مشكلةُ تخصيص اسم "الفقه" عند الغزاليّ
|
الملتقى الفقهي - صلاح عباس
أضيف فى 1438/04/09 الموافق 2017/01/07 - 05:56 م


أبو حامد الغزالي (ت505هـ)، فقيهٌ وأصوليٌّ، بل مرجعٌ من أكبر مراجع الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ. كان من رأيه ضِمْنَ كتابه الشهير "إحياء علوم الدين"، أنّ اسم "الفقه" قد تعرّض إلى ضربٍ من التّحريف والتبديل.

في هذا الكتابِ، عقد أبو حامد الغزالي مبحثاً طريفاً عنون له بقوله: (بيانُ ما بُدِّل من ألفاظ العلوم)[1]، وكان أوّلُ ما تناوله من هذه الألفاظِ، التي بُدّلت وحُرّفت، (إلى معانٍ غيرِ ما أراده السَّلف الصَّالح والقرنُ الأول): لفظُ الفقه. يقول الغزالي: (فقد تصرَّفوا فيه بالتَّخصيص لا بالنَّقل والتحويل، إذ خصَّصوه بمعرفةِ الفروع الغريبة في الفتاوي، والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالاتِ المتعلِّقة بها، فمن كان أشدَّ تعمُّقاً فيها وأكثر اشتغالاً بها، يُقال هو الأفقه، ولقد كان اسمُ الفقه في العصر الأول مطلقاً على علم طريق الآخرةِ، ومعرفةِ دقائق آفات النُّفوسِ ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب ويدلُّك عليه قوله عزَّ وجلَّ: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إليهم} وما يحصل به الإنذارُ والتَّخويفُ هو هذا الفقهُ دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام يُقسَّي القلبَ وينزع الخشية منه، كما نشاهدُ الآن من المتجرِّدين له، وقال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى).

هذه زبدةُ رأي الغزالي، ثم إنه روى هذا الأثرَ، قال:

(وقد سأل فرقد السبخيّ الحسنَ عن الشَّيء فأجابه.

فقال [فرقد]: إنَّ الفقهاء يخالفونك.

فقال الحسن رحمه الله: ثكلتك أمُّك فُريقد، وهل رأيت فقيهاً بعينك؟! إنَّما الفقيه الزَّاهدُ في الدنيا، الرَّاغب في الآخرة، البصيرُ بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافُّ نفسَه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، النَّاصح لجماعتهم).

ثمّ علّق الغزاليّ على القول المنسوبِ للحسن البصريِّ قائلاً: (ولم يقل في جميع ذلك الحافظُ لفروع الفتاوى).

ثمّ يستدرك الغزاليّ على نفسه، قائلاً: (ولست أقولُ: إنَّ اسم الفقه لم يكن متناولاً للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشُّمول، أو بطريق الاستتباع، فكان إطلاقُهم له على علمِ الآخرة أكثر).

ثم قال أبو حامد الغزالي: (فبانَ من هذا التَّخصيصِ تلبيسُ بعثِ النَّاس على التجرُّد له، والإعراض عن علم الآخرةِ، وأحكام القلوبِ، ووجدوا على ذلك مُعيناً من الطبع فإنَّ علم الباطن غامضٌ، والعمل به عسير، والتوصُّل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذِّر، فوجد الشيطان مجالاً لتحسين ذلك في القلوب، بواسطة تخصيصِ اسم الفقه الذي هو اسمٌ محمودٌ في الشَّرع)[2].

وهذا –في نظر الغزالي- وجهٌ من وجوه الأزمة التي دفعته إلى الإعلان عن مشروعه الذي أسماه: (إحياء علوم الدين) قال: (ولما كان هذا ثَلماً في الدِّين مُلِمَّاً، وخطباً مُدلهِمّاً، رأيتُ الاشتغالَ بتحرير هذا الكتابِ مُهِمَّاً، إحياءً لعلوم الدِّين، وكشفاً عن مناهجِ الأئمَّة المتقدِّمين، وإيضاحاً لمباهي العلوم النَّافعة، عند النَّبيين والسَّلف الصالحين)[3].

تُرى إلى أيّ حدٍّ كان الغزاليُّ مصيباً؟1

المراجع

[1] إحياء علوم الدين (1/ 31).

[2] إحياء علوم الدين (1/ 33).

[3] إحياء علوم الدين (1/ 2).

  

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مفتي القدس: وعد ترامب المشئوم وهو قرار من لا يملك لمن لا يستحق
قال مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين اليوم، الأحد ، في حديث لتليفزيون فلسطين عبر البث الموحد والمشترك مع عدد من الفضائيات العربية اليوم: "إن القدس عاصمة فلسطين الأبدية وعدنا الله إياها في كتابه الكريم بقرار لا يقبل النقد ولا التغيير من أحد، فهي الحقيقة الربانية والقضية الإلهية ، والمسجد الأقصى المبارك آية في كتاب الله الكريم وسورة يقرأها كل مسلم في كل صلاة".
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدعو إلى الحرص على أداء صلاة الاستسقاء
دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إلى الاقتداء بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على أداء صلاة الاستسقاء يوم غدٍ، إثر دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله - إلى إقامتها في عموم البلاد.
البنك الإسلامي للتنمية يعلن عن وظائف إدارية شاغرة لحملة البكالوريوس
أعلن البنك الإسلامي للتنمية عبر بوابة التوظيف في موقعه الإلكتروني عن توفر وظائف إدارية شاغرة لحملة مؤهلات البكالوريوس والماجستير في عدة تخصصات، وذلك للعمل بمقر البنك في محافظة جدة.
موقف فقهاء الحنابلة من مسألة وقت السِّواك المؤكد
فقد رأينا من قبلُ: أنّ الفقهاء قد اتّفقوا على أنّ السّواك سنّةٌ مستحبَّةٌ، وليس بواجب، إلا ما رُوي عن إسحاق بن راهويه، وداود بن عليٍّ، قال ابن قدامة: (أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ السِّوَاكَ سُنَّةً غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ إلَّا إِسْحَاقَ وَدَاوُد).
مفهوم الكمبيالة وأحكامها الأساسيّة
فإنّ النّشاط التّجاريّ بين البشر، إنّما يتمُّ عبر وسيطٍ ذي قيمةٍ مادّيّة نفعيّة، يتمّ على ضوئه تقييمُ ما لدى كلِّ فردٍ من السِّلع والمنافع، حتّى يتسنّى بناءً على ذلك تحقيقُ عمليّة المبادلة التي هي جوهرُ كلّ نشاطٍ تجاريّ.
في بيان مفهوم الوسيط التجاريِّ وتطوُّره
فهذا مبحثٌ ممّا تمسُّ إليه حاجةُ الفقيه وطالبُ الفقه، من الإلمام بواقع النشاط التجاريّ، وتطوّره عبر العصور، والإلمام بالظروف الواقعيّة التي أسهمت في هذا التّطوّر؛ وذلك كما قرّر العلامة ابن القيم أنّه: (لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م