حكم تسوية الصُّفوف في صلاة الجماعة
|
الملتقى الفقهي- صلاح عباس
أضيف فى 1438/04/13 الموافق 2017/01/11 - 08:51 ص

 

هذه مسألةٌ بالغة الأهمّيّة، لكونها تتعلّق بضابطٍ مهمٍّ، من ضوابط صلاة الجماعة التي هي الصِّلة بين العباد وربّهم، وفي هذه المسألة –كما في كلّ مسألةٍ- متطرّفون إلى كلتا الجهتين يميناً ويساراً، وثمّةَ الوسط العادل، لكنّ غربة الدّين في هذا العصر قد طغت، حتّى صار الغُموضُ يرينُ على حقائق السُّنّة المتعلّقة بعمود الدّين، فيثورُ فيها الخلافُ، حتّى بين أهل السُّنّة.

 لكنّ المسألة تبقى مسألةً علميّةً، لا ينبغي الانطلاقُ فيها ممَّا تشتهيه الأنفس، ولكن بما ثبت في نصوص الشّرع من القرآن والسنة المطهّرة!

 فهل ورد في القرآن شيءٌ عن اتّصال الصّفوف؟

والجواب: نعم، قد ورد في ذلك آياتٌ كريمةٌ، كلٌّ منها ذو صلةٍ مَّا بما نحن فيه، لكن نذكر منها خاصّةً قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38].

وقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].

قال الشّيخ السعديّ: (ويجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده في ظُلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات كلهم، صفًا صفا أي: صفًا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار)[1].

وما العلاقةُ بين صفوف الملائكة، وصفوف المسلمين في الصلاة؟

العلاقةُ نبّه عليها، ونوَّه بها الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه الإمام مسلم، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ, وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ "»[2].

أمّا في السُّنّة المطهرة:

فقد تواترت الرواياتُ بالأحاديث الدّالّة، على الأمر بتسوية الصفوف في الصّلاة، قال ابن عبد البر: (وَأَمَّا تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ فَالْآثَارُ فِيهَا متواترة من طرق شتى صحاح كلها، ثَابِتَةٌ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَأَسَانِيدُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا)[3].

وهذه باقةٌ منتخبةٌ، مما ورد في ذلك:

^أخرج البخاريُّ ومسلم، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاَةِ»[4]. وأخرج البخاريُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ»[5].

أخرج الإمام مسلم، عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[6].

^وأخرج البخاريُّ ومسلم عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[7]. قال النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: «رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ»[8].

^وأخرج أبو داود في سننه، عَنْ أَبِي شَجَرَةَ - لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عُمَرَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ - لَمْ يَقُلْ عِيسَى بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ - وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ»[9].

^وأخرج أبوداود، عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، إِذَا قُمْنَا لِلصَّلَاةِ فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ"»[10].

^وقد رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوَكِّلُ رِجَالًا بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، وَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُخْبَرَ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدِ اسْتَوَتْ". وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ، أَنَّهُمَا كَانَا يَتَعَاهَدَانِ ذَلِكَ، وَيَقُولَانِ: "اسْتَوُوا"، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: "تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ، تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ"[11].

^وأخرج ابن خزيمة في صحيحه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خِلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ» قَالَ مُسْلِمٌ: "يَعْنِي النَّقَدَ الصِّغَارَ، النَّقَدُ الصِّغَارُ: أَوْلَادُ الْغَنَمِ"[12].

بيانُ المعاني الإجماليّة لما ورد في نصوص الأحاديث:

-في معنى تسوية الصفوف وإقامتها، قال ابن دقيق العيد: (تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ: اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ تَدُلُّ تَسْوِيَتُهَا أَيْضًا عَلَى سَدِّ الْفُرَجِ فِيهَا، بِنَاءً عَلَى التَّسْوِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ تَسْوِيَتَهَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَمْرٌ مَطْلُوبٌ)[13].

-وفي معنى القداح، قال الإمام النوويّ: (الْقِدَاحُ -بِكَسْرِ الْقَافِ- هِيَ خَشَبُ السِّهَامِ حِينَ تُنْحَتُ وَتُبْرَى، وَاحِدُهَا قِدْحٌ بِكَسْرِ الْقَافِ، مَعْنَاهُ: يُبَالِغُ فِي تَسْوِيَتِهَا حَتَّى تَصِيرَ كَأَنَّمَا يَقُومُ بِهَا السِّهَامُ، لِشِدَّةِ اسْتِوَائِهَا وَاعْتِدَالِهَا)[14]، قال الخطابيّ: (القِدْح خشب السَّهم إذا بُري وأُصلحَ قبلَ أن يُركَّب فيه النَّصلُ والرِّيشُ)[15].

-وفي معنى المحاذاة، قال الأمير الصنعاني: (أي: اجعلوا بعضها حذاء بعض بحيث يكون منكب كل واحد من المصلين موازياً لمنكب الآخر ومسامتاً له، فتكون المناكب والأعناق على سمت واحد)[16].

-وفي معنى المخالفة بين الوجوه، قال الإمام النوويُّ: (وَالْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَعْنَاهُ: يُوقِعُ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَاخْتِلَافَ الْقُلُوبِ، كَمَا يُقَالُ: تَغَيَّرَ وَجْهُ فُلَانٍ عَلَيَّ، أَيْ: ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهِهِ كَرَاهَةٌ لِي وَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ عَلَيَّ، لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الصُّفُوفِ مُخَالَفَةٌ فِي ظَوَاهِرِهِمْ، وَاخْتِلَافُ الظَّوَاهِرِ سَبَبٌ لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِنِ)[17].

وقال ابن حجر: (وَاخْتُلِفَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمُرَادُ تَسْوِيَةُ الْوَجْهِ بِتَحْوِيلِ خَلْقِهِ عَنْ وَضْعِهِ بِجَعْلِهِ مَوْضِعَ الْقَفَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَعِيدِ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، وَفِيهِ مِنَ اللَّطَائِفِ وُقُوعُ الْوَعِيدِ مِنْ جِنْسِ الْجِنَايَةِ وَهِيَ الْمُخَالَفَةُ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ وَاجِبٌ وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ حَرَامٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ قَرِيبًا، وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ، أَخْرَجَهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَلِهَذَا قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فنردَّها على أدبارها}. [18].

-وفي معنى لين المناكب، قال الخطابيّ: (قلت: معنى لين المنكب لزوم السكينة في الصلاة والطمأنينة فيها، لا يلتفت ولا يُحاكُّ بمنكبه منكب صاحبه. وقد يكونُ فيه وجهٌ آخر وهو: أن لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف ليسُدَّ الخلل أو لضيق المكان، بل يمكِّنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراصَّ الصُّفوف وتتكاتف الجموع.)[19].

وفي المحاذاة بالأعناق، قال ابن علان: (ينبغي تفسيره بالمحاذاة بالمناكب التي سبق الأمرُ بها قولاً وفعلاً، إذ يلزم في المحاذاة بالأعناق بأن لا يتقدَّم عنق أحدهم ولا يتأخَّر المحاذاة بالمناكب)[20].

وفي معنى "الحذف"، قال الخطابي:  (والحذف غنم سود صغار، ويقال إنها أكثر ما تكون باليمن)[21].

حكم تسوية الصفوف واتّصالها:

قال أبو الحسن المباركفوري: (واختلفوا في حكمها من الوجوب والنَّدب)[22]، فذهب عامّة الفقهاء إلى القول بالنَّدب والاستحباب، ورجّح بعضُهم الوجوب.

ويُلحظُ أنّ عامَّة القائلين بالاستحباب، معظمهم غضَّ الطرف عمّا ورد في نصوص أحاديث تسوية الصفوف من ألفاظ الوعيد، أو أوّلوها بما يُخرجها عن معناها الظاهر، وبالمقابل انطلقوا من نصّ حديث أبي هريرة، برواياته المختلفة: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ»[23]، أو: «فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».

وبالمقابل فإنّ القائلين بالوجوب كابن حزم، أولَوا ألفاظَ الوعيد قدراً كبيراً من الاهتمام.

وهذه الملحوظة، عبر عنها القسطلانيّ، من خلال ميله إلى القول بالاستحباب، فقال:

(واحتجَّ ابنُ حزم للقول بوجوب التسوية بالوعيد المذكور، لأنه يقتضيه. لكن قوله [صلى الله عليه وسلم] في الحديث الآخر: فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، يصرفُه إلى السُّنَّة، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، فيكون الوعيد للتغليظ والتشديد)[24].

فيما يلي نقف على ما تيسّر الوقوف عليه، من مواقف القائلين بالاستحباب، ثمّ مواقف القائلين بالوجوب، ثمّ نقف عند أقوال فئةٍ تردَّدَتْ ما بين القول بالاستحباب والقول بالوجوب.

أولاً: القائلون بالاستحباب:

منهم الحافظ العراقيّ، قال: (هَذَا الْأَمْرُ [أي: سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وما يُشابهه، هو] لِلِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ [صلى الله عليه وسلم] فِي تَعْلِيلِهِ: «فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ»، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الصُّفُوفِ سُنَّةٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ حُسْنَ الشَّيْءِ زِيَادَةٌ عَلَى تَمَامِهِ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ)[25].

قال العينيّ: (وبهذا الحديث قالت العلماء: إن إقامة الصف من حسن الصلاة، وينبغي للإمام أن يتعهد تسوية الصفوف، فقد كان لعمر، وعثمان رجال وكَلاهُم بتسوية الصفوف)[26].

قال ابن دقيق العيد:(وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، غَيْرُ وَاجِبٍ. لِقَوْلِهِ " مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ " وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلَا وَاجِبَاتِهَا. وَتَمَامُ الشَّيْءِ: أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى وُجُودِ حَقِيقَتِهِ الَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهَا فِي مَشْهُورِ الِاصْطِلَاحِ. وَقَدْ يَنْطَلِقُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ عَلَى بَعْضِ مَا لَا تَتِمُّ الْحَقِيقَةُ إلَّا بِهِ)[27].

وقال الباجي في المنتتقى: (وَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِمَّا كَانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَنْدُبُ إلَيْهِ)[28].

قال القاضي عياض: (وقوله: " إن تسوية الصفوف من تمام الصلاة "، وفى آخر: " من حسن الصلاة " دليل على أن تعديل الصفوف غير واجب، وأنه سنة مستحبة)[29].

قال ابن الملقن: (وهو من سنة الصلاة عند الأئمة)[30].

وقال الرافعي: (والثاني: الأمر بتسوية الصفوف وهي محبوبة على الإطلاق)[31].

وقال ابن العطار: (وفيه: إشارةٌ إلى أنَّ تسويتها مستحبٌّ ليس بواجب؛ لجعله - صلى الله عليه وسلم - تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن من أركان الشيء، ولا من واجباته، وكان من تمامه، كان مستحبًا؛ لكونه أمرًا زائدًا على وجود حقيقته التي لا تسمى إلا بها، في الاصطلاح المشهور، وقد ينطلق من حيث الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به)[32].

قال ابن قدامة: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ)[33].

وقال المرداويّ الحنبليّ: (فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ سُنَّةٌ)[34].

ولخّص الحافظ العراقي الموقف عموماً، فقال: (وَهَذَا [أي القول بالاستحباب، هو] مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.)[35].

ثانياً: القائلون بالوجوب:

أشهر القائلين بالوجوب –بحسب ما تمّ الاطلاع عليه-: الإمام البخاريُّ، والإمام ابن حزم، والإمام المجد ابن تيمية، والإمام محمد بن إسماعيل الأمير، وابن رُشيد[36]، وآخرون:

*الإمام البخاريُّ:

عقد الإمام البخاري في صحيحه، باباً عنون له: "بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ"، وروى فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لاَ تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ»[37]. قال الزين العراقي: (وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِكَلَامِ أَنَسٍ هَذَا عَلَى الْوُجُوبِ فَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي صَحِيحِهِ: بَابَ إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ) [38].

قال ابن حجر: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَ الْوُجُوبَ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَمِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَمِنْ وُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ أَنَّ إِنْكَارَ أَنَسٍ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ قَدْ يَقَعُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ) [39].

*ابن حزم:

قال ابن حزم: (وَفُرِضَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ تَعْدِيلُ الصُّفُوفِ -الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ- وَالتَّرَاصُّ فِيهَا، وَالْمُحَاذَاةُ بِالْمَنَاكِبِ، وَالْأَرْجُلِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ كَانَ فِي آخِرِهَا)[40]، مستدلّاً على ذلك بما روي عَنْ وَابِصَةَ هُوَ ابْنُ مَعْبَدِ الْأَسَدِيُّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ»[41].

ثم استند ابن حزم إلى ما ورد من الوعيد، في هذه الأحاديث، فقال: (هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَالْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي كَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ)[42].

أمّا حديث أنس الذي استدلُّوا به على الاستحباب، فقد تناوله ابن حزم، واستخرج منه المعنى التّالي: قال: (قَالَ عَلِيٌّ: تَسْوِيَةُ الصَّفِّ إذَا كَانَ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَهُوَ فَرْضٌ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الصَّلَاةِ فَرْضٌ؛ وَمَا كَانَ مِنْ الْفَرْضِ فَهُوَ فَرْضٌ)[43].

ثم ساق ابن حزم طائفةً من الآثار الدّالّة، على أهميّة تسوية الصفوف في الصّلاة، ذكر منها قول ابن عمر رضي الله عنه: "لَأَنْ تَخِرَّ ثَنِيَّتَايَ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى خَلَلًا فِي الصَّفِّ فَلَا أَسُدَّهُ"، ثمّ علّق عليه قائلاً: (قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَا يُتَمَنَّى فِي تَرْكِ مُبَاحٍ أَصْلًا)[44].

ثمّ علّق ابن حزمٍ على الأثر الوارد عن أنس بن مالكٍ لما سئل: (أَتُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقَيِّمُونَ الصُّفُوفَ)، (قَالَ عَلِيٌّ: الْمُبَاحُ لَا يَكُونُ مُنْكَرًا)[45].

*المجد ابن تيمية:

المقرّر في المذهب الحنبليّ، هو ما قرّره المرداويّ أعلاه من الاستحباب، أمّا المجد ابن تيمية فقد قام بمراجعةِ  الموقف، مُعيداً الاعتبار لأحاديث الوعيد، قائلاً: (قد اشتهر أن تسوية الصفوف أمر مطلوب للشارع، وعندنا وعند عامة العلماء أن ذلك مستحبٌّ، وفيه إشكال فإن في الصحيحين من حديث أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: "سوُّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" وفيهما من حديث النعمان بن بشير أنه عليه الصلاة والسلام قال "لتسووُّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " وفي لفظ أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه إسناده صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داود قيل في قوله "ليخالفن الله بين وجوهكم" معناه يمسخها ويحولها عن صورتها كقوله في الذي يرفع قبل الإمام: "يجعل صورته صورة حمار" وقيل: يغير صفتها وقيل: معناه يوقع بينكم العداوة واختلاف القلوب لأن اختلاف الظاهر سبب لاختلاف الباطن، ومخالفة الصفوف مخالفة في الظاهر وهذا ظاهر في الوجوب، وعلى هذا بطلان الصلاة به محل نظر)[46].

*الأمير الصَّنعانيّ:

قال الأمير الصنعانيّ: (وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَالْوَعِيدُ الَّذِي فِيهَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا تَسَاهَلَ فِيهِ النَّاسُ كَمَا تَسَاهَلُوا فِيمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فَإِنَّك تَرَى النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُونَ لِلْجَمَاعَةِ وَهُمْ لَا يَمْلَئُونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَوْ قَامُوا فِيهِ فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يَتَفَرَّقُونَ صُفُوفًا عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى ثَلَاثَةٍ وَنَحْوِهِ)[47].

*ابن رشيد:

في "فتح الباري"[48]، ذكر ابنُ حجر استدلال ابن رشيد، على وجوب تسوية الصُّفوف، بما ورد في حديث أنس: "مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ"، أي إنّ هذا الإنكار لا يقع إلا على ترك أمرٍ واجب، فتُعُقِّب ورُدَّ عليه:  (بِأَنَّ: الْإِنْكَارَ قَدْ يَقَعُ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِ الْإِثْمِ).

قال ابن رشيد: (وَأُجِيب بِأَنَّهُ: لَعَلَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الشَّأْنُ وَالْحَالُ لَا مُجَرَّدُ الصِّيغَةِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْثَمَ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ، وَإِنْكَارُ أَنَسٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ إِقَامَةِ الصُّفُوفِ، فَعَلَى هَذَا تَسْتَلْزِمُ الْمُخَالفَةُ التَّأثيم) [49].

*وممّن قال بالوجوب كذلك:

-أبو العلا المباركفوري، قال: (وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى وُجُوبِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ)[50].

-شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعيّ، في شرحه لصحيح البخاري:  أورد قولَ الزركشيّ أنّ أنسَ بن مالك رضي الله عنه، قال ما قاله: (تغليظًا وتحريضًا على إقامة الصفوف، وإلَّا فإقامتها سُنَّةٌ على المشهورِ، وعليه فلا يُطابق ذلك الترجمةَ)، ثم قال: (ويحتملُ أنَّ البخاريَّ اختار الوجوب أخذًا من قوله: "سوُّوا" ومن عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ومن ورود الوعيد على تركه، فإنكارُ أنس إنما وقع على ترك الواجب، وعليه فالمطابقة ظاهرة)[51].

-أبو الحسن المباركفوريّ، في شرحه لمشكاة المصابيح، قال بعد أن ذكر كلام العيني الذي سيأتي بعد قليلٍ في موضعه، قال: (قلت: الحقُّ عندي أنَّ إقامة الصف وتعديله وتسويته، من واجبات صلاة الجماعة، بحيث إذا تركها نقصتها، ويأثم تاركُها لورود الأمر بالتسوية، والأصل في الأمر الوجوب، ولورود الوعيد الشديد في تركه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم: "إن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة"، وفي رواية: "من تمام الصلاة"، ولقوله: "إن إقامة الصف من حسن الصلاة"، والمراد بحسنها تمامُها، ولشدة اهتمامه -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه بعده بذلك، ولإنكار أنس على تركه حيث قال: ما أنكرتُ شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف، أخرجه البخاري. والإنكار يستلزم المنكر، والمباح لا يسمى منكراً، ولأن عمر وبلالاً كانا يضربان أقدامهم لإقامة الصف، وضربهما أقدامهم يدل على أنهم تركوا واجباً من واجبات الصلاة. وأما إنه: هل تفسد صلاة من ترك التسوية أم لا؟ فالظاهر أنه تصح ولا تفسد، لعدم ورود نص صريح في ذلك)[52].

ثالثاً: طائفةٌ بقيت متردّدةً في الحكم:

*منهم: الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، قال: (هَذَا الْوَعِيدُ "يَعْنِي الَّذِي فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ" لَا يَكُونُ إلَّا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، وَهَذَا كَانَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ سَمَحَ فِي ذَلِكَ. اهـ)[53].

*ومنهم بدر الدين العينيّ، قال: (فَإِن قلتَ: الأَصْل فِي الْأَمر الْوُجُوب، وَلَا سِيَّمَا فِيهِ الْوَعيد على ترك تَسْوِيَة الصُّفُوف، فَدلَّ على أَنَّهَا وَاجِبَة.

قلتُ: هَذَا الْوَعيد من بَاب التَّغْلِيظ وَالتَّشْدِيد، تَأْكِيدًا وتحريضاً على فعلهَا، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَيْسَ بسديد، لِأَنَّ الْأَمر المقرونَ بالوعيد يدلُّ على الْوُجُوب.

بل الصَّوَاب أَن يَقُول: فلتكن التَّسْوِيَةُ وَاجِبَةً بِمُقْتَضى الْأَمر، وَلكنهَا لَيست من وَاجِبَات الصَّلَاة، بِحَيْثُ أَنه إِذا تَركهَا فَسدتْ صلَاتُه أَو نقصتها، غَايَةُ مَا فِي الْبَاب إِذا تَركهَا يَأْثَم)[54].

وقال في موضعٍ آخر: (فإن قيلَ: قوله- عليه السلام-:"أقيموا صفوفكم" أمرٌ قارنه التكرار، وذُكر معه الوعيد على تركه، فينبغي أن تكون إقامةُ الصفوف واجبا.

قلت: فليكن واجباً، ولكنه ليس منْ واجبات الصلاة بحيث إنه إذا تركها أفسَد صلاته أو نقصها، ولكنه إذا تركها يأثم)[55].

*ومنهم: العلامة ابن حجر، ذكر في "فتح الباري" احتجاجَ ابن رشيد، للإمام البخاري في قوله بوجوب تسوية الصّفوف، حيث قال ابن رشيد: (لَعَلَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الشَّأْنُ وَالْحَالُ لَا مُجَرَّدُ الصِّيغَةِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْثَمَ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ، وَإِنْكَارُ أَنَسٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ إِقَامَةِ الصُّفُوفِ، فَعَلَى هَذَا تَسْتَلْزِمُ الْمُخَالفَةُ التَّأثيم) [56].

قال ابن حجر: (انْتهى كَلَام ابن رَشِيدٍ مُلَخَّصًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مَسْنُونٌ، لِأَنَّ التَّأْثِيمَ إِنَّمَا يَحْصُلُ عَنْ تَرْكِ وَاجِبٍ) [57].

ثم قال ابن حجر: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَ الْوُجُوبَ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَمِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَمِنْ وُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ أَنَّ إِنْكَارَ أَنَسٍ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ قَدْ يَقَعُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ وَاجِبَةٌ فَصَلَاةُ مَنْ خَالَفَ وَلَمْ يُسَوِّ صَحِيحَةٌ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ أَنَسًا مَعَ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ) [58].

وقال ابن حجر: ("قَوْلُهُ بَابُ إِلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ": الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعْدِيلِ الصَّفِّ وَسَدِّ خَلَلِهِ)[59].

ختاماً:

كانت هذه جولةً عجلى، عرضتُ فيها لمواقف مختلف الفقهاء، حول مسألة تسوية الصفوف في الصّلاة،  وبقيت جولةٌ أخرى، نجتهد عبرها في ترجيح ما نراه راجحاً من بين المواقف المعروضة أعلاه، استناداً إلى أقوال الفقهاء المعاصرين، ولسوف يكون ذلك مع بيان ما يجب بيانه من المُجملات، واستنطاق ما لم يُسعف الوقتُ باستنطاقه من النصوص المقتبسة عن أئمّة الفقه وشراح الحديث، وكذلك مع استدراك ما يجب استدراكه من الوقفات، ومن ذلك بيان حقيقة موقف شيخ الإسلام ابن تيمية، من هذه المسألة، حيث كان من القائلين بالوجوب.

والحمدُ لله ربّ العالمين!

المراجع

[1] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 924).

[2] صحيح مسلم 119 - (430).

[3] الاستذكار (2/ 288).

[4] صحيح البخاري (722)، وصحيح مسلم (414).

[5] صحيح البخاري (723).

[6] صحيح مسلم (م) 128 - (436).

[7] صحيح البخاري (717)، صحيح مسلم  127 - (436).

[8] صحيح البخاري (1/ 146).

[9] سنن أبي داود (666)، قال الألباني: صحيح.

[10] سنن أبي داود (665). [قال الألباني]: صحيح.

[11] سنن الترمذي 227 [قال الألباني]: صحيح.

[12] صحيح ابن خزيمة (1545) قال الأعظمي: إسناده صحيح، وأخرجه البخاريّ في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 332).

[13] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 217).

[14] شرح النووي على مسلم (4/ 157).

[15] معالم السنن (1/ 184).

[16] التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 643).

[17] شرح النووي على مسلم (4/ 157).

[18] فتح الباري لابن حجر (2/ 207).

[19] معالم السنن (1/ 184).

[20] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (6/ 574).

[21] معالم السنن (1/ 184).

[22] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1).

[23] صحيح البخاري (723).

[24] شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (2/ 65).

[25] طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 325).

[26] شرح أبي داود للعيني (3/ 212).

[27] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 217).

[28] المنتقى شرح الموطإ (1/ 279).

[29] إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 346).

[30] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (6/ 592).

[31] شرح مسند الشافعي (1/ 523).

[32] العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (1/ 407).

[33] المغني لابن قدامة (1/ 333).

[34] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (2/ 39).

[35] طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 325).

[36] لعلّه محمد بن عمر بن محمد، أبو عبد الله ابن رَشِيد (657 - 721 هـ = 1259 - 1321م) المذكورة ترجمته، في الأعلام للزركلي (6/ 314)، والتي ورد فيها قول ابن حجر عنه أنّه: "فقيه [له] من الفوائد شيء كثير، وقفتُ عليه وانتخبتُ منه. ومن كتبه: (تلخيص القوانين) نحو، و(السَّنن الأبين، والمورد الأمعن، في المحاكمة بين الإمامين -البخاري ومسلم- في السند المعنعن - ط) و(إفادة النصيح - بالتعريف بإسناد الجامع الصحيح - ط) كلاهما بتونس، و(إيضاح المذاهب فيمن يطلق عليه اسم الصاحب).

[37] صحيح البخاري (1/ 146).

[38] طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 326).

[39] فتح الباري لابن حجر (2/ 210).

[40] المحلى بالآثار (2/ 372).

[41] رواه أبوداود (682), والترمذي (230), وابن ماجة (1004), وغيرهم، وصححه الالباني.

[42] المحلى بالآثار (2/ 374).

[43] المحلى بالآثار (2/ 375).

[44] المحلى بالآثار (2/ 379).

[45] المحلى بالآثار (2/ 379).

[46] المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (1/ 114).

[47] سبل السلام (1/ 374).

[48] فتح الباري لابن حجر (2/ 210).

[49] فتح الباري لابن حجر (2/ 210).

[50] تحفة الأحوذي (2/ 15).

[51] منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 435).

[52] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1).

[53] طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 326).

[54] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (5/ 254).

[55] شرح أبي داود للعيني (3/ 212).

[56] فتح الباري لابن حجر (2/ 210).

[57] فتح الباري لابن حجر (2/ 210).

[58] فتح الباري لابن حجر (2/ 210).

[59] فتح الباري لابن حجر (2/ 211).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
دعوى قضائية تطالب بإلغاء فقه ابن تيمية في مصر
في إطار الحملة على ثوابت الدين ومحاولة إلصاق التهم بالمناهج الفقهية التي يتم تدريسها، طالبت دعوى قضائية أقامها عدد من المحامين أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بمصر، بمنع تدريس فقه ابن تيمية ووقف التعامل معه، كما طالبت بضرورة مراجعة فقه المذاهب الفقهية الأربعة، ووضع علم جديد لأصول الدين.
دعاة: مساعدات المملكة للأشقاء السوريين أعظم صور التكافل
تبذل بلاد الحرمين جهودًا حثيثة لنصرة الأشقاء المستضعفين في مختلف ربوع العالم الإسلامي، وذلك انطلاقا من دورها المنوط بها كقبلة للمسلمين وحاملة لواء الدفاع عن السنة وأهلها، كان آخرها الحملة الوطنية السعودية لنصرة الأشقاء في سوريا، والتي نجحت في تقديم العديد من المساعدات والدعم للسوريين النازحين من منطقة حلب.
"التعاون الإسلامي" تُدين القانون الصهيوني بمنع الأذان في القدس الشريف
أدانت منظمة التعاون الإسلامي مصادقة حكومة الاحتلال الصهيونية على ما يسمى "قانون منع الأذان" في مدينة القدس المحتلة، معتبرة ذلك انتهاكًا خطيراً للمعاهدات الدوليّة التي تضمن حرية العبادة، والحق في ممارسة الشعائر الدينيّة، ويُشكّل مساساً بمشاعر المسلمين في العالم.
منهجيّة طلب العلم وآدابه
مواجهة دورات الفتور بضروبٍ من التَّرويح عن النفس
العلامة الفقيه الأصوليُّ الشيخ محمد علي فركوس
الشيخ أبو عبد المعز محمد عليّ بن بوزيد بن علي فركوس القُبِّيُّ، نسبة إلى القبة القديمة بالجزائر (العاصمة)، حيثُ وُلد في يوم الخميس التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٣٧٤ﻫ الموافق للخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٩٥٤م، في ذات الشهر والسنة التي شهدت اندلاع الثورة التحريرية في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم.
الزَّواج بدون وليٍّ ولا شهود
متغيّرات الحياة المعاصرة، قد تؤثّر في كثيرٍ من مفردات الحياة الاجتماعيّة، خاصّةً ما إذا كان الأفراد أطراف العلاقة يقيمون في خارج الديار الإسلامية، وإن كان الفارق بين الديار الإسلامية وغيرها من حيث حاكمية الشريعة الإسلامية، فارقاً في الدرجة وليس في الطبيعة، اللهم إلا أنه يوجد مسلمون هنا يشكلون الأغلبية، لكن حكامهم يحكمونهم بقوانين الغرب.
123
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م