لا يقطع على الشيخ كلامه، بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم.

الخامس: السير على منهج علمي:

يبتدئ طالب العلم أوّلا بكتاب الله عز وجل, فيتقنُه حفظا, ويجتهد في إتقان تفسيره وسائر علومه؛ فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها.

وليحرص على دراسة القرآن وتعهده وملازمة وِردٍ منه كل يوم. 

ثم يحفظ في كل فنّ مختصرا يجمع فيه بين طرفيه؛ من الفقه والحديث وعلومه والأصولين والنحو والتصريف, وسائر العلوم.

وعليه أن يُصحِّح ما يقرأه من المتون قبل حفظها تصحيحا متقنا، إما على شيخ, وإما على غيره ممن يعينه، ثم يحفظها بعد ذلك حفظا محكما.

ولا يحفظ شيئا قبل تصحيحه؛ لأنه قد يقع في التحريف والتصحيف.

وليأخذ من الحفظ مقدارا يطيقه حاله، من غير إكثار يُمِلّ, ولا تقصير يخلّ بجودة التحصيل.

ثم يتعاهد محفوظه بالتكرار الجيد المستديم.

ثم يشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ، وليحذر من الاعتماد في ذلك على الكتب ابتداء، بل يقصد في شرح كل فنّ من المشايخ من هو أحسن تعليما له، وأكثر تحقيقا فيه، وأخبرهم بالكتاب الذي قرأه، وذلك بعد مراعاة الصفات المتقدمة من الدين، والصلاح والشفقة وغيرها.

السادس: الحذر من التشتت:

وليحذر في ابتداء أمره من الاشتغال بالخلاف العالي بين العلماء؛ فإنه يشتت الذهن, بل يتقن أوّلا كتابا واحدا في فن واحد، أو كتبا في فنون إن احتمل ذلك.

وليحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات المطولات، فإنه يُضيِّع زمانه, ويُفرِّق ذهنه، بل يعطي الكتاب الذي يقرأه أو الفن الذي يأخذه كلّيته حتى يتقنه.

وليحذر -أيضا- من الانتقال من كتاب إلى كتاب دون ضبط ولا إحكام؛ فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح.

 ثم إذا تحققت أهليته وتأكّدت معرفته للبدايات، فالأَولى له أن لا يدع فنّا من العلوم الشرعية إلا نظر فيه، فإن ساعده طول العمر على التبحر فيه فذاك، وإلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم، وقد قيل: خذ من كلّ شيءٍ شيئا, ثم خذ من شيءٍ كلَّ شيءٍ.

ثم إذا شرح محفوظاته المختصرات, وضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقَلَ إلى بحث المبسوطات مع المطالعة الدائمة، وتعليق ما يمر به أو يسمعه من الفوائد النفيسة، والمسائل الدقيقة، والفروع الغريبة، وحل المشكلات, والفروق بين أحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم.

ولا يستقلَّ فائدة يسمعها, أو يتهاون بقاعدة يضبطها، بل يبادر إلى تعليقها وحفظها، ولتكن همته في طلب العلم عالية، فلا يكتفي بقليل العلم مع إمكانِ كثيرِهِ, ولا يقنع من إرث الأنبياء بيَسيرِهِ، ولا يؤخر تحصيل فائدة تمكَّن منها، فإن للتأخير آفات[6].

 السابع: مذاكرة العلم:

ينبغي أن يتذاكر طالبُ العلم مع أمثاله ما حصّله من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك؛ فإن في المذاكرة نفعا عظيما, وكان جماعة من السلف يبدؤون المذاكرة من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الفجر.

فإن لم يجد الطالب من يذاكره، ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه وحفظه على قلبه ليرسخ، فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء سواء. وقَلَّ أن يفلح من اقتصر على الفكر والنقل بحضرة الشيوخ خاصة، ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده ولا يذاكره[7].

 المراجع

[1] أخرجه البخاري 1/20, رقم 52. ومسلم 3/1219, رقم 1599.

[2] ينظر: تذكرة السامع والمتكلم ص 67.

[3] ينظر: تذكرة السامع والمتكلم ص 72.

[4] ينظر: المجالسة وجواهر العلم 4/146.

[5] أخرجه الطبراني في الأوسط 6/200.

[6] ينظر: آداب العلماء والمتعلمين بتصرف ص18.

[7] ينظر: المرجع نفسه ص20 بتصرف.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
أمير مكة يوجه بإخلاء صحن المطاف من المصلين حتى نهاية رمضان
وذلك بعد اطلاعه على تقارير عن تعطيل المصلين بصحن الطواف للمعتمرين أثناء الصلوات وخاصة في صلاة التراويح وبناء على ذلك سيتم توجيه المصلين لأداء الصلوات في الأروقة الداخلية والتوسعة الشمالية والأدوار العليا.
تغيير 3 آلاف سجادة بالمسجد النبوي
أكملت وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي ممثلة في قسم السجاد تغيير فرش سجاد المسجد النبوي وذلك بفرش (3) آلاف سجادة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك
الأمير تركي بن عبدالله يدشن مشروع تفطير مليون صائم
دشن صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالعزيز الرئيس التنفيذي لمؤسسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للأعمال الإنسانية، مشروع تفطير مليون صائم لعام 1438هـ، التابع لمكتب الدعوة بالصناعية الجديدة في الرياض.
رمضان لا يقبل التساهل ولا التجاهل
الإسلام دين تربية للملَكات والفضائل والكمالات، وهو يعتبر المسلم تلميذًا ملازِمًا في مدرسة الحياة، دائمًا فيها، دائبًا عليها؛ يتلقّى فيها ما تقتضيه طبيعته من نقص وكمال، وما تقتضيه طبيعتها من خير وشر، ومِن ثَمّ فهو يأخذه أخذ المربّي بامتحانات دورية متكرّرة، لا يخرج من امتحان منها إلا ليدخل في امتحان.
أصل القريش أو الشعبنة
القريش:هو الاجتماع للطعام قبل رمضان لتوديع الأكل.
صوم الجماعة عن الميت في يوم واحد
لا خلاف بين القائلين بصحة الصوم عن الميت, -على تفصيل في نوع الصوم-, في جواز انفراد أحد أولياء الميت بصيام جميع ما على الميت من الأيام التي في ذمته.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م